-
الإسلام ومقومات التنمية الشاملة (1)
نبيل السمالوطي - أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر
تردد في السنوات الخمسين الأخيرة مصطلح مهم في منظومة العلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو مصطلح التنمية بمضامينها المختلفة إذ برز أولا مفهوم التنمية الاقتصادية، أي زيادة الإنتاج المادي والأرباح والدخول، ثم اتضح أن هذه التنمية وحدها تؤدي إلى الكثير من المكاسب الاجتماعية، هذا إلى جانب أن التنمية الاقتصادية تتطلب كوادر ومهارات إدارية وفنية وعمالة ماهرة وصحة جسمية ونفسية ومهنية... وهذا ما أدى إلى بروز مفهوم التنمية الاجتماعية. وهذه تتصل بالتنمية في مجال التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وتحسين مستويات معيشة الناس وترقية حياتهم، ونتيجة للعلاقة الجدلية أو التفاعلية أو التبادلية بين التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، فإن مستويات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والمادية والنفسية للناس تتطلب موازنات تقررها التنمية الاقتصادية. ثم إن هذه الأخيرة، أي التنمية الاقتصادية تفترض بناء الإنسان المتعلم القادر على الإنتاج الممتلك لمهارات العمل الفني أو الإداري والإتقان فيه وتجويده، الإنسان الصحيح جسديا ونفسيا هو القادر على الأداء الاقتصادي والراغب فيه. لهذا برز مصطلح جديد هو مصطلح التنمية الشاملة الذي يتضمن زيادة الإنتاج والخدمات وتحقيق العدالة والحرية والمساواة.
والمتأمل في الدين الإسلامي الحنيف يتيقن أن هذا الدين استنادا إلى مصدريه الأساسيين القرآن والسنة قد أكد أن التنمية الشاملة ـ الاقتصادية، الاجتماعية، البشرية، الأسرية، الإدارية، السياسية... ـ فريضة دينية تدخل في مفهوم العبادة، قال تعالى في سورة (هود):» هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها».
وقد جعل الإسلام كل مقومات النهضة والتقدم الشامل والتنمية عبادة لله يتقرب بها العبد من ربه، ويمكن تحديد أبرز هذه المقومات فيما يلي:
- إعلاء شأن العقل وضرورة إعماله... لفهم سنن الله في الكون وفي التاريخ وفي المجتمع، والانتفاع بهذا الفهم في بناء العلم النافع وما يترتب عليه من تطبيقات تكنولوجية تساعد الناس على الانتفاع بالمسخرات الكونية لتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي من جهة ولزيادة الجرعة الإيمانية عند الناس من جهة ثانية، ولإطلاق طاقات الإبداع العقلي والعلمي لعمارة الأرض وعمارة النفس وعمارة العقل وعمارة المجتمع.
- إعلاء قيمة العمل المتقن... وهو ما يطلق عليه علم الجودة الشاملة... قال تعالى: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه». وقد وصف الله نفسه سبحانه وتعالى أنه صانع متقن. يقول تعالى: «صنع الله الذي أتقن كل شيء، ويقول عليه الصلاة والسلام: «إن الله كتب على نفسه الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم أحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته، ولا شك في أن الإتقان أهم عنصر في مجال التنمية سواء في الإنتاج الاقتصادي أو التربوي أو الإداري أو الاجتماعي».
- العدل في كل الأمور على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.. فإن-العدل هو أساس بناء المجتمع الآمن المستقر المتعاون المتكافل. والقرآن يطالبنا بالعدل حتى مع الأعداء أو الوالدين والأقربين «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى»، ويقول تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون».
هذه القيم العليا في الإسلام ـ العدل، الإحسان، بر الوالدين والأقارب، والبعد عن كل ما يتصل بالفحشاء والمنكر والبغي ـ هي الأساس الأول لأي تنمية ناجحة مستمرة.
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 2618 - الجمعة 06 نوفمبر 2009م الموافق 19 ذي القعدة 1430هـ
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
-
ارشيف الانتخابات النيابية والبلدية
-
اقرأ ايضاً من (إسلاميات) لهذا العدد
-
ملاحق الوسط
-
دخول الأعضاء




