العدد 2844 - السبت 19 يونيو 2010م الموافق 06 رجب 1431هـ

لماذا وقفت روسيا والصّين مع عقوبات ضدّ إيران؟

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

يُطرَح عليَّ هذا السؤال كثيراً. لماذا وافَقَت الصّين وروسيا على عقوبات أمميّة ضد إيران؟ أَلَيْسَتَا حليفتين لطهران، وعدوّتين لواشنطن؟ بالتأكيد، فإن هذا السؤال مشروع. وطرحه ينمّ عن غموض سياسي يكتنف العلاقات الدولية. لكنني أجزم أنه لا يُمكن قراءة الأمور من زاوية التحالف والتناكف فقط.

فالقراءة الصحيحة يجب أن تكون عبر فهم المصالح، وحدودها ومداها. فقد يكون هناك حليفان لكن مصالحهما لا تساوي 10 في المئة من مصالح غريميْن وندَّيْن. فالمصالح تستوي على سِعَة النفوذ، وقوّة الاقتصاد. وامتداد السياسة الناعِمة والصلبة. وكَسْر العُزلة الدولية للكيانات السياسية الحاكِمة.

هذا الحديث ينطبق على الحالة الإيرانية مع الصّين وروسيا. فطهران حليف «إقليمي» لبكّين وموسكو. وهذان البَلَدَان غريمان «دوليان» لواشنطن ولكن ليس بالتفسير الايديولوجي السابق الذي سَادَ خلال الحرب الباردة (رأسمالية/ شيوعية). ولتوضيح الصّورة أكثر فإنني سألجأ إلى الأرقام (التي عادة ما تكون مسكوكة النتائج) لكي يتّضح لنا كيفية إجراء هذه المعادلة السياسية، وإسقاطها على مفهومَيَّ «التحالف والتناكف» في العلاقات الدولية.

بداية يجب أن نعلَم أن الاقتصاد الأميركي يستحوذ على 40 في المئة من الاقتصاد العالمي، ومناطق نفوذها تمتدّ على معظم اليابسة. وبالتالي فإن أيّ دولة (سواء الصين أو روسيا) ستُرجّح التعامل مع هكذا قوّة اقتصادية متينة وهكذا نفوذ، بدلاً من التعامل مع قوّة نافِذَة واقتصادية لا ترقَى لأن تكون بديلاً، على اعتبار أن قوتها الاقتصادية المقابِلة لا تزيد عن 0.7 في المئة كما هو حال إيران.

بالنسبة للصين فيُمكننا قراءة المعادلة كالتالي: فالتبادل التجاري بين بكين وواشنطن بلغ وفي بحر التسعة أشهر الماضية فقط 221.36 مليار دولار بزيادة 15.6في المئة. فالصين تصدّر إلى الولايات المتحدة بضائع وخدمات بقيمة 169.99 مليار دولار. وتستورد منها بـ 51.37 مليار دولار. والصينيون لديهم فائض عملة يُقدّر بتريليوني دولار، منها 700 مليار دولار كسندات خزينة في المصارف الأميركية، والتي تعتمد عليها الإدارات الأميركية بشكل كبير.

والجميع يعلَم ما يُمثّله الاقتصاد الصيني الضخم من مروحة اقتصادية رئيسية للولايات المتحدة الأميركية. وكذلك جدليّة العلاقة بين الدولار واليوان (وبينهما اليورو) وحثّ الأميركيين للصين لإعادة تقويم عملتها والتي ستقرّر مآل السيولة المتدفقة بين البلدين والمُقدّرة بالمليارات من الدولارات.

أمام كلّ هذه العلاقة الاقتصادية المُعقّدة بين بكين وواشنطن نلحظ أن التبادل التجاري بين الصين وإيران (ورغم أهمّيته) لا يتجاوز العشرين مليار دولار، وحجم استثمارات تصل إلى 100 مليار دولار. وبالتالي يُصبح الأميركان بالنسبة للصينيين خياراً استراتيجياً أفضل لمصالحهم بمفاضلتهم مع الإيرانيين.

أما روسيا فإن حجم التبادل التجاري بينها وبين الولايات المتحدة تجاوز الـ 36 مليار دولار. كما أن البلدين يُسيطران على 90 في المئة من السلاح النووي العالمي، الذي يُشكّل هاجساً لأكثر من 47 دولة حول العالم. وللتذكير فإن معاهدة ستارت بين البلدين قضمت من تلك الترسانة غير التقليدية أزيد من1550 سلاحاً مطوراً، منها 700 صاروخ بالستي عابر للقارات (ICBM) وقاذفات قنابل ثقيلة، و800 آلية إطلاق. وهي (الاتفاقية) إحدى مُحدّدات النفوذ في العالَم.

كما أن البلدين يتمتّعان بعضوية كاملة في مجلس الأمن (حقّ النقض)، الذي تستوي عليه العديد من المصالح والمقايضات السياسية والاقتصادية. وتلتقي مصالحهما الرئيسية في الأراضي الأوروبية حيث الحدود. وخصوصاً أن دخول روسيا إلى اقتصاد السوق منذ عقدين قد أعاد صياغة خريطة المصالح القائمة في القارة بشكل مختلف.

أضِف إلى ذلك فإن الأميركان قدموا تنازلات سيادية للروس فيما خصّ منظومة الصواريخ في بولندا والتشيك، وأطلقوا يد موسكو في القوقاز. بل إن أوكرانيا وجورجيا قد سُحِقَتا تحت حوافر القوّة الروسية (سواء السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية) دون أن يفعل الغرب أيّ شيء لهذين الحَليفيْن، اللذيْن خُذِلا شرّ خذلان من قِبَل الولايات المتحدة وفرنسا.

في الوجه الآخر للعلاقة، نرى أن ما يربط روسيا وإيران هو تبادل تجاري مدني بقيمة 3.5 مليارات دولار، وآخر عسكري بقيمة 7 مليارات دولار. بالإضافة إلى استثمارات مزدوجة في مجال الطاقة من بينها بناء محطة بوشهر للأغراض النووية السلميّة بقيمة مليار دولار.

لذا فإننا سنرى أن روسيا ستدفع لإيران غرامة مالية ضخمة قيمتها 300 مليون دولار بسبب عدم تزويدها طهران بمنظومة (S-300P) مفضّلة دفع تلك الغرامات الباهظة على أن لا تخسر علاقاتها بواشنطن. وقد تقوم الولايات المتحدة بتسديد هذه الفاتورة من تحت الطاولة كما حدث في أحوال دوليّة عدّة عندما كانت روسيا محلّ اهتمام الخصوم.

قبل ثمانية شهور من الآن كتبت عن «المسار البديل في العلاقات الإيرانية الروسيّة». قلت حينها إن «الإيرانيين لا يُريدون أن يتحوّلوا إلى مخزون من «المصالح المُجزّأة» في يد الروس». وهم «يدفعون بأن تتحوّل علاقاتهم مع موسكو من مسار استراتيجي يخرج من طهران إلى موسكو، ثم يرتدّ من موسكو إلى طهران بمسار تكتيكي، إلى مسار متماثل في خطّيه الأول والثاني».

وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على بكّين أيضاً. وبالتالي فإن الإيرانيين وبعد خمس تجارب من العقوبات الأخيرة باتوا يستشعرون مثل هذا الأمر ويسعون إلى تطبيقه. فالحليفان كانا يقايضان الغرب على «مصالح» وليس على «مبادئ». وهو ما حصل بالضبط في القرارات الأربعة التي صدرت منذ العام 2006.

لذا فإن اتفاقهم (أي الإيرانييين) مع الأتراك والبرازيليين حول ملفّهم النووي قد يدخل ضمن هذا الفهم الساعِي إلى معاقبة الروس والصينيين. وهو اتفاق جرى دون إشراكهما. كذلك الحال بالنسبة لأنبوب الغاز الذي يمر بباكستان نحو الهند الغريم التقليدي للصين. وأيضاً تمنّع طهران من استيراد الغاز الأذربيجاني بدل التركماني (وهي في الأساس رغبة روسية) لتقليل واردات باكو إلى أوروبا وبالتالي ترجيح خيار ساوث ستريم المناكِف لنابوكو.

في المُحصّلة، فإن هذا الفرز وهذه النتائج هي بالتأكيد لا تقود إلى قطيعة بين إيران وبين كلّ من روسيا والصين، وإنما تقود إلى فهم آخر للعلاقات الدولية. فمن يريد أن يكسب فعليه أن يُصاهر الجميع. وعليه أن يتمثّل في قوّة اقتصادية وتجارية واسعة. فإذا كان الأميركيون قد تركوا ساكاشفيلي ويوشينكو إداماً للروس، وترك الروس روزا اوتونباييفا تأكلها المذابح العِرقيّة في قرغيزستان فما هو المانع إذاً أن يُترَكب الإيرانيون وحدهم أمام العقوبات والغلواء الأميركية؟!

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 2844 - السبت 19 يونيو 2010م الموافق 06 رجب 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 8 | 10:31 ص

      طلعت السياسة الإيرانية الخارجية Total Fiasco

      يعني بعد كل هذه التحفيزات للصين و روسيا و إعطائهم الأفضلية في الإستثمار في ايران يعطونها البوووت!

    • زائر 7 | 9:35 ص

      مصالح اقتصاديه بحته.

      حتى وقوف تركيا مع العرب ضد اسرائيل بسبب مصالح وليس لاجل عيون العرب.فلوس فلوس شركات عملاقه وتجاره..

    • زائر 6 | 4:17 ص

      14نور:: ببساطة (( مصالح ))

      ببساطة, لم يقفوا مع ايران بسبب المصالح فهؤلاء القوم يمشون مع المصالح فقط لا غير.

    • زائر 5 | 3:44 ص

      المصالح السياسية والاقتصادية

      القضية ان ما بين الصين وروسيا وامريكا ليس مصالح اقتصادية فقط وانما سياسية كذلك وهو ما ينطبق على ايران ايضا وبالتالي فقد تزداد المصالح السياسية على الاقتصادية فتنقلب المعادلة على الامريكيين

    • زائر 4 | 1:58 ص

      صفقة الاسلحة

      أعتقد أن الغاء صفقة الاسلحة الروسية لأيران وأبرام صفقة أسلحة بين السعودية وروسيا تصب في نفس المعادلة

    • um amal | 1:38 ص

      تحليل جيد

      ولكن لا تدري ماذا يخبئ المستقبل لايران فقد ينقلب السحر على الساحر وتخسر امريكا كل حلفائها بسبب غبائها واستكبارها

    • زائر 3 | 1:06 ص

      هكذا هي السياسة

      كل ذلك التحليل صحيح الدول بالمصالح كذلك الوضع في داخل الدول بين الحكومة والاحزاب المعارضة وهذا الكلام طبعا اوجه الى اكبر جمعية سياسية بحرينية فلتعي الامور والسياسة هكذا مصالح وحتى لو كانت على المبادئ هي حنكة سياسية لامانع شرعي فيها والا ساس انقاذ ما يمكن انقاذه بتغير سياستكم يا معارضة ولا تقبلوا بان يكون الاخرون اذكى منكم وتجعلون الجرة بما فيها للاخرين
      فالحكومة ستوالي من معها وليس من ضدها وهذا لا يفهم منه ان نبيع اخلاقنا ومبادئنا لا ولكن تغير في بعض سياساتكم العقيمة في الكثير منها

    • زائر 2 | 12:52 ص

      و ماذا ستكون ردة فعل جمهوري اسلامي ايران؟

      اذا كان الأمر كما تقول .. انه صراع مصالح لا مبادئ ... فأين هي مصالح ايران؟ أم أنها ارتئت أن تكون مطية للمساومات الصينية الروسية مع اميركا و اوربا؟

    • زائر 1 | 12:03 ص

      اللبراليه = الكفر

      فاذاً اللبراليه تعنى الأقتصاد فقط .المبادىء و حقوق الأنسان و العداله و الأنسانيه لا تعنى شىء فى فكر هذه النظام الدنيوى البحت (اللبراليه تعنى دينكم ديناركم) .كل ادعاءات اللبراليه عن الأنسانيه كذب و افتراء انهم حقاً اولاد الشياطين .

اقرأ ايضاً