العدد 2271 - الأحد 23 نوفمبر 2008م الموافق 24 ذي القعدة 1429هـ

قرصنة وعولمة

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

هل يمكن أن تتعايش القرصنة مع العولمة في عصر واحد؟

الجواب السريع يتجه بالتأكيد نحو النفي انطلاقا من فرضيات نظرية تشير إلى أن القرصنة نمط غير إنتاجي يعتمد السطو واسطة للعيش، بينما العولمة نمط متطور تجاوز الجنسيات وتخطى الحدود لتشكيل قوة عالمية للاقتصاد الحديث.

الجواب الأقل سرعة يتجه نحو البحث عن تشابه بين النمطين انطلاقا من وقائع تشير إلى أن العولمة في صورتها المتوحشة قريبة من أسلوب ذاك النمط «الإنتاجي» الذي يعتمده القراصنة للاستيلاء على ثروات الغير والتفاوض عليها لاقتسامها وتوزيعها. فالسلب قد يشكل الجانب المشترك الذي يوحد القرصنة والعولمة في عصر واحد.

الجواب الهادئ في سرده لتلك العلاقة المتوهمة بين السلوكين يدفع نحو البحث عن دوافع غير منظورة تقف وراء نمو هذا النمط غير الإنتاجي ولكنه موجود في التاريخ بصفته يمثل قوة (قطاع طرق) تقتنص الفرص وتغدر بالضحية وتكسب بالمجان أو تشارك محصلة جهد وأتعاب القوة المنتجة.

عمليات القرصنة الصومالية تشكل مناسبة تفتح المشهد الإقليمي على قراءات دولية يمكن أن ترسم صورة مشوشة عن واقع مضطرب تتعايش في إطاره حالات متعارضة في أنماطها. فالقرصنة في عصر العولمة مسألة مستبعدة نظريا لكونها تنتمي إلى عالم آخر يفترض أنه غاب عن مسرح التاريخ منذ فترة بعيدة. ولكن قراصنة الصومال أكدوا حضور هذا العالم في الواقع حين نجحوا في الاستيلاء على سفن وبواخر في بحار ومحيطات تمخرها الأساطيل الحربية.

هذه الجرأة في التحدي طرحت أسئلة استفهامية بشأن الإمكانات التي تتمتع بها عصابات القرصنة. فمن أين جاءت وسائل القراصنة؟ ومن وفر لهم حرية الحركة؟ وكيف يمكن لعصابة تعتمد على السلب أن تفلت من الرقابة؟ وهل يستطيع القراصنة في عصر تطور العولمة تجاوز كل أجهزة الرصد والتتبع ومن ثم التحايل على الأقمار الاصطناعية وتضليلها والتهرب من المطاردة والملاحقة؟

الأسئلة الاستفهامية طرحت من باب آخر بعض الشكوك عن الجهة المستفيدة والقوى المتضررة والأهداف المرجوة من وراء تحديث اقتصاد السلب والسطو وإعادة ترويجه بصفته نمطا للعيش.

مثلا هل صحيح أن أقمار الدول الكبرى الاصطناعية عاجزة عن كشف ملاجئ القراصنة وخطوطهم البحرية؟ وهل صحيح أن أساطيل الدول الكبرى الحربية والتجارية غير قادرة على تجنب الوقوع في مصائد القراصنة؟ وهل صحيح أن عصابات السلب والسطو تمتلك تجهيزات ومعدات وقوارب سريعة وأسلحة متطورة تفوق إمكانات وقدرات الدول الكبرى؟

مختلف الأجوبة تشير إلى نفي كل هذه الفرضيات والاحتمالات، ولكن الوقائع الميدانية تؤكد حصول 96 عملية سطو في سنة واحدة جنى منها القراصنة مبالغ مالية تجاوزت 150 مليون دولار. المسألة إذا تحتاج إلى قراءات قد تفتح المشهد الإقليمي على صورة دولية مشوشة بشأن تلك المقاصد التي يراهن عليها من وراء تشجيع نمط السطو والسكوت عن اقتصاد السلب.

