بدت الدبلوماسية التركية الأسبوع الماضي متوازنة إلى حد كبير، فتركيا تتباهى بأنها جسر يربط بين الشرق والغرب من جهة وبين الشرق الأوسط وأوروبا من جهة أخرى. لكن - بعيدا عن أهمية تركيا الاستراتيجية والجغرافية وموقعها المهم الممتد من البلقان إلى القوقاز إلى أفغانستان - فإن سياسة أنقرة الخارجية متعددة الأوجه قد تواجه قريبا اختبارا ربما يجبرها على اتخاذ أحد الجانبين، وخصوصا عندما تضغط الدول الكبرى لفرض عقوبات على إيران.
وفي تأكيد على علاقتها الفريدة بإيران رحب القادة الأتراك بوزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي في أنقرة في وقت تزيد فيه القوى الغربية من الضغوط على طهران بسبب برنامجها النووي واستضافت تركيا اجتماعا لدول حلف شمال الأطلسي وأجرت محادثات مع وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس.
وقال إبان ليسير، من صندوق مارشال الألماني «تتبع تركيا نهجا مستقلا للغاية في سياستها الخارجية وسببت خيبة أمل لبعض من حلفائها التقليديين في الغرب، لكنني أعتقد أن تركيا تسير باتجاه اختبار مهم يتعلق بإيران.»
وأضاف «إذا أجرى مجلس الأمن الدولي تصويتا بشأن فرض عقوبات على إيران فإن تركيا ستكون في دائرة الضوء».
وتسعى قوى غربية كي يوافق مجلس الأمن الدولي على فرض عقوبات جديدة على إيران بحلول نهاية مارس/ آذار وذلك لحث الجمهورية الإسلامية على تجميد تخصيب اليورانيوم وهي عملية قد تكون لها أغراضها السلمية - أو العسكرية.
وقال دبلوماسي أجنبي يعيش في أنقرة «لا يمكن أن تكون كل شيء في أي وقت وفي كل القضايا وهذا هو ما تريده تركيا».
وتعددت التساؤلات خلال الأشهر القليلة الماضية بشأن ما إذا كانت السياسة الخارجية لتركيا المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي تتجه ببطء نحو الشرق وتهجر توجهها القديم ناحية الغرب.
وأثار تنامي علاقات أنقرة مع طهران ودول إسلامية أخرى وتدهور علاقاتها بـ «إسرائيل» الحديث في بعض الدوائر بشأن «تغير محور» تركيا الدولة العلمانية المسلمة التي انضمت إلى حلف شمال الأطلسي العام 1952.
ولا تبدو الولايات المتحدة - التي تخوض حربين في أفغانستان والعراق والحريصة على تحسين العلاقات مع الصين وروسيا - مهتمة كثيرا بالسياسة الخارجية لأنقرة لكنها أكدت بدلا من ذلك على مجالات يمكنها العمل فيها مع تركيا حليفتها.
وقال السفير الأميركي، جيمس جيفري، أمام رجال أعمال من الولايات المتحدة وتركيا الأسبوع الماضي «من البلقان إلى البحر الأسود ومن الشرق الأوسط إلى الهند لا توجد دولة أكثر نجاحا أو استقرارا من تركيا ويجب علينا ألا ننسى أبدا هذا الأمر».
وعبر بعض حلفاء تركيا في الغرب عن قلقهم من تنامي علاقات أنقرة بطهران ما سيحد من شعور إيران بالعزلة ويؤدي إلى إحباط جهود دبلوماسية تهدف لمنع إيران من صنع قنبلة نووية.
وأثار رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، دهشة بعض من الأصدقاء التقليديين لأنقرة عندما وصف الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في الآونة الأخيرة بأنه «صديق حميم» وأشار إلى الحديث بشأن برنامج إيران للتسلح النووي على أنه «شائعة».
واتضحت الصداقة التركية الإيرانية يوم الأربعاء عندما زار وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي أنقرة. وقالت تركيا إنها لا تفضل فرض العقوبات على إيران وإنما تؤيد الحوار.
وقال معلق مشهور اسمه محمد علي بيراند «نرى أن القادة الأتراك متعاطفون مع إيران فيما يتعلق بالقضية النووية. يظهر القادة الأتراك في المناقشات والصور أو اللقطات التلفزيونية جنبا إلى جنب مع نظرائهم الإيرانيين ويتبادلون العناق معهم».
وذكر ليسير أنه إذا صوتت أنقرة ضد أي عقوبات على إيران أو امتنعت عن التصويت فإن ذلك سيضيف إلى التوتر في علاقات تركيا بالغرب، و خصوصا مع الولايات المتحدة. وقال «لن يكون انقلابا في السياسة الخارجية وإنما تطور مدهش بالتأكيد».
وقلل الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، أندرس فوج راسموسن، من أهمية تقارير أفادت بوجود صدوع في السياسة الخارجية التركية.
وقال لصحافيين في أنقرة «أعتقد أن تركيا ولأسباب جغرافية وسياسية يمكنها لعب دور فعال وستفعل ذلك».
لكنه حث تركيا على حل خلافاتها مع الاتحاد الأوروبي بشأن جزيرة قبرص المنقسمة وهو نزاع ألقى بظلاله على عمليات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان وغيرها.
وتقول أنقرة إنه من الممكن إقامة علاقات جيدة مع إيران والسعي لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي في آن واحد. وتؤيد أنقرة سياسة الاتحاد وواشنطن الرافضة لامتلاك إيران أسلحة نووية، كما عرضت للتوسط بين القوى العالمية وطهران.
ولتركيا صلات بالتكتلات المختلفة في القيادة الإيرانية وهو أمر تفتقر إليه الولايات المتحدة وبريطانيا.
ويقول مسئولون أتراك إن ثمة حاجة لاتباع نهج يتحلى بالصبر مع الإيرانيين ولا تدرك الحكومات الغربية دائما هذا الأمر.
وقال مسئول تركي كبير في أنقرة «اخترعوا (الإيرانيون) الشطرنج... لا توجد طرق مختصرة معهم».
وأشار السفير الأميركي جيفري إلى أنه لا يرى مشكلة في تواصل تركيا مع إيران، لكنه قال إنه يشكك في قدرة أنقرة على إقناع طهران بالتخلي عن أي طموحات قد تكون لديها لامتلاك قنبلة نووية.
وأضاف «تجرب أي مفتاح لفتح باب المشكلة. وإذا لم يفلح هذا المفتاح فلتجرب آخر... لكن يبدو أنه لا يوجد مفتاح لهذا الباب على وجه التحديد».
العدد 2713 - الإثنين 08 فبراير 2010م الموافق 24 صفر 1431هـ