دخل لبنان أمس (الثلثاء) الشهر الخامس منذ تكليف النائب سعد الحريري، أبرز أركان الأكثرية، تأليف حكومة من دون أن تبصر التشكيلة المنتظرة النور، وسط قلق محلي ودولي من تبعات الفراغ القائم في إدارة الدولة.
ويفرض سيل التصريحات والتحليلات اليومية المتفاوتة بين التفاؤل والتشاؤم نوعا من التوازن السلبي بين إمكانات الحل وتعقيداته، مع صعوبة بالغة في تحديد موعد للولادة المتعثرة.
وقال المحلل السياسي في جريدة «النهار» إميل خوري لوكالة «فرانس برس» إن الوضع «غير طبيعي»، موضحا أن «الفراغ الحكومي مفتوح على كل الاحتمالات» بينها «مخاطر أمنية وطرح تغيير النظام الديمقراطي وإبرام اتفاق طائف جديد».
وذكر أن «وثيقة الوفاق الوطني» التي اتفق عليها اللبنانيون في الطائف في السعودية في العام 1989 ووضعت حدا للحرب الأهلية (1975-1990) «تمت في ظل ضرب المدفع»، واتفاق الدوحة الذي أنهى أزمة سياسية تطورت إلى مواجهات مسلحة في الشارع أبرم في قطر في 2008 «تحت ضغط أحداث 7 مايو/ أيار» التي أدت إلى مقتل أكثر من مئة شخص في معارك بين أنصار الأقلية والأكثرية.
ويرى المحلل السياسي في جريدة «الأخبار» جان عزيز بدوره أن «الخطر الوحيد الجدي» المتأتي عن التأخير في تشكيل الحكومة يكمن في «انكشاف هشاشة نظام اتفاق الطائف الذي منذ عشرين عاما يعيش على وصايات خارجية».
وقال «بعد أربع سنوات على انكفاء الوصاية، يتبين أن هذا النظام غير قابل للحكم الذاتي والتلقائي».
وتضمن اتفاق الطائف إصلاحات في النظام السياسي كرست في الواقع التحاصص الطائفي والمذهبي في إدارة الدولة.
وشغر منصب الرئاسة في لبنان لأكثر من ستة أشهر حتى تم انتخاب ميشال سليمان رئيسا توافقيا في مايو 2008، استنادا إلى اتفاق الدوحة. وكلف الحريري المرة الأولى تشكيل حكومة في 27 يونيو/ حزيران بعد انتخابات نيابية فاز فيها على رأس تحالف من الأحزاب والشخصيات بغالبية مقاعد البرلمان.
وكتبت صحيفة «النهار» القريبة من الأكثرية أمس (الثلثاء) في عنوانها الرئيسي «الأزمة الحكومية على خطى الفراغ الرئاسي».
في الوقت نفسه، يحذّر خبراء اقتصاديون من تبعات الفراغ على المستوى الاقتصادي.
واعتبر وزير المال محمد شطح في حديث صحافي نشر أمس أن «التأخير لا يؤثر على النتيجة المالية والمصرفية التي تجاوزها لبنان في أحلك الظروف، بل على الاقتصاد اللبناني»، مشيرا إلى تعقيدات في حل مشكلة الكهرباء التي تحتاج إلى قرارات حكومية ملحة لإصلاح القطاع المهترىء وفي التعيينات الإدارية الضرورية لإدارة المؤسسات.
كما أبدت صحيفة «الديار» تخوفا من خسارة لبنان استثمارات جديدة مهمة بسبب غياب الحكومة، علما أنه لم يتأثر حتى الآن بالأزمة المالية العالمية بل شهد خلال السنة الفائتة رقما قياسيا في ودائع المصارف بسبب حجم التحويلات الخارجية.
وتثير كل هذه التعقيدات قلقا لدى جهات خارجية وجدت نفسها مرارا مضطرة للتدخل خلال السنوات الأخيرة لحل الأزمات المتكررة في البلد الصغير الواقع ضمن منطقة متفجرة.
وقد عبر ممثل الأمين العام للأمم المتحدة مايكل وليامز أكثر من مرة أخيرا عن «قلق الأمم المتحدة لتأخير تأليف الحكومة»، كما قال الاثنين، معتبرا أن «الوقت اليوم هو الأساس».
وكان وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الذي زار بيروت الأسبوع الماضي عبر بدوره عن قلق بلاده، مبديا خشيته من انعكاسات المخاطر الموجودة في المنطقة «على أن لبنان ووحدته وحريته».
وقال «لا يمكن الاستمرار هكذا. هذا يعرض لبنان لتأثيرات التوجهات الأكثر خطورة في المنطقة» حيث الوضع «ليس جيدا»، على حد قوله.
ومنذ تكليف الحريري للمرة الثانية تشكيل الحكومة في 16 سبتمبر/ أيلول، يحرص فريقا الأقلية المدعومة من دمشق وطهران والأكثرية المدعومة من الغرب والسعودية على اعتماد خطاب سياسي هادئ، وغن كان كل منهما يتبرأ من مسئولية العرقلة.
ورأى جان عزيز أن «العقبات أمام تشكيل الحكومة داخلية. إنه صراع على الأحجام وعلى الحصص والنفوذ في البلد».
وأوضح أن «الأفرقاء الأساسيين في الداخل، وتحديدا الأكثرية الممثلة بالحريري والعصب المسلح في المعارضة أي حزب الله، يمثلون قوى إقليمية، وهذه القوى في مرحلة حوار وانفتاح».
وتابع أن «هذا الأمر انعكس توجيهات واضحة وصريحة ونهائية للفريقين بضرورة تشكيل حكومة ائتلافية (...)، فصار هامش اللعبة بعد ذلك للأفرقاء الداخليين من أجل تحسين حصصهم وشروطهم».
أما إميل خوري، فتحدث عن عامل داخلي يكمن في «التحالف الشيعي المسلح»، في إشارة إلى حزب الله وحركة أمل، الذي «خربط كل موازين القوى».
واعتبر أن هذا التحالف «يستطيع التهديد في كل وقت بـ7 أيار جديد».
وأكد أن أسباب التعثر «محلية وعربية وإقليمية ودولية مجتمعة لها أدوات في الداخل».
وقال إن «إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في ملفها النووي، كذلك سورية التي لديها مشاكل مع المجتمع الدولي، والسعودية التي لديها مشكلة الحوثيين في اليمن المجاورة. لقد أصبح لبنان مكبا لمشكلات المنطقة».
العدد 2611 - الخميس 29 أكتوبر 2009م الموافق 11 ذي القعدة 1430هـ