العدد 3062 - الأحد 23 يناير 2011م الموافق 18 صفر 1432هـ

الاستبداد العربي ودروس ثورة الياسمين! (2 - 2)

منبر الحرية comments [at] alwasatnews.com

مشروع منبر الحرية

منبر الحرية

نبيل علي صالح - كاتب من سورية، والمقال ينشر بالتعاون مع «مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya.org» 

نجد أن الطبقات السياسية المسيطرة والحاكمة - في أي مجتمع - تعمل على تجميد هذا المجتمع، وترفض أن ينفذ التغيير إلى داخله، لأنهم يشعرون أنه إذا ما اهتزت بعض القواعد في المجتمع - على مستوى القيم أو الفكر - فربما تقوم هناك ثورة تنسف كل القواعد التي يرتكزون عليها في تضليل الناس، وتزييف وعيهم وإبعادهم - طوعاً أو كرهاً - عن ضرورة التغيير الصحيح والحقيقي المأمول والمنتظر في المجتمع، وبالتالي إبقاء هذا المجتمع رهينة للسكون والجمود والتخلف الدائم حفاظاً على مصالحهم ومنافعهم المادية الخاصة... كما حدث في تونس الصفراء التي باتت حالياً تونس الخضراء... ولكن الذي حدث، والذي لم تكن تتوقعه السلطات الحاكمة التي لا تتعلم ولا تعتبر ولا تتعظ من دروس التاريخ والحياة، ولا تتعلم حتى تأكل الضرب على رأسها من داخل مجتمعها، هو أن القوى الحاملة لهمّ التغيير والمحتجة على الظلم والاستبعاد السياسي والاجتماعي هي التي تمكنت (وستتمكن في أي مجتمع مستبد به آخر) من خرق بنية السلطة الظالمة... وستعمل على إحداث تغييرات هائلة على صعيد الحكم، والسلطة، والمشاركة، والحرية ...إلخ.

من هنا وحتى تقوم دولة القانون والمؤسسات العادلة لابد وأن يتم نسف مكونات وقواعد ومفاهيم دولة التسلط المبنية على ترسيخ كيانها الذاتي، وحفظ بقاء نظام قائم على مفاهيم القمع والضبط والردع عبر تمويل ودعم احتياجاتها الأمنية من خلال نهب أموال الشعب، وسرقة ثروات الأمة (خاصة النفطية منها) وغيرها... والمجتمعات العربية بالنتيجة هي التي تدفع الثمن الباهظ لتلك السياسات الفاشلة للنظم السياسية العقيمة والضعيفة الأفق التي تقوم على تعقيم الإنسان، وشل قدراته، وسحق طاقاته، والتي ليس لها مبرر وجود سوى خدمة مصالح الفئات والطبقات التي تسيطر عليها.

ونحن نعتقد أنه عندما تفشل الدولة في كسب ثقة أفرادها ومواطنيها، ومد جسور التعاون معهم، والعمل المستمر على تحقيق مصالحهم وطموحاتهم وتطلعاتهم من خلال اعتماد مشروع استنهاض سياسي واجتماعي يعبر عن آمالهم وعن رغبتهم في العيش بسلام وأمن وراحة ورفاه اقتصادي وصحي جيد ومتطور، بما يدفعهم ويحفزهم باستمرار للمشاركة الشاملة في عملية التنمية الفردية والجماعية... أقول: إن عدم تحقيق كل تلك الآمال الكبرى سيعيد ترسيخ ما هو معروف عن دولتنا العربية من كونها دولة الشخص والفرد والحزب الواحد كما كانت حالة تونس، كدولة لها مجموعة إقطاعات ومافيات حقيقية لها أفرادها وأزلامها الدائرين في فلكها، وعندئذ تطفو على السطح ظاهرة جديدة هي ظاهرة التشبيح السياسي والاجتماعي التي لها دعائمها ورموزها الذين يعملون على تحويل الدولة إلى مجموعة مزارع واستثمارات ربحية نفعية خاصة.

وأخيراً فإن ما حصل في تونس الخضراء من ثورة الياسمين البيضاء، يحسب للداخل الشعبي التونسي، وهي جاءت نتيجة نضالات طويلة متراكمة منذ عهود طويلة دفع ثمنها كثير من الناس والضحايا الأبرياء، ولم تكن فقط وليد ساعتها.., بل يبدو أن الأمور تطورت بسرعة في الآونة الأخيرة حتى حانت لحظة التغيير وانفجار الأوضاع في وجه النظام القمعي الذي كان قائماً...

وهذا ما يجب أن نعيه جميعاً - كخاصة لتجربة الانتفاضة التونسية - خاصة بالنسبة لمن هم في مواقع القرار السياسي والمراكز القيادية العليا في العالم العربي ممن يستبدون بشعوبهم ويمارسون العنف ضد أبناء مجتمعاتهم، وهو أن الناس تمتلك قوة وطاقة جبارة كطاقة النهر والبحر الهادر الذي يمكن أن يطيح بكل شيء أمامه، ولهذا أليس من الأفضل تنظيم وبناء كل تلك المواهب والطاقات البشرية المبددة والمشتتة والمضيعة عند أبناء مجتمعاتنا في أسواق البطالة والعطالة والسقوط في أحضان الأيديولوجيات العدمية والظلامية... أليس من الضروري تنظيمها في سياق عقد سياسي إنساني ديمقراطي يمنح الجميع فرص وحرية التعبير عن معتقداتهم وآرائهم وأفكارهم وطموحاتهم في ساحة الحياة ليتنفسوا الهواء النظيف... أليس من الأجدى أن نعمل بداية على تنظيف دواخلنا من عناصر التخلف، وتحطيم هيكله الذي نقبع في ظله، وإجراء تغيير جذري شامل كأفراد، وفي مجتمعاتنا كنظام علاقات، وأسس تعامل، وتوزيع قوى وطرائق معينة في الحياة، وفي المعيشة والتفكير بهدف بناء المجتمع الذي تسوده قوانين موضوعية تطبق على الجميع... مجتمع يرتكز على العقل والمنطق والعلم في إدارته ومؤسساته المدنية... مجتمع يكف مثقفوه وأبناؤه عن البحث عن مثال وحيد للحرية والعمل السياسي والاجتماعي، يصلح للتعميم على الأمم كلها... مجتمع يسعى إلى أن نؤمن عملياً بفكرة الحوار وتجسيد معاني وقيم ثقافة التشارك والتسامح، والاعتراف بالأخطاء... وهذا يتطلب ربما أن نعيد التفكير ببديهيات العمل السياسي والفكري وطبيعة الثقافة السائدة، لأن هذا هو بداية الطريق الذي يجب أن نسلكه لإقامة نظم حياتية إنسانية بكل ما تحمله كلمة «إنسانية» من معانٍ وتعابير وافرة وواسعة.

إقرأ أيضا لـ "منبر الحرية"

العدد 3062 - الأحد 23 يناير 2011م الموافق 18 صفر 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 11:47 م

      شقائق النعمان

      اننا نرى ان الاعلام العربي في المرحلة السابقة كان مغيب او يمارس سياسة اخفاء الحقائقعن المواطن العربي والتتعتيم على مايجري في البلدان العربية من انتهاكات وفساد واعطاء صورة سلبية عن الحركات الاصلاحية وتشوية الحقائق كي لاتنتقل الصورة الي العالم الخارجي وامحافل الدولية ممابرز عدة مشاكل منها الجوع والفقر والبطالة المقنعة وتدني مستويات التعليم وانتشار الرذيلة مماسببحلة من الاحتقان

اقرأ ايضاً