العدد 3033 - السبت 25 ديسمبر 2010م الموافق 19 محرم 1432هـ

2010 عام الأزمات المؤجلة في «الشرق الأوسط»

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

إذا كان 2010 عام آسيا والصين بامتياز فكيف كان عليه وضع «الشرق الأوسط»؟ باختصار يمكن وصف 2010 بأنه عام الأزمات المؤجلة إذ تم ترحيل مختلف الملفات الساخنة إلى العام 2011. فهل سيكون العام المقبل بداية انفراج في «الشرق الأوسط» أو خطوة في سياق تقهقري يضع الأزمات في قوس ساخن من الاضطرابات؟ الاحتمالات مفتوحة لأنها تتضمن مجموعة عناصر متفجرة أو قابلة للانفجار باعتبار كل الملفات تشتمل على أوراق مترابطة لا يمكن فصلها عن بعض. وحين تكون كل قضية موصولة بالأخرى تصبح إمكانات تفكيك كل أزمة على حدة مهمة صعبة بسبب المضاعفات أو التداعيات المتوقعة من فتح أوراق كل ملف.

يبدأ العام 2011 أيامه الأولى من السودان إذ ترجح التوقعات أن تكون نتيجة الاستفتاء لمصلحة انفصال الجنوب عن الشمال وإعلان استقلال دولة جديدة لا تعرف حدودها أو هويتها النهائية حتى الآن. كذلك لا تعرف توجهاتها وتعاملاتها ومسلكياتها منذ الآن. حتى اسم الدولة وشكلها ودستورها ولغتها لم يتم التوافق عليها نهائياً. كل الاحتمالات تبدو معرضة للشد والجذب والقبض والبسط.

بسبب هذه الميوعة في المظهر والشكل تتخوف الدول الإقليمية من أن يتحول الاستفتاء إلى مشكلة بعد أن كان واسطة للتهرب من الحل. وإذا أدى الاستفتاء إلى تطوير المشكلة ودفعها إلى مزيد من التأزم سيتحول الجنوب آلياً إلى بؤرة عنف تساهم في نشر القلق في المحيط وتصدير الاضطراب إلى دول الجوار.

انفصال جنوب السودان ليس خطوة تفصيلية وعرضية وهامشية وعفوية وطبيعية كما تحاول الإرادة الدولية تسويقها وتبريرها. الخطوة مفصلية ومركبة من عناصر قابلة للاشتعال في بيئة خصبة بالعصبيات. ودولة الجنوب التي يتوقع إعلانها في الشهر الأول من العام 2011 ستكون من الأقاليم الكبرى في مساحتها الجغرافية في قلب القارة الإفريقية. فالمساحة المقتطعة من السودان تتراوح بين 600 و700 ألف كيلومتر مربع وهي أوسع جغرافياً من مساحة أكبر دولة في أوروبا (فرنسا) وتزيد مساحتها تقريباً ضعف حجم ألمانيا (الدولة الثانية في القارة الأوروبية).

مسألة الانفصال ليست مجرد عملية جراحية تبتر جزءاً من الكل ويخرج بعدها الجسم من العناية الفائقة سليماً معافى ليواصل بعدها عمله اليومي الروتيني من دون جهد أو مضاعفات. العملية الجراحية أقرب إلى القطع الذي يرفع من إمكانات حصول الشلل النصفي ويزيد من صعوبات المشكلة لكون المنطقة التي سلخت حساسة جداً وتشكل ذلك الاحتياط الثري الذي يرفد الجسم بالحيوية والحياة. فالسودان بعد انفصال الجنوب سينعزل عن جوار ثلاث دول إفريقية، كذلك ستبتعد دولة الجنوب عن فضاءات العرب والمسلمين في حوض النيل وجواره.

بعد السودان هناك قمة دول 5 + 1 مع إيران التي اتفق على عقدها في اسطنبول في نهاية يناير/ كانون الثاني لمعاودة البحث في الأزمة النووية المؤجلة. وتأتي هذه القمة في سياق خطوات أخذت تتداعى بين كرٍ وفرٍ وإغراءات وعقوبات ما أدى إلى تضخيم مسألة كان بالإمكان السيطرة على تفاعلاتها من دون تجاذبات تبين أخيراً أنها مجرد مناورات إعلامية للتغطية على تلك الاتصالات «الفنية» واللقاءات «التقنية». فإيران ليست ضعيفة ولكنها أيضاً ليست قوية إلى درجة باتت تهدد الاستقرار الدولي كما ترى الولايات المتحدة. وأميركا التي استخدمت تصريحات محمود أحمدي نجاد واستغلت تصرفاته حتى توظفها للضغط على المحيط العربي (توقيع عقود تسلح) وعلى أوروبا الشرقية (شبكة درع الصواريخ) حققت مرادها من وراء سياسة المماطلة والتسويف وباتت كما يبدو على قناعة بدفع القمة إلى نوع من «المفاوضات المباشرة» بعد أن أصبحت إيران جاهزة للتطبيع نتيجة ارتداد صواريخ أحمدي نجاد (الايديولوجية والبخارية) إلى الداخل.

بعد إيران (معالجة الملف النووي) هناك لبنان ومضاعفات تأجيل صدور البيان الاتهامي (القرار الظني) إلى مطلع العام 2011. وهذه الأزمة المؤجلة تفتح الملف اللبناني على زوايا حادة وغير منفرجة في حال تضمن البيان أسماء غير متوقعة واتهامات تخرج على السياق المألوف. ويرجح أن تكون المحكمة الدولية، التي عزمت على فتح قاعاتها وجلساتها الاستجوابية والاستقصائية على مدار السنة المقبلة، خريطة طريق يمكن من خلالها قراءة حدود الاتصال والانفصال بين الاستقرار الأمني والبحث عن خيط قد يرشد إلى العدالة ويدل على الطرف الذي حرض وموّل وخطط ونفذ واستفاد من نتائج مجموع حفلة الاغتيالات والتفجيرات المتنقلة التي شهدتها بلاد الأرز من 2004 إلى 2008.

بعد لبنان هناك فلسطين وكرة الاستيطان المتدحرجة في القدس والضفة. فهذه الكرة الاستيطانية قابلة للاشتعال في اللحظة التي تصل فيها المفاوضات المباشرة وغير المباشرة (المتوقفة حالياً) إلى نقطة اللارجوع. وبسبب الطبيعة النارية لكرة الاستيطان تصبح احتمالات الأزمة الفلسطينية المؤجلة منذ ستة عقود جاهزة للانفجار العسكري كما تهدد تل أبيب يومياً أو جاهزة للتطور الدبلوماسي كما تضغط السلطة الفلسطينية باتجاهه. والسباق بين الخيار العسكري الإسرائيلي والخيار الدبلوماسي الفلسطيني أصبح على قاب قوسين من التصادم ما يؤدي إلى دفع منظومة العلاقات الإقليمية إلى التأزم ووضع الدول العربية المعنية في دائرة التوتر مع الولايات المتحدة كما حصل خلال فترة حكم جورج بوش (تيار المحافظين الجدد). واحتمال عودة العلاقات العربية - الأميركية من المساكنة إلى المشاحنة مسألة غير مستبعدة في حال أحكم الحزب الجمهوري قبضته على الكونغرس في الشهر الأول من العام المقبل.

السودان وإيران ولبنان وفلسطين على رأس جدول أعمال مطلع العام 2011. الأمر لا يتوقف على هذه الملفات الساخنة الظاهرة على السطح. فالقعر يكتظ بالألغام الموقوفة والموقوتة. فهناك الصومال الذي لم يستقر منذ تسعينات القرن الماضي. ومقابل الساحل الصومالي يقع اليمن الذي يعيش حالات مخاض قاسية دفع بعض كلفتها في العام 2010 (حرب صعدة وحراك الجنوب) ويرجح أن ترتفع فاتورة الحساب في حال أصرت الإدارة الأميركية على مواصلة الضغط النفسي على صنعاء ودفعها عنوة باتجاه فتح معارك وهمية وغير مدروسة مع شبكة تنظيم «القاعدة» وما يمثله من خلايا أخطبوطية بعضها صحيح وبعضها مختلق وبعضها مصطنع لتمرير مشروع التقويض الذي تديره أجهزة خفية في المؤسسات العسكرية واللوبيات العاملة في الولايات المتحدة.

أخيراً وليس آخراً هناك ملفات أفغانستان وملحقاتها وتوابعها الإقليمية والجغرافية والجوارية (باكستان وإيران وآسيا الوسطى). كذلك العراق وما يتضمن ملفه من أوراق محلية محكومة بتدخلات دولية - إقليمية مرشحة للتصادم وقابلة للتفاوض في آن. وكل هذه الأزمات التي تمتد كالقوس (نصف دائرة) من السودان في إفريقيا وتصعد شمالاً إلى فلسطين ولبنان وتنحرف شرقاً إلى العراق وإيران وأفغانستان وباكستان تعتبر ملفات مؤجلة بسبب صعوبتها ووعورة مسالكها ومداخلها ومخارجها. وسياسة تأجيل الأزمات وترحيلها من سنة إلى أخرى أصبحت على تكرار الزمن عادة روتينية في دائرة «الشرق الأوسط». ولكن عادة تأجيل الأزمات لم تكن دائماً الاختيار الأفضل لأن التراكم مع تطور الوقت يتحول نوعاً وتصبح إمكانات حله وتفكيكه أصعب من السابق... ما يؤدي أحياناً إلى انفجار العنف كما حصل سابقاً ولا يستبعد أن يحصل لاحقاً

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 3033 - السبت 25 ديسمبر 2010م الموافق 19 محرم 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • مواطن مستضعف | 1:30 ص

      أرقام غير ذات جدوى

      فالمركبة تسير نحو وجهتها, و لا تؤثر على مسيرتها لوحة الأرقام المعلقة عليها.
      هي كذلك السياسة ... تمضي و لا معنىً "لرقم التاريخ" لديها.

اقرأ ايضاً