صوملة وعرقنة

المشهد الإقليمي يشير إلى تطور الفوضى في دائرة «الشرق الأوسط الكبير» وصولا إلى القرن الإفريقي. والفوضى في معناها السياسي الأميركي «خطوة بناءة» تساعد على هيكلة الاقتصاد وتسهل مهمة إعادة تشكيل الخرائط ومناطق النفوذ ومراكز القوى. والصوملة التي أسست القرصنة كانت المفتاح السياسي الذي أعطى فرصة لنمو اقتصاد النهب والسلب والسطو.

القرصنة هي الوجه الاقتصادي للصوملة. فالأخيرة أنتجت سياسيا ذاك الاقتصاد القائم على قاعدة إلغاء الإنتاج. وتعطيل الإنتاج يعني التشجيع على الارتداد إلى زمن سابق وتبرير استخدام كل الوسائل الطبيعية المشروعة وغير المشروعة للحصول على الحد الأدنى من متطلبات المعاش.

ماحصل في الصومال خلال العقدين الأخيرين أنتج فوضى دائمة ألغت الدولة والاقتصاد والإنتاج وأسست دوائر محلية تعتمد قوة القبيلة وسيلة لبسط النفوذ. ومثل هذه «الفوضى» تعطي فرصة لتوسيع سياسة الهدم ومن ثم التوسع وراء حدود القبيلة طمعا برزق الآخرين.

الأمر نفسه حصل في العراق. فهذا البلد الغني بالنفط والمياه تعرض لغزو خارجي قوضت دولته واقتصاده وإنتاجه وتركت ثرواته غنيمة حرب لقبائل الطوائف والمذاهب. فالعرقنة في جانبها الفوضوي ألغت الدولة والإنتاج وأعطت فرصة لنمو اقتصاد النهب والسلب والسطو.

القرصنة سياسيا هي نتاج الفوضى الأمنية/ الاقتصادية وعدم نهوض قوى إقليمية بديلة قادرة على ضبط حدودها والدفاع عن مجالها الحيوي وتنظيم علاقات تمنع تمدد الفوضى وانتشارها خارج الحدود تحت مظلة دولية غير معنية كثيرا باستقرار المنطقة ونموها وتطورها.

والقرصنة اقتصاديا هي سياسة تريد الضغط على دول المنطقة (تحديدا تلك المطلة على البحر الأحمر) وكشفها أمنيا وتكبيلها تجاريا من خلال تعطيل خطوط الإمداد والنقل. وبهذا المعنى السياسي الاقتصادي المشترك تصبح القرصنة وسيلة من وسائل زعزعة الاستقرار وحاجة أمنية لا تتعارض كثيرا مع «العولمة» بوصفها قوة خارقة للحدود وعابرة للقارات.

هناك عناصر مشتركة بين «القرصنة» و«العولمة» منها المغامرة والمقامرة وكراهية القانون وتجاوز الحدود واختراق الحقوق وعدم الاعتراف بالدول والسيادة ورفض أنظمة الحماية. فالقرصنة تفضل نمط السوق وآلياته الفوضوية التي تفسح المجال للقنص وتبتعد عن اقتصاد الإنتاج لكونه يتشكل على قواعد تضبط العمل وقنوات منظمة لتصريف البضاعة.

القرصنة تعريفا هي فوضى في آلياتها وقنواتها وأسلوب حياتها ونمط معاشها. وحين تدب الفوضى وتتوسع دائرة نفوذها تتحسن شروط الإنتاج السياسي للقرصنة. ولهذا السبب شهدت المنطقة عودة سياسية إلى إنتاج القرصنة، لأن الفوضى التي اكتسحت الدائرة الإقليمية في السنوات الأخيرة وفرت المناخ الطبيعي لنمو هذه الظاهرة في عصر يفترض نظريا انقراض هذا النوع من اقتصاد السلب والسطو.

العالم يعيش الآن طورا من الفوضى الدولية في أسواق المال وتتبخر أمامه في لحظات ثروات هائلة من شاشات البورصة وتعجز كل تدخلات القوى الكبرى في احتواء انفعالات الأرقام صعودا وهبوطا... ومثل هذا العالم الفوضوي الذي لم يتوصل قادته حتى الآن إلى التوافق أو حتى التفاهم على الأسباب التي دفعت الأسواق إلى هذه الكارثة يمكن من خلال مراقبة صورته المشوشة رؤية الكثير من عناصر التعايش بين «القرصنة» و«العولمة» في عصر واحد

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2271 - الأحد 23 نوفمبر 2008م الموافق 24 ذي القعدة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً