تعتبر نهائيات كأس العالم لكرة القدم أهم حدث رياضي في العالم على الإطلاق الى جانب الألعاب الاولمبية، لكنها ستحمل أهمية أضخم هذا الصيف لأنها ستكون على أراضي جنوب إفريقيا البلد التي يطلق عليها لقب «قوس القزح»، على ملاعب البلد الذي عانى الأمرين تحت نظام الفصل العنصري، على تراب القارة التي تعيش القهر والحرمان والفقر.
يكفي أن تذكر اسم روبن ايلاند لتعلم ما يعني أن تستضيف جنوب إفريقيا نهائيات كأس العالم بنسختها التاسعة عشرة وما تحمله كرة القدم من معان لشعب اختبر نظام الفصل العنصري حتى أوائل التسعينيات.
ما زال الجميع يتذكر تلك اللحظة التاريخية الخالدة التي ظهر فيها نيلسون مانديلا متقدما في السن ومرتجفا بعد إطلاق سراحه من سجن فيكتور فيرسيتير، وهو يرفع يديه إلى السماء مناديا الجماهير المحتشدة في الميدان ليطلق العبارة الشعبية الشهيرة «اماندلا» التي تعني «السلطة للشعب» بلغة الزولو.
أمضى نيسلون مانديلا ثلث حياته في الزنزانة كمعتقل سياسي قبل أن يخرج الى الحرية في 11 فبراير/ شباط 1990، محطما معه «جدار» الفصل العنصري.
لقد حقق مانديلا عودة تاريخية ليؤسس للحظة توقفت فيها الحركة بشكل كامل في كل إرجاء جنوب إفريقيا وتصدرت البلاد عناوين الصحف والمجلات في كل حدب وصوب، وأصبح «ماديبا» زعيم الحرية ومن أشهر الوجوه في العالم بعد أن كانت صورته مجهولة بالنسبة للعالم الخارجي وأبناء شعبه لمدى 27 عاما.
تم اعتقال «ماديبا» سنة 1962 ليصبح بعدها اسمه مرادفا للنضال من اجل الحرية في جنوب إفريقيا على رغم أن الملايين من مناصريه لم يسبق لهم أبدا أن رأوا صورته. وخلال محاكمة ريفونيا الشهيرة حكم بالإعدام على مانديلا وبعض القادة الثوريين الآخرين مثل وولتر سيسولو وجوفان مبيكي واحمد كاثرادا بعد اتهامهم بتخريب الممتلكات العامة وغيرها من التهم التي نسبت إليهم لكن الضغوط الخارجية لعبت دورها في تجنيبهم المشنقة.
تم ترحيل مانديلا من سجن بريتوريا إذ كان يقبع تحت الحراسة المشددة ليتم عزله في زنزانة بسجن روبن ايلاند الذي تم تشييده خصيصا لاعتقال من كانوا يسمون بأعداء الدولة.
هنا بدأت كرة القدم تتلازم مع معنى مقاومة القهر والعزل، وأصبحت منفذا للأمل وتناسي الواقع المرير، إذ انه خلال سبعة من الأعوام الـ18 التي أمضاها مانديلا على الجزيرة، كان اتحاد ماكانا لكرة القدم فاعلا، و»ماكانا» هو قائد قبيلة وكان من أول السجناء السياسيين الذين احتجزوا في روبن ايلاند بسبب رفضه للاستعمار.
استند اتحاد ماكانا الى شعار «يديره السجناء من اجل السجناء» وتقيد حصرا بقوانين الاتحاد الدولي للعبة لأنه كان من الكتب الوحيدة الموجودة في مكتبة السجن خلال تلك الفترة.
كرة القدم لم تكن وحسب متنفسا من العذاب الجسدي والنفسي الناتج عن السجن، لقد علمت السجناء مفهومي الانضباط والغاية.
كان السجناء منقسمين استنادا الى ولائهم السياسي أن كان لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي أو مؤتمر عموم إفريقيا، لكنهم وضعوا ذلك جانبا واجتمعوا من اجل إدارة اتحاد كرة القدم.
والأمر الأهم هو أن كرة القدم منحت السجناء مساحة حيوية خاصة بهم، منحتهم وسيلة لإظهار أن بإمكانهم أن يحكموا أنفسهم وبالتالي البلاد. وهذا ما فعلوه، إذ أن العديد من الذين عملوا على إدارة وتنظيم كرة القدم في روبن ايلاند وصلوا الى مراكز السلطة، بينهم الرئيس الحالي لجنوب إفريقيا ياكوب زوما (الذي كان أحد حكام الدوري)، وموسيووا ليكوتا رئيس كونغرس حزب الشعب ووزير الدفاع السابق.
وكان توكيو سيكسوايل الذي ساهم في صك الدستور الجديد لجنوب إفريقيا عام 2004 واحد أعضاء اللجنة المنظمة لكأس العالم جنوب إفريقيا 2010، من الرموز الفاعلة أيضا في اتحاد «ماكانا».
«كرة القدم أبقتنا على قيد الحياة»، هذا ما قاله سيكسويل في حديث مع موقع الاتحاد الدولي، مضيفا «كل شيء كان ممنوعا على روبن ايلاند، لكننا كنا نهرب كتاب قوانين الاتحاد الدولي خلسة. وكان لدينا حتى حكاما +محترفين+ ولجان انضباط مناسبة. قسمت الفرق استنادا الى ولائها السياسي. كنا نلغي المباراة في بعض الأيام إذا كان مؤتمر عموم إفريقيا غاضبا. لكن اتحاد ماكانا لكرة القدم كان وسيلة لتوحيدنا جميعا. تخطى كل الحواجز السياسية. أدركنا انه كان وسيلة هامة من اجل تضامننا، وحدتنا وتعاوننا». وأضاف «استعمل السجناء أي مواد تمكنوا من وضع أيديهم عليها من اجل صنع الكرة. لعبنا بما كان متوفرا وشبكة المرمى كانت مصنوعة من شباك صيد حقيقية جرفتها الأمواج الى الجزيرة. طلبنا الإذن لكي نسحبها (الشباك) عن الشاطئ. بحلول الوقت الذي جئت فيها الى روبن ايلاند، كان اتحاد ماكانا حقق العديد من الخطوات. بعد عدد من الاحتجاجات، نجحنا في نهاية المطاف في الحصول على أول كرة فعلية خاصة بنا. استغرق الأمر سنوات، لكن في نهاية المطاف سمح لنا بالحصول على العتاد المناسب، على الاحذية المزودة بالمسامير، والكرات، والعتاد المناسب وحتى صافرات الحكام. وحينها، كان عليك أن ترى المباريات!».
منع السجناء الهامين في روبن ايلاند، مثل مانديلا ووولتر سيسولو واحمد كاثرادا، من المشاركة أو مشاهدة المباريات التي نظمت. وفي الواقع أن سلطات السجن بنت حائطا من اجل حجب الرؤية عن مانديلا ما أن عرفت أن باستطاعته مشاهدة المباريات من زنزانته في القسم الانفرادي، لا سلكات السجن ومن يقف وراءها في نظام الفصل العنصري كانوا يدركون أن كرة القدم تملك قوة تحرير النفوس وهي لم تكن تريد أن يحظى مانديلا وغيره من الشخصيات بفرصة «فصل» الجسد عن الروح، إلا أنها لم تنجح في ذلك، وها هو «ماديبا» حاضرا ومحررا وزعيما، وسيكون شاهدا على احتضان بلاده لأول عرس كروي في القارة الإفريقية، بل انه سيتواجد في المباراة الافتتاحية غدا الجمعة ليقدم الدعم المعنوي ل»بافانا بافانا» الذي يقص شريط الافتتاح أمام المكسيك.
العدد 2834 - الأربعاء 09 يونيو 2010م الموافق 26 جمادى الآخرة 1431هـ