العدد 2982 - الخميس 04 نوفمبر 2010م الموافق 27 ذي القعدة 1431هـ

الوقوف على أطلال الجاه المفقود

رحلة ابن خلدون إلى الأندلس (2)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

ترك ابن خلدون بلاد المغرب بعد أن مكث فيها 11 سنة، كما ذكرنا، متنقلاً بين تلمسان وفاس فزادت تجربته وعلومه ومعارفه. ونسج من خلال إقامته المتواصلة بين القصور واتصالاته بالقبائل علاقات مع رجال عصره من علماء وساسة وأصحاب جاه. واعتقل لمدة سنتين بتهمة التآمر على قلب صاحب الدولة بعد وفاة أستاذه.

عندما غادر كان مضى على موت أستاذه سبع سنوات، وخمس سنوات على خروجه من السجن، وأربع سنوات على اشتراكه في تأليب شيوخ بني مرين وتأليفهم لدعم السلطان أبوسالم، وحوالي السنتين على خلافه مع الأمير عمر بن عبدالله وانتهت تجربته بفشل كامل اضطره لطلب المغادرة إلى الأندلس للقاء صديقه المؤرخ الغرناطي لسان الدين بن الخطيب.

التقى ابن خلدون ابن الخطيب عندما هرب الأخير من غرناطة مع سلطانها المخلوع ولجأ طالباً الحماية من سلطان فاس أبوسالم وأقام عنده حين كان ابن خلدون يعمل في خدمة صاحب فاس. وحصلت بينهما صداقة و»كنت أقوم بخدمته، وأعتمل في قضاء حاجاته في الدولة» (التعريف، ص489). وتوسط ابن خلدون لسلطان غرناطة المخلوع مع الأمير عمر بن عبدالله ونجح في إقناع الأخير السماح لصاحب غرناطة السابق النزول في مصر من «أمصار الأندلس الغربية». وبعد الاتفاق انتقل السلطان المخلوع إلى منطقة رنده وتملكها ثم انطلق منها لاستعادة ملكه في الأندلس وتم له ذلك في أواسط سنة 763 هجرية (1361م).

اعتبر ابن خلدون أنه لعب الدور الأساس في استعادة صاحب غرناطة ملكه. ولابد أن الأخير سيقدر الأمر ويساعده في الحصول على منصب يليق بعلومه ونسبه وجاهه المفقود.

يتحدث في «التعريف» عن رحلته للأندلس، فذهب إلى سبتة ونزل في بيت كبيرها الشريف أبوالعباس أحمد بن الشريف الحسيني (سنة 764 هجرية) ثم انتقل إلى جبل الفتح وكان آنذاك بإشراف صاحب المغرب، ثم غادره إلى غرناطة فوجه كتاباً إلى السلطان ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب (ص 490). وتلقى جواب ابن الخطيب يرحب بقدومه ووصل إلى غرناطة في اليوم التالي.

يصف ابن خلدون بأبهة أسلوب استقباله إذ «اهتز السلطان لقدومي، وهيأ لي المنزل من قصوره، بفرشه وماعونه، وأركب خاصته للقائي (...) ثم دخلت عليه فقابلني بما يناسب ذلك، وخلع عليّ وانصرفت. وخرج الوزير ابن الخطيب فشيعني إلى مكان نزلي، ثم نظمني في علية أهل مجلسه، واختصني بالنجى في خلوته (...) والفكاهة في خلوات أنسه...» (التعريف، ص491). لا يبالغ صاحب «المقدمة» في وصف استقباله إذ اتفقت مختلف الروايات على الوصف نفسه، فابن خلدون على صغر عمره (32 سنة) لا يقل شهرة عن الوزير والمؤرخ ابن الخطيب (51 سنة). فسمعته سبقته إلى غرناطة وهو الأندلسي الأصل (من اشبيلية) وصاحب فضل وقدم خدمات كثيرة ساهمت في مساعدة ابن الأحمر في استعادة ملكه في الأندلس.

استقر ابن خلدون في غرناطة مدة قصيرة وما لبث أن كلفه صاحبها القيام بمهمة سفارة ومقابلة ملك قشتالة آنذاك (بترة بن الهنشة بن اذفونش) وإتمام عقد الصلح بينه وبين ملوك العدوة سنة 765 هجرية (1363م). ووافق على التكليف وتم تزويده بهدية فاخرة (ثياب حرير، جياد مقربات بمراكب الذهب) ويبدو أنها تركت أثرها الطيب في نفس صاحب إشبيلية فعامله معاملة لائقة بمقامه ومقام أهله وأسلافه حكام البلاد سابقاً بناء على توصية من الطبيب اليهودي إبراهيم بن زَرْرَرَ. وكان التقاه في مجلس السلطان أبوعنان حين كان الأخير يأخذ فترة نقاهة واستشفاء في دار ابن الأحمر في الأندلس. ويبدو أن الطبيب مال بعد سقوط دولة ابن رضوان إلى صاحب إشبيلية. وأثنى الطبيب على ابن خلدون ومدحه أمام صاحب إشبيليه خلال فترة اللقاء لعقد الصلح وذكر له أن أسرته كانت تمتلك إمارة إشبيلية منذ عقود من الزمن.

يتحدث ابن خلدون عن طريقة الاستقبال والإغراءات التي تعرض لها من قبل «الطاغية» كما يسميه. وكيف أحسن استقباله و»أظهر الاغتباط بمكاني، وعَلِمَ أولية سلفنا بإشبيلية» ثم عرض عليه أن يرد له «تراث» سلفه و«كان بيد زعماء دولته، فتفاديت من ذلك بما قبله». ورفض العرض واكتفى بالوقوف على أطلال الماضي (الجاه الضائع) مكتفياً بإلقاء نظرة على ما مضى. وبعد أن «عاينت آثار سلفي بها (...) ولم يزل على اغتباطه إلى أن انصرفت عنه، فزودني وحملني، واختصني ببغلة فارهة، بمركب ثقيل ولجام ذهبيين، أهديتهما إلى السلطان». (التعريف ص 492).

تلقي الفقرات السابقة أضواء خفية على شخصية ابن خلدون الغنية بالمفارقات التي تجمع بين كثرة العلوم وقلة الحظ. فالرجل الطامح إلى الجاه تماسك أمام طاغية إشبيلية ورفض العروض والإغراءات وتهرب من كل بهرجة الاحتفاء والتكريم. ويكشف هذا الجانب عن مقاصد الجاه عنده. فابن خلدون يرى فيه الجانب السياسي، ولم ير في المال أو الوظيفة وسيلة ارتزاق بل أسلوب معيشة. فالجاه الخلدوني سياسي وليس مالياً. فهو بعد أن انصرف من إشبيلية مزوداً بهدية قيمة قام بتقديمها إلى سلطان غرناطة.

ويؤكد الأمر أن طموحاته السياسية ثقافية وإلا كان احتفظ بالهدية لنفسه. فابن خلدون فخور بأسلافه لكنه على قناعة فكرية أن الدولة تقوم على العصبية ومن لا شوكة له لا سلطة له. لذلك كان يكتفي بالقليل في وقت كان يجد نفسه في مقام أرفع من الجميع. وجلب الأمر الأخير المحن والكوارث له فاتهم بالانتهازية والتآمر. لكن طالب الجاه السياسي غير طالب الجاه المالي. وبسبب اختلاف طبيعة الجاهين كان المثقف - السياسي وابن العائلة المرموقة يدفع الثمن مرة بسبب طموحاته وكبريائه ومرات بسبب قلة طلباته وتواضعه.

سنرى لاحقاً كيف أن طبيعة «ابن الجاه المفقود» المتناقضة ستكون مصدر قلق داخلي ونقطة توتر بينه وبين محيطه. فهو أحياناً يترفع عن قبول استرداد أملاك أسلافه في إشبيلية لأنه يرفض الخضوع لمن غلب وأحياناً نراه ينحني أمام تيمورلنك في جوار دمشق عندما فاوضه لوقف المدافعة وعدم اجتياح المدينة.

عاد ابن خلدون من إشبيلية إلى غرناطة ورحب به صاحبها مرة ثانية واستقبله وارتاح لهديته وقام بإقطاعه «قرية إلبيرة من أراضي السقي بمرج غرناطة وكتب بها منشوراً». (التعريف، ص 492). ومضى عليه أكثر من سنة في الأندلس واستقر في داره برعاية السلطان فاشتاق إلى أسرته و«كثر الحنين إلى الأهل» فأستأذن باستقدام أهله «من مطرح اغترابهم بقسنطينة» ووافق صاحب غرناطة. وأرسل من جاء بهم إلى تلمسان وتوجه قائد الأسطول وجاء بهم إلى المرية. واستأذن السلطان ثانية لاستقبالهم بعد أن هيأ لهم «المنزل والبستان ودمنة الفلح، وسائر ضرورات المعاش». (التعريف، ص 495). حتى قدوم عائلة ابن خلدون إلى غرناطة كانت علاقته بالوزير المؤرخ ممتازة وفيها الكثير من الود والاحترام المتبادل. ولولا وجود مثل الارتياح المذكور لما غامر وبعث وراء أسرته للسكن معه. لكن ارتياح ابن خلدون الاجتماعي واستقراره السكني والمعاشي لم يشبعا طموحه السياسي ولا يوازيان طاقاته، فهو مكبل بالقيود البروتوكولية والرعاية السلطانية وكل حركة منه تتطلب الاستئذان والتوضيح والمعاملات الرسمية.

ما كادت تمضي فترة وجيزة على وصول أسرته حتى أخذ «أهل السعايات» بتحريض ابن الخطيب عليه وإثارة غيرته بسبب تقربه من السلطان ورعاية الأخير له و»اشتماله عليّ». فانتبه إلى انقباضه منه ولاحظ كيف أخذ يستبد بالدولة و»تحكمه في سائر أحوالها». ووقع ابن خلدون في حيرة من أمره ولم يعد يدري ماذا يفعل. هل يشتكي السلطان ويقطع صلاته مع صديقه الوزير، أم يغادر إلى بلده تونس، أم يقبل بالأمر الواقع لأنه لا يريد أن يجلب لعائلته المزيد من الويلات والتقلب وعدم الاستقرار.

في فترة الاضطراب تلك استلم ابن خلدون رسالة من صديقه أبوعبدالله أنقذته من الورطة والحيرة. فالرسالة تخبره أن أبوعبدالله استولى في رمضان سنة 765 هجرية على بجاية وبات صاحبها ويستدعيه لمساعدته في إدارة الدولة.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2982 - الخميس 04 نوفمبر 2010م الموافق 27 ذي القعدة 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً