برودة الشتاء تنسلُّ بهدوء وسرعة لتسيطر على أرجاء المدينة البريطانية التي أدرسُ بها... رؤوس الطلبة المغتربين مدفونة بين كتبهم وأوراقهم... أصابعهم لا يجدونها إلا في حالتين، إما مشدودة إلى أقلامهم، أو متراقصة على لوحة مفاتيح الكمبيوتر... وعيونهم معلقة على أمل واحد يحييهم، ويشد من أزرهم، وهو أمل العودة إلى الوطن قريبا.
في بداية سنتي الأولى الدراسية ببريطانيا، أي قبل عامين من اليوم، وفي إحدى الأماسي الشتوية، كنت منهمكة في قراءة وتلخيص كتابٍ ما، حين نبّهني صوتُ الجوع إلى حقيقة أنني لم أتناول شيئا منذ الصباح. ألقيتُ نظرة على ساعتي، فرأيتُ أنها كانتْ تقارب الثامنة مساء. قطبتُ جبيني وأنا أفكر: حسنا إلى البسكويت والكعك كالعادة... أرجو أن الذخيرة لم تنفد بعد!
كنتُ على وشك أن أقوم من مكتبي، لأبحث بين زوايا الشقة عن شيء ما يؤكل، حين رنّ هاتفي المتنقل... كانتْ صديقتي التي تسكن قريبا مني، وكانتْ تشكو لي هميّن، الجوع والملل... كنتُ سأعرض عليها مشاركتي وليمتي المفترضة من البسكويت والمقرمشات، حين اقترحتْ بصوت آمل لمساندتي: هل نذهب إلى مطعم الوجبات السريعة الفلاني؟
لم يكن المطعم بعيدا، إذ كان يستغرقنا الوصول إليه عشر دقائق في الحافلة، ولكن الخروج من المنزل سيكون متنفسا جيدا على أي حال... أجبتها ضاحكة: مطعم الوجبات السريعة... ووجبتنا المعتادة من برغر السمك والبطاطس؟... لا بأس بذلك! في دقائق كنا قد تدثرنا بثياب دافئة... وانطلقنا إلى مطعم الوجبات السريعة في وسط المدينة.
بينما كنا نأكل وندردش، توقفتْ صديقتي عن الكلام والمضغ فجأة، وأشارت علي بالسكوت... كانتْ تصيخ السمع إلى صوتٍ ما لفت انتباهها، من بين جميع أصوات الأشخاص الذين تبقوا في المطعم... حاولتُ أن أسمع ما كانتْ تسمتع إليه فوجدته صوتا قادما من الزاوية البعيدة، صوتا يتردد على وتيرة واحدة ولحن واحد، ولكنني مع ذلك لم أستطع أن أميزه.
همستْ صديقتي بانفعال: إنه صوت عربي... هززتُ رأسي مستبعدة ولم أردّ عليها، فيما كان الصوت مستمرا في تردده، يعلو حينا ويخفت أحيانا، وكلانا تحاول استجلاءه من بين صخب الزبائن. صاحتْ صديقتي فجأة: إنه قرآن... قرآن... لقد ميّزتُ بعض الكلمات من سورة ياسين!
صحتُ بها: مستحيل! قرآن، في مطعم انجليزي وفي هذا الوقت من الليل! نظرتْ كلانا إلى الأخرى بحيرة، وكنّا خائفتين من أن يتوقف الصوت من دون أن نكتشف ماهيته.
تركتُ طعامي ونهضتُ قائلة: لابد لي من أن أتأكد! مشيتُ بهدوء بين صفوف الكراسي والطاولات التي بدأتْ تخلو من الزبائن... عيناي تبحثان، وأذناي مشنفتان أتتبعُ الصوت. حين وصلتُ إلى نهاية المطعم إذ كانت الزاوية، توقف الصوت ولم أجدْ سوى عاملا منشغلا بكنس الأرض. حين لم أر مسجل صوت، أو أي شيء من هذا القبيل، استجمعتُ شجاعتي وسألت العامل باللغة الانجليزية: هل سمعتَ الصوت الذي كان يصدر من هذا الاتجاه؟
رد علي العامل باقتضاب: أي صوت؟
- الصوت... كان هناك صوتٌ ما يصدر من هنا... أشبه بترتيل من مسجل.
أجاب العامل بتردد: كان صوتي!
سألته وقد اتسعتْ عيناي: ما كان هذا الصوت؟
- قرآن كريم.
اندهشتُ، ولكنّ فرحة كبيرة طغتْ على مشاعري، وسألته:
- إذا أنت مسلم!
- نعم
بدأتُ للتو أميز ملامحه الشرقية، بشعره الأسود وبشرته السمراء... سألني بالعربية وهو يلاحظ ملابسي:
- وأنتِ مسلمة طبعا!
- نعم
أخرج من جيبه بطاقة ما، ومدها إلي وهو يقول: هذه البطاقة ستوفر لكِ الحصول على وجبة مجانية، وإذا احتجتِ غيرها سأكون هنا لأعطيكِ المزيد.
أخذتُ البطاقة منه بحرج وأنا أشكره، وقلتُ له: أرجوك استمر في القراءة، إذ كان الترتيل رائعا!
ابتسم لي وهو يهزّ رأسه بالإيجاب، ومضيتُ إلى صديقتي وأنا أسمع صوت الترتيل وقد ارتفع ثانية. فرحتْ صديقتي هي الأخرى حين أخبرتها بما حدث، وأحسّتْ كما أحسستُ أنا، بأن الإسلام والقرآن يحوّلان الزوايا المظلمة والأماكن الموحشة إلى فراديس تشع بالنور والدفء. ولكن، مع ذلك، فإن شعورا ما ظلّ يتألم في داخلي في كل مرة، وأنا أتذكر ذلك الوجه العربي المرهق، واليدين القابضتين على المكنسة في زاوية المطعم القصيّة، إذ تردد ذلك الصوت الشجي لآيات سورة ياسين، وظل يتردد في قلبي منذ ذلك الحين.
مريم حسين المهدي - بريطانيا
العدد 1883 - الخميس 01 نوفمبر 2007م الموافق 20 شوال 1428هـ