العدد 3083 - الأحد 13 فبراير 2011م الموافق 10 ربيع الاول 1432هـ

تحية لثورة 25 يناير: تأملات ما بعد النجاح (1)

محمد نعمان جلال comments [at] alwasatnews.com

سفير مصر الأسبق في الصين

يعد انتصار الثورة عادة لحظة تاريخية فاصلة بين مرحلتي ما قبل اندلاع الثورة، ثم ما بعد نجاح الثورة، وبقدر مخاطر القيام بالثورة لوجود نظام قمعي، بقدر ضخامة تحديات مرحلة ما بعد نجاح الثورة، حيث إن الثورات عادة هي حصيلة تفاعل عدة عوامل وتعاون عدة قوى معاً بهدف تغيير النظام القائم. ولكن بعد نجاحها، فمن المفترض العمل لإقامة نظام جديد، وهنا تبدأ كل قوة من قوى الثورة في حالة صراع مع القوى الأخرى للسعي للحصول على أكبر قدر من المكاسب أو اجتذاب الثورة لصفوفها، سواء كانت تلك القوة مجتمعية أو قوى سلطوية بمعنى قوى تعتمد على السلطة. ومن هنا ظهر القانون السياسي المعروف باسم «إن الثورات عادة تأكل أبناءها»، حدث هذا مع الثورة الفرنسية والروسية والإيرانية ومصر العام 1952م، وغيرها من الثورات. كما حدث صراع بين القوى السياسية والمجتمعية التي عملت على بلورة الثورة، ولو أخذنا ثورة 1952م، أو بالأحرى الحركة الانقلابية التي تحولت إلى ثورة نجدها تصارعت مع الأحزاب السياسية، ومع الأخوان المسلمين، ثم مع القوى الأجنبية التي حاولت السيطرة عليها. ولهذا نقول، إنه لا يمكن عزل أي ثورة في أي مجتمع عن القوى المجتمعية الداخلية وعن مؤثرات القوى الخارجية وبخاصة في القرن الحادي والعشرين، حيث تلاشت المسافات وانفتحت السموات وتراجعت الحدود وصلابتها، وهكذا تحول العالم إلى قرية صغيرة، وتغير مفهوم الزمان والمكان، وكانا من المفاهيم الثابتة في الفكر والفلسفة قبل منتصف القرن العشرين، ولكن ثورة المعلومات التي تحولت إلى ثورة المعرفة، التي هي حصيلة ثورتي المعلومات وتكنولوجيا الاتصال، منذ أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين.

ثورة مصر في 25 يناير/ كانون الثاني، كانت حصيلة تفاعل قوتين هما قوة الشباب الذي بلغ حوالي 50 % من سكان المجتمع، ولكنه عانى من ثلاث مشكلات: البطالة، محدودية المشاركة السياسية ومحدودية المشاركة الاجتماعية. الشباب الخريج من الجامعة والمدارس لم يجد فرص العمل ليس في مكاتب الوزارات فحسب، بل في سوق العمل الحر، حيث سيطرت القلة الحاكمة، مما أطلق عليهم بعض الكتاب الاقتصاديين، بأنه سيطرة «الرأسمالية المتوحشة» التي لا تؤمن إلا بمبدأ البقاء للأقوى، وبشريعة الغاب، ومن ثم غيرت القوانين لمصلحتها، وأخذت أسوأ ما في الرأسمالية، وهو الرأسمالية الطفيلية غير المنتجة، وأسوأ ما في العمل السياسي، وهو الفساد وتزوير الانتخابات، وأسوأ ما في النظام الإداري وهو تسخير أدوات الإدارة وأدوات القمع لخدمتها، وأسوأ ما في الثقافة والتعليم، وهو تحويل المتعلمين والمثقفين إلى منظرين للفساد والمحسوبية، وقمع المجتمع من خلال السيطرة على الإعلام المسمى بالإعلام القومي، والسيطرة على السياسة بالحزب الحاكم، وبث التفرقة والتناحر في أحزاب المعارضة، ومع إدراكنا أن الأحزاب كافة بما في ذلك الحزب الحاكم، كانت أحزاب أنابيب بدون رعاية الدولة ليس لها وجود أو قواعد شعبية. والقوة الوحيدة التي لها قواعد حقيقية فكانت قوة الدين لأن المجتمع المصري متدين بطبعه، فظهر الدعاة والسياسيون يرفعون شعار الدين، وأصبح أحد الدعاة من طائفة أصحاب الملايين، أما الآخرون فكونوا ثروات تحت شعارات دينية مثل شركات توظيف الأموال. أما القوة الثانية التي لها قواعد فهي الجيش الذي ينتمي للطبقات كافة، وسعى المسيطرون على السلطة لإفساد هاتين القوتين، فحاولوا إنشاء خلايا لهم في الأجهزة الأمنية وفي القوات المسلحة، وتغلغلوا في الجماعات الدينية، ولكن لحسن الحظ ظلت القوات المسلحة سليمة بدرجة كبيرة، أما الجماعات الدينية فإنها عاشت في معاداة مع السلطة، بل يمكن القول إنها عاشت أو معظمها في معاداة مع المجتمع.

