العدد 1759 - السبت 30 يونيو 2007م الموافق 14 جمادى الآخرة 1428هـ

الخليجيون والعملة... من الطموح ما «قتل»

ماذا لو أصرت كل من المملكة العربية السعودية وقطر على خيار عملة خليجية موحدة تكون حدودها الأدنى «ورقية» لا «معدنية» كما هو معمول في أنظمتها النقدية اليوم؟ فهل سينتهي حلم العملة الموحدة لهذا السبب مثلا؟ من الممكن أن يحدث ذلك، فنحن خليجيون، ونعرف بعضنا بعضا جيدا.

تحتاج الدول الخليجية إلى المزيد من الحوارات، بشأن شكل العملة واسمها وصولا إلى العام 2010 فضلا عن أن تتفق نهائيا على أن تكون لها عملة موحدة بشكل نهائي يرضى بها جميع الأطراف. قد تبدو خيارات تسمية العملة وتحديد فئاتها قضية شكلية، إلا أن ثنائيات «العناد» الخليجي قد تصنع من التسمية في حد ذاتها «أزمة» تستحق التوقف!

التسريبات الصحافية تذهب إلى أن الاتفاق المبدئي خرج بإصدار ست فئات تبدأ من الوحدة الواحدة والخمسة والعشرة والخمسين والمئة والخمسمئة إلا أن خلافاتٍ في وجهات النظر بين دول الخليج مازالت تعوق الاتفاق على شكل الإصدار حتى اليوم.

أربع دول خليجية ترى أن شكل العملة يجب أن يكون ذا طابع خليجي «ولا يمت إلى أية دولة خليجية بأية صلة» فيما ترى الدولتان الأخيرتان ضرورة أن يكون الوجه الأمامي للعملة موحدا ويعبّر عن دول الخليج مجتمعة، فيما الوجه الخلفي يختص بكل دولة مفردة؛ ما يعني إصدار العملة بـ 36 إصدارا، باعتبار أن لكل فئة من الفئات يجب أن تكون هناك ستة إصدارات مختلفة بحسب طابع كل دولة.

من الشكل إلى المضمون

تتطور مجمل هذه الخلافات الشكلية لتلامس قضايا كبرى من الممكن أن تجعل الحديث عن العام 2010 أقرب أن يكون عام الجلوس الفعلي على الطاولات للمناقشة الفعلية بشأن العملة لا عام إصدار العملة.

ربط العملة الجديدة بالدولار الأميركي بعد الخروج الكويتي نحو خيار السلة النقدية التي تشمل عملاتٍ أخرى أولا، وقوة الإنتاج الاقتصادية ومدى تأثرها بهذا الربط ثانيا، والقدرة على ضبط عامل التضخم ثالثا، وأخيرا التأثيرات المباشرة على ميزان المدفوعات للدول الخليجية كافة والذي ستكون البحرين وعمان أكبر الرابحين فيه فيما سيكون على الشقيقة الكبرى السعودية أن تدفع الثمن الأكبر فيه.

في العام 2002 تم اعتماد الدولار الأميركي مثبتا مشتركا بين عملات دول المجلس، ووصولا إلى نهاية العام 2005 تم الاتفاق على معايير الأداء الاقتصادي، ومن المقرر أن يكون العام 2007 عام الاتفاق على مسمى العملة الموحدة وفئاتها ومواصفاتها وأسلوب طرحها للتداول وآلية سعر صرفها لتأتي المرحلة الأخيرة في العام 2010 بإطلاق العملة المنتظرة.

تبدو الأمور تسير بشكل جيد ما خلا فك الارتباط الذي أعلنته الكويت مع الدولار الأميركي حديثا، والتصريحات العمانية والسعودية التي أكدت أن الاستمرار في الخطة تشوبه مشكلات وأن العام المعقود لن يكون عام العملة الموحدة. العمانيون تحديدا كانوا أكثر جرأة بإعلانهم البراءة منها.

وأمام هذه التشكيكات والتعقيدات والاعتراضات تأتي تأكيدات الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عبدالرحمن العطية، الذاهبة إلى أن البرنامج الزمني للعملة الموحدة يسير بشكل مدروس، وأن قرار المجلس الأعلى في قمة مسقط، التي عُقِدت في ديسمبر/ كانون الثاني 2001 عن البرنامج الزمني لإقامة الاتحاد النقدي، وإصدار العملة الموحدة للدول في موعد أقصاه 1 يناير/ كانون الثاني 2010، هو قرار غير مسموح له أن يفشل أصلا.

الرئيس التنفيذي للبنك المركزي العُماني حمود بن صنقور أكد أن بلاده لن تشارك في مشروع العملة الخليجية الموحدة، موضحا أن قرار السلطنة نابع من اعتبارات المرحلة. وكويتيا، هاجمت الكويت منتقديها والمشككين في مساهمتها في الوصول إلى عملة نقدية موحدة وخصوصا بعد إعلانها فك ارتباط عملتها بالدولار، مؤكدة على لسان محافظ المصرف المركزي الكويتي الشيخ سالم بن عبدالعزيز الصباح الذي رفض اعتبار قرار بلاده مؤشرا على تخليها عن مشروع الوحدة النقدية لدول الخليج، معتبرا أن المجال سيبقى مفتوحا مستقبلا، بعد توحيد العملة، لتقرير سياسات الصرف المناسبة.

ما لا يقوله الخليجيون

الذي لا تقوله دول الخليج إن لا أحد يبدو مستعدا لتقديم تنازلات. هل ستدعم دولُ الخليج البحرينَ مثلا للحفاظ على نسبة محددة من التضخم كما هو معمول في الاتحاد الأوروبي الذي يضمن استقرار عملته بضمان نسب التضخم على الحدود المناسبة؟ وقبل التعهد بمساعدة البحرين أو عمان تحديدا، هل ثمة في الأساس شفافية مالية لدى بعض الدول الخليجية لإعلان نسب التضخم «السرية» أصلا؟

أما المشكلة الأكبر أمام الدول الخليجية فهي تحديد العلاقة المباشرة مع الدولار، إذ تشير التقارير الاقتصادية الصادرة عن غرفة تجارة وصناعة دبي إلى أن عملات دول الخليج مقومة بأقل من قيمتها أمام الدولار، فالريال القطري مقوم بأقل من 20 في المئة من قيمته، والدرهم الإماراتي بأقل من 12 في المئة، والريال السعودي بأقل من 23 في المئة، والدينار الكويتي والريال العماني بأقل من 16 في المئة، والدينار البحريني بنسبة 27 في المئة.

وتذكر الدراسة مثلا على ذلك كلفة سندوتش الـ «بيغ ماك» في الإمارات التي تبلغ تبلغ 10 دراهم، وبقسمته على سعر السندوتش في الولايات المتحدة الذي يبلغ 3.10 دولارات، تتساوى القوة الشرائية للدولار مقابل الدرهم الذي يساوي 3.2258 دراهم، مقارنة بسعر الصرف الحالي (3.6725 دراهم)؛ ما يعني أن الدرهم مقوم بأقل من قيمته بنسبة 12 في المئة، والريال القطري بأقل من قيمته بنسبة 20 في المئة، والدينار الكويتي والريال العماني بأقل من قيمتيهما بنسبة 16 في المئة، والريال السعودي بأقل من قيمته بنسبة 23 في المئة، على حين بلغت نسبة تقويم الدينار البحريني بأقل من قيمته بنسبة 27 في المئة.

وقالت الدراسة إن النتيجة اللافتة للانتباه هي أن كل العملات الخليجية تقوم بأقل من قيمتها ذلك أن أرخص سندوتش «بيغ ماك» كان في البحرين (2.2606 دولار)، على حين كان الأغلى ثمنا في الإمارات (2.7229 دولار)، ومن هذا المنطلق يعد الدرهم الإماراتي الأقرب إلى قيمته الحقيقية من ناحية نسبة التقويم، على حين يعد الدينار البحريني الأبعد عن قيمته عند التقويم في مقابل الدولار.

الدولار ضمانة «سرية»

وفي الجهة المقابلة، يرى البعض أن فك العلاقة مع الدولار قد يؤدي إلى كوارث اقتصادية غير محسوبة، وثمة نماذج إفريقية على ذلك. وهو ما يحيل إلى رأي ثلاث يذهب إلى ضرورة الفكاك من سلطة الدولار عبر اعتماد سلة نقدية جديدة تعتمد على مجموعة من العملات يكون الدولار صاحب التمثيل الأكبر بينها؛ وهو ما سيتيح الحصول على سعر صرف أكثر واقعية من جهة وهو ما سيخفض من ارتفاع نسب التضخم في دول الخليج من جهة أخرى.

الذي لابد من الإقرار به، هو أن العملة الخليجية الموحدة بين دول الخليج تحتاج إلى سلسلة من التنازلات التي لا يبدو أي طرف من الأطراف مستعدا لتقديمها. وإذا ما كانت البحرين وعمان الطرفين الأكثر قابلية للاستفادة والربح فإن الدول الأربع المتبقية لابد أن تكون مقتنعة بالمكاسب المستقبلية التي ستجنيها.

الدول الخليجية التي غالبا ما عانت في مشروعاتها المشتركة السابقة، وتأتي تجربة «طيران الخليج» نموذجا حيا إذ لم تستطع الدول قبول تساوي الحصص فيها مع تخالف الاقتصادات بين العملاقة والطموحة وبين المنكفئة والبطيئة النمو. وهو ما انتهى بدول المجلس إلى خيار التخلص تباعا من ملكياتها في «طيران الخليج» وخصوصا بعد خسائرها المدوية والاتجاه نحو شركات الطيران الوطنية.

ليس من المبالغة أن نقول: إن الخيار الثاني بالنسبة إلى «طيران الخليج» حقق نجاحاتٍ أكبرَ. وفي السياق ذاته، قد يكون البقاء على عملات «ست» مختلفة الشكل والرسم أفضلَ على الأقل حتى يناير 2010 تحديدا وعلى الأكثر إلى موعد مجهول لا يعرفه أحد.

العدد 1759 - السبت 30 يونيو 2007م الموافق 14 جمادى الآخرة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً