العدد 3058 - الأربعاء 19 يناير 2011م الموافق 14 صفر 1432هـ

مخاضات المرحلة الانتقالية في تونس

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

حتى الآن لم تعترف عواصم القرار ودول الجوار الإقليمية بالمتغيرات التي أطاحت بالديكتاتور في تونس. والتردد في أخذ خطوة الاعتراف يكشف عن مخاوف محتملة يمكن أن تنزلق إليها المرحلة الانتقالية وما تتطلب من استقرار يضمن الانتقال المرن للسلطة وإعادة تشكيلها وفق معطيات الواقع وما تفرزه الانتخابات المتوقعة من نتائج.

حتى الآن كل ما حصلت عليه حكومة المرحلة الانتقالية من دعم اقتصر على برقيات عامة أو اتصالات سريعة أو بيانات رسمية أو تصريحات شفهية تتمنى الخير للشعب ودوام الهدوء والتحذير من الانجرار نحو فضاءات الفوضى. وغير ذلك لم يتمظهر على الشاشة التونسية سوى ذلك التعاطف الشعبي العربي والإسلامي والإعلامي الذي عبّر عن بهجته وتأييده لخلع نظام الحزب الواحد وتسلطه على الناس مدة 23 عاماً.

التعاطف الشعبي والحذر الرسمي يكشفان عن وجود ثغرة واسعة تفصل بين الناس من جانب والسلطات من جانب آخر. والاختلاف في التعامل مع انتفاضة تونس العفوية والمتسارعة الخطوات ليس غريباً لكونه يعبّر في النهاية عن مخاوف من تداعيات الحدث التونسي وتحوله إلى نموذج يحتذى من الشعوب مقابل تطلعات مكبوتة تتمنى شعوب المنطقة حصولها وانتقالها إلى بلدانهم.

الاختلاف في التعاطي مع انتفاضة تونس يحتاج إلى قراءة لما حصل لاسختلاص الدروس من تضاعيفها حتى تكون الخلاصات العامة مجموعة عُبر يمكن المراهنة عليها في حالات مشابهة في المستقبل.

الكل يجمع على أن الحدث التونسي كان مفاجأة غير متوقعة. حتى النظام الفرنسي لم يدرج في حساباته حصول تلك المتغيرات الدراماتيكية بالسرعة التي حصلت فيها. حتى أقرب الدول إلى تونس لم تضع في جدول أولوياتها انهيار نظام زين العابدين بن علي. النظام الجزائري أصيب بدهشة ولا يزال يحاول جهده فهم المآل الذي وصل إليه الوضع في تونس قبل الاعتراف رسمياً بالتغيير. النظام الليبي أصيب بصدمة سياسية عبّرعنها العقيد معمر القذافي حين هاجم التغيير في تونس وامتدح بن علي ونظامه معتبراً أن الوضع السابق أفضل من الفوضى التي تعيشها الآن.

المخاوف الجوارية والتردد الدولي والحذر الإقليمي من مخاض المرحلة الانتقالية كلها تؤشر إلى وجود تشوش وعدم وضوح الصورة. ولكن هذه الاعتبارات ليست كافية لتفسير خلفية المواقف المندهشة من طبيعة التحول. فالغموض الرسمي يؤكد بحد ذاته نمو متغيرات تحد من قدرة النظام الدولي على التحرك والتدخل كما كان أمره في تسعينات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الجاري. كذلك يؤشر الغموض الرسمي وتردد المحيط في التدخل لحماية الصديق أو الحليف إلى نمو حالات من الضعف في المنظومة الإقليمية وتقصيرها في الاستجابة لنداءات الاستغاثة كما حصل مراراً في مطلع سبعينات القرن الماضي حين تدخلت مصر وليبيا مثلاً لإسقاط الانقلاب الشيوعي في السودان وإعادة جعفر النميري إلى الرئاسة بالقوة. كذلك حين تدخل النظام الإقليمي في حرب لبنان في العام 1976 ونجح في تشكيل قوات ردع عربية لوقف الاقتتال الأهلي في بلاد الارز.

المخاوف والتردد والحذر كلها حالات يمكن أدراجها في فضاءات نمو عناصر الضعف في آليات التدخل الدولية أو الإقليمية. فرنسا مثلاً التي تعتبر أقرب الدول لنظام بن علي تخوفت من الانتفاضة ولكنها عجزت عن التحرك دفاعاً عن رجلها في تونس وذلك لحسابات شديدة التعقيد من بينها أنها لم تكن تتوقع سقوط السلطة بمثل هذه السرعة والسهولة. وأميركا أيضاً راهنت في البداية على قوة النظام وقدرة بن علي على احتواء الوضع لذلك اكتفت بتوجيه رسائل وعظية وإرشادية تطالب بعدم الإفراط في استخدام القوة. وكانت إدارة الولايات المتحدة تعول ضمناً على مقدرة السلطة وإمكاناتها في السيطرة على الوضع ولم تدرج في حساباتها احتمال السقوط وانهيار الديكتاتور وهربه.

الأمر نفسه يمكن سحبه على قراءات دول الجوار وتوقعات الأنظمة الإقليمية التي عبّرت عن ضعفها وعدم قدرتها على التدخل وحماية النظام من التدهور ولكنها لم تقصر في المراهنة على قوة بن علي وإمكان نجاحه في تجاوز أزمة عابرة.

الكل تعامل مع الحدث التونسي في بداياته بوصفه مجرد أزمة عابرة تمر بها معظم الأنظمة القوية لا تلبث أن تستقر وتنتهي مفاعيلها على أبسط الأمور تبدأ بتحميل المسئولية لوزير الداخلية أو المستشار الأمني وتنتهي ببعض التنازلات الشكلية.

كل المقاربات الدولية والجوارية والإقليمية لم تكن دقيقة في حساباتها العامة لأن المتغيرات التي طرأت لاحقاً أظهرت ميدانياً وجود عناصر غير مرئية في المشهد السياسي. وكانت المفاجأة غير منتظرة حتى لقوى المعارضة في الداخل والمنفى التي وجدت نفسها في مواجهة حدث لم يكن بالإمكان توقعه قبل أسابيع.

تسارع الخطوات لعبت دورها في تعطيل إمكانات التدخل الدولي والإقليمي في تونس وإحباط الانتفاضة قبل أوانها. ولكن التوصيف هذا ليس دقيقاً إذا لم يلحق بوصف آخر يقارب الحالة وهو يختصر بنمو عناصر ضعف في المنظومة الدولية وتفرعاتها الإقليمية. والضعف المذكور يفسر حتى الآن معنى التردد والمخاوف والحذر الدولي والجواري والإقليمي في الاعتراف رسمياً وبشكل واضح بالسلطة الجديدة التي انبثقت متعثرة من تحت أنقاض النظام الديكتاتوري السابق.

تعثر السلطة البديلة في السيطرة على الوضع والإمساك بزمام المبادرة يمكن أن يشكل الوجه الآخر لمعنى الانتظار في الاعتراف بالمتغيرات التي حصلت في تونس. فالتعثر قد يشكل مناسبة للقوى المتضررة من المفاجأة التونسية أن تبرر مخاوفها وحذرها بالمراهنة على إمكان انتكاس المرحلة الانتقالية وارتدادها إلى المربع واحد. وهذا الاحتمال المستبعد حتى الآن يمثل الملاذ الآمن للدول الإقليمية وعواصم القرار بتجديد فكرة التدخل تحت عنوان حماية تونس من الفوضى وبذريعة المحافظة على أمن واستقرار المحيط الإقليمي. وموقف القذافي السلبي من المتغيرات لا يمكن عزله عن توقعات مضمرة تراهن على فشل السلطة البديلة في تأسيس قنوات مرور دستورية تضمن حسن سير المرحلة الانتقالية وصولاً إلى مرحلة إعادة تشكيل هيئة النظام وفق أطر قانونية شرعية تعتمد مبادئ الحرية والمساواة والتعددية.

هناك مخاض تمر به تونس في المرحلة الانتقالية وهو يتطلب مراقبة لكل التفصيلات حتى يتم تدارك الاخطاء والخطوات الناقصة. فالدول الكبرى التي رفعت الغطاء (الحماية) عن النظام السابق لن تستسلم بسهولة للمتغيرات قبل أن تتعرف على هوية السلطة البديلة. رفع الغطاء جاء بسبب الضعف في القراءة وعدم القدرة على تبرير التدخل. فالقوى الكبرى كانت تراهن على صمود النظام لا سقوطه. وحين انهار تعاملت بحذر مدروس مع المفاجأة بانتظار ما ستسفر عنه الانتخابات المنتظرة من نتائج ميدانية، وهي كما يبدو مطمئنة إلى أن البديل سيكون أقرب إلى الاعتدال.

الأمر نفسه ينطبق على دول الجوار الإقليمية التي راهنت على تماسك النظام السابق وتمتعه بكفاءة عالية في ضبط الوضع والسيطرة عليه. فالمراهنة كانت على سيرة بن علي القمعية وتاريخه الطويل في احتواء وكسر قوى الاعتراض ومطاردتها ونفيها تحت شعار «تجفيف الينابيع». كل هذه التوقعات لم تنجح في مقاربة الواقع حين حصل الزلزال وأخذ يزعزع منظومة العلاقات الإقليمية التي استقر إيقاعها على التعايش مع الحماية الدولية خلال العقدين الماضيين.

إذن هناك مفاجأة. ومن عناوينها احتمال حصول فراغ دستوري ناجم أصلاً عن ضعف المؤسسات الموروثة عن عهد الديكتاتور. والضعف البنيوي لا يعني بالضرورة العجز المطلق بل عدم وجود استعداد لدى النخبة الحاكمة للتضحية دفاعاً عن نظام فقد دوره ووظيفته. وعدم استعداد الحزب الحاكم للدفاع عن الديكتاتور لا يعني أيضاً عدم وجود نواة طامحة لتعبئة الفراغ وقيادة السلطة في المرحلة الانتقالية وربما إلى فترة أبعد.

الاحتمالات في تونس لم تقفل بعد. فهناك مخاوف وتردد عواصم القرار ودول الجوار من امتداد المتغير إقليمياً. وهناك طموحات نواة النظام السابق واستعدادها للتأقلم مع التحولات والتكيف مع رغبات الناس في إعادة هيكلة السلطة. وهناك غياب القوة القائدة القادرة على احتواء الانفعالات الشعبية وما تطرحه من أفكار تحتاج إلى عقلنة وبرمجة. وهناك التعدد الحزبي في تصور البدائل بين تيار إسلامي معتدل (حركة النهضة) وتوجهات إسلامية جذرية وبين تيار علماني منفتح على الإسلاميين وتوجهات علمانية متخوفة من عودة الإسلاميين إلى الساحة التونسية. وبين الإسلامية والعلمانية تظهر ميدانياً على سطح الحراك الشعبي معالم طريق ديمقراطي تعددي تفوده مجموعات أكاديمية ومدنية تعتمد على دعم طبقة وسطى مدينية منفتحة على الغرب وغير معادية له.

هذا التنوع الأيديولوجي الذي انكشفت عناصره خلال الشهر الماضي ليس غريباً في بلد تعايش مع الديكتاتورية نحو ثلاثة عقود من التلون والتخفي هرباً من المراقبة والملاحقة. إلا أن مخاطر التنوع لا تظهر في البداية وإنما بعد مرور فترة من الوقت حين تكتشف أنها لا تمتلك تصورات وبرامج ومشروعات تعوض الناس ما فاتهم وما لحق بهم من حرمان ومظالم.

أخطر ما تعاني منه تونس الآن هو تمدد أزمة الفراغ السياسي في بلد لم يتعود ظهور مثل هذه الحالات في فترات سابقة. وتطويل أزمة الفراغ يعطي فرصة لنمو قوة النخبة الطامحة التي كانت تتمتع بالمواقع والخبرة لتمسك بزمام المبادرة وتعيد إنتاج سلطة مركبة من بقايا النظام السابق ومروحة من الأطياف الأيديولوجية التي تمتلك التصورات ولا تملك تجربة سابقة في الحكم.

هذا الاحتمال ليس مستبعداً في المرحلة الانتقالية. وهو عملياً أخذ بالارتسام من خلال انتخاب الرئيس المؤقت أو تشكيل الحكومة الأولى بعد سقوط الديكتاتور. فالوزارة نالت تأييد القوى الديمقراطية التي كانت خارج السلطة السابقة ولكنها لم تلق التجاوب المطلوب من الشارع واتحاد النقابات العمالية ما أدى إلى نهوض اعتراضات وتقديم استقالات.

إلى ذلك هناك الغموض في التعامل مع قوى المعارضة والتمييز بين الإسلامي وغير الإسلامي أو بين الداخل والمنفي إلى الخارج. وعدم وضوح الصورة يكشف عن تجاذبات ضمنية تعكس رغبة سابقة في عدم التعامل مع كل أطياف المجتمع حتى لو أبدت رغبة في الاعتراف بعودتها وحقها في ممارسة دورها السياسي.

المخاض التونسي في المرحلة الانتقالية يحتاج إلى وقت للتبلور. والمخاوف التي ظهرت في تردد عواصم القرار ودول الجوار الإقليمي في تأخير الاعتراف الرسمي بالسلطة البديلة يمكن أن تشكل بداية مراهنة على إمكان تعديل المتغيرات وإعادة توظيفها في سياقات أخرى لا تنسجم كثيراً مع قناعات «ثورة الياسمين».

الشيء المهم الآن ولا نقاش في صحته يتركز في المرحلة الانتقالية على أن التغيير حصل ولا مجال لعودة الديكتاتور (العمود الفقري للنظام) إلى موقعه السابق. وهذا التطور حاسم في كسر المعادلة الداخلية لكنه ليس كافياً في تأمين الانتقال المرن من مرحلة الاستبداد إلى مرحلة التعدد والتسامح والنمو المستدام.

* المقال، كلمة ألقيت في ندوة جمعية «وعد» البحرينية عن انتفاضة تونس.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 3058 - الأربعاء 19 يناير 2011م الموافق 14 صفر 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • مواطن مستضعف | 3:46 ص

      يا كثر السكاكين على الجمل لين طاح!!

      ملحوظة لك استاذي الكريم:
      حبذا لو توجز قليلاً بأطروحاتك لكي يتسنّى للجميع هضمها و قراءتها دون ملل.
      مع خالص المودة

    • زائر 2 | 11:59 م

      الاستبداد في كل دول العرب

      بلاد العرب بلاد الدكتاتوريات المتضخمة على حساب شعوبها اللدين ينهبون بدم بارد ويقتلون بدم بارد

    • زائر 1 | 10:16 م

      اتركوا تونس في حاله

      فهي قادره لحل وتصريف امورها بها عقول وايدي وكوادر جباره الا من يد حنونه تحنو وتمد العون من غير مقابل ونفاق ودسائس.......النصر ات ات ات

اقرأ ايضاً