معاداة السلطة لأنها تتنافس من أجل الحصول عليها، ومعاداة مع المجتمع لأنها تفكر في منطق ماضوي لا ينظر للمستقبل، كما أنها تفكر بمنطق طائفي لا يعكس مفهوم المواطنة والولاء للوطن، بمنطق القرن الحادي والعشرين، ولذلك لم تلق أطروحاتها استجابة حقيقية، ولكن لم يكن هناك موقف واضح للمجتمع من قبولها أو رفضها، لأنه لم تكن هناك آية سليمة لمعرفة ذلك، ولتعبير الشعب عن إرادته وللتنافس السليم بين القوى السياسية بعيداً عن الخوف من بعبع الدين أو سطوة المال أو أدوات القمع المسخرة لإرادته.

كانت معضلة مصر في نظامها الرئاسي الذي تم اعتماده منذ ثورة 1952م، فالرئيس هو محور النظام السياسي، ومن ثم فإن السيطرة عليه تضمن السيطرة على النظام وكافة أدواته القمعية والسياسية والاقتصادية. ولقد حقق عبدالناصر شعبية كبيرة بتجاوبه مع الطموحات الاقتصادية والسياسية للمجتمع، ومع الفكر القومي العربي، ولكنه لم يستطع بناء نظام ديمقراطي، ولا مؤسسات حقيقية تحمل فكره، فسيطر الاستبداد ومعه الفساد، وبرز الانتهازيون من المثقفين وفلاسفة السلطان، ووقعت هزيمة 1967م المنكرة، وهذا لا يقلل من انجازات التجربة الناصرية في المجالات الوطنية والعربية والإفريقية والدولية فهي ثورة عظيمة رائدة.

وجاء السادات ليعكس منهج عبدالناصر فحقق انتصار 1973م، وهو المعادل لانتصار عبدالناصر في 1956م، ثم ضرب قوى اليسار والناصرية بالقوى الإسلامية، بنفس ما ضرب عبدالناصر الإقطاع والإسلاميين في الخمسينيات، وحتى منتصف الستينيات باليسار، وأدى ذلك إلى هزيمة السادات على يد أنصاره واغتياله على يد الإسلاميين.

عرفت القوى الناشئة كيفية السيطرة على حسني مبارك، وهو رجل عسكري مستقيم مؤمن بوطنه وقدم له العديد من الخدمات وحارب بشجاعة في الحرب والسلام، وكانت لدى الرئيس مبارك نقطتا ضعف الأولى استمراره في السلطة لفترة طويلة والثانية طموح أسرته الخارج عن حدود قواعد اللعبة السياسية في نظام جمهوري وقد قدم الكاتب والمفكر المصري طارق حجي، وهو رائد فكر إصلاحي، ورغم قرابته لأسرة الرئيس مبارك كان ناقداً لأسلوب حكمه أثناء وجوده، تشخيصاً لذلك في حديث مع محطة الإذاعة البريطانية بعد سقوط النظام بقوله: «حكم مبارك ثلاثين عاماً، في الخمسة عشر الأولى حكم بمفرده، وقدم انجازات متعددة، وفي الخمسة عشر الثانية حكم مع أطفاله، وأدى ذلك لسيطرة الرأسمالية الجديدة على السلطة والاستبداد والانحراف والفساد». وفي سياق مشابه قدم الوزير الأسبق للإسكان المهندس حسب الله الكفراوي تشخيصاً للانحراف في المرحلة الثانية لحكم مبارك، مستشهداً بالآية القرآنية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}، سورة التغابن – الآية (14).

وفي تقديري، إن أهم انجازات ثورة 25 يناير ليست هي استقالة حسني مبارك كرئيس، وإنما القضاء على أمل التوريث، الذي لعبت ثلاث قوى داخلية في تعميقه ووضع أسسه وفلسفته وإرساء بنيانه القانوني والسياسي والاقتصادي، ثم انهار كل ذلك بين عشية وضحاها، وانطبق عليهم قول الله تعالى: {‏وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏}‏‏، ‏سورة الأنفال‏، آية (30‏).‏ كلمة المكر هنا بمعنى التدبير في مواجهة التآمر لإحباطه. التدبير الإلهي لإحباط التآمر الذي قامت به الثلاثية سيئة السمعة وهي، الأولى: المثقفون والسياسيون والإعلاميون ورجال القانون الذين وضعوا وفصلوا المواد (77) و(78) و(88) بوجه خاص، لكي يغلقوا كافة الطرق أمام أي تنافس حقيقي وشريف، رجال السياسة والإعلام الذين ضمتهم لجنة السياسات، وكانوا يتفننون في الكتابة والتفسير والتأصيل لمفهوم التوريث، دون أن ينطقوا علانية بتلك الكلمة، ولعب قادة الصحافة الحكومية دوراً سيئاً في تغطية الأخطاء وتحويلها إلى مكاسب وهمية، وهي ليست صحافة قومية، كما أطلق عليها، بل هي صحافة حكومية حزبية، لأن المجلس الأعلى للصحافة يخضع للرئاسة الحزبية كذلك قيادات المؤسسات الصحافية هم من ترشيحات حزبية، ويعملون وفقاً لتوجيهات الحكومة والحزب. القوة الثانية هي قوة من الحزب من خلال أداة الخداع السياسي والإعلامي وأداة القمع الأمني والإداري، فمن ليس مع الحزب فهو ضده، ويتم امتهان كرامته وحرمانه من مزايا نفسه، ومن حقوقه الطبيعية، والقوة الثالثة هي قوة رأس المال الذي بدأ بالتخصيص، وهي ليست خصخصة رشيدة، وإنما سرقة واضحة للمشروعات والمصانع والقطاع العام الذي تم تكوينه خلال فترة حكم جمال عبدالناصر ليتحول إلى قطاع خاص لمجموعة الربع في المئة، بعد أن ثار نظام عبدالناصر على حكم النصف في المئة قبل 1952م. ولكن مع الفارق الجوهري، إن حكم النصف في المئة اعتمد على الإنتاج والقيمة المضافة للاقتصاد، وعلى الإقطاع الزراعي. أما حكم الربع في المئة فقد اعتمد على سماسرة الأراضي وسرقة الشركات الصناعية، وبروز الاحتكار والعمولات. وكما هو معروف، فإن رأس المال جبان ولذلك عندما اندلعت ثورة 25 يناير اختفى الرأسماليون الجدد وهرب بعضهم، وبلغ فجور النظام ان أوجد مطاراً خاصاً للطائرات الخاصة لهؤلاء الرأسماليين بجوار مطار القاهرة الدولي في دولة نامية بها حوالي 40 % تحت خط الفقر.

السؤال، هل هذا اكتشاف جديد الآن بعد نجاح ثورة 25 يناير؟

نقول لا، لقد كتب كثير من الاقتصاديين والسياسيين وعلماء الاجتماع تحليلات عديدة، كما كتب الكثير من المفكرين ورجال الإعلام والثقافة عن ذلك، والأكثر ان أجهزة الرقابة الحكومية مثل الجهاز المركزي للمحاسبات، وهيئة الرقابة الإدارية وغيرها سجلت كل ذلك في تقاريرها، ولكن كل تلك التقارير كانت توضع في الأدراج، وتحفظ لأن القرار السياسي كان هو السائد، والقرار السياسي سيطر عليه الفاسدون أنفسهم، أي أن حاميها حراميها كما يقول المثل المصري.

أما النتيجة الثانية فهي إحياء الحس الوطني لدى المجتمع ككل والانتماء الوطني في الحفاظ على النظام والأمانة وعد تخريب أي شيء وتنظيف ميدان التحرير بعد انتهاء التظاهر وهكذا اثبت الشباب درجة عالية من الوعي الذي يليق بمصر وحضارتها وهو ما افتقدته الأيام السابقة من كبار السن بسبب المحسوبية والواسطة والفساد فاضعف ذلك الحس بالانتماء.

إقرأ أيضا لـ "محمد نعمان جلال"

العدد 3083 - الأحد 13 فبراير 2011م الموافق 10 ربيع الاول 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 1:20 ص

      عبدالرحمن

      صح يا بهلول صح لسانك

    • زائر 2 | 11:40 م

      البطل

      أطيب تحيه ,, المثير هو خلو الساحه من " البطل" .. الصوره تخلو من "البطل" لأن الجميع أبطال.. الجميع علي قلب رجل واحد.. الجميع أسقط دكتاتورية حسني و شلته..البطل هو جميع المصريين الذين نتئأمل منهم قيادة و طنهم و العالم العربي..بوسعود

    • زائر 1 | 10:25 م

      • بهلول •

      والقرار السياسي سيطر عليه الفاسدون أنفسهم، أي أن حاميها حراميها كما يقول المثل المصري ....
      هذه هي نهاية فقرتك ما قبل الأخيرة ... و لكن دعني أضيف بأن المثل الذي أوردته هو مثل بحريني أيضاً ، أو دعني أصحح ... إنه مثل عربي شائع !
      سؤال صريح و بسيط : هل كنت ستكتب هذا الكلام لو لم تنجح إنتفاضة الشعب المصري في الإطاحة برؤوس الفساد ؟ إذا كان الجواب لا - وأرجوا من كل قلبي أن لا يكون كذلك - فهنا يكمن واحد من أهم أسباب و عوامل الواقع المرير الذي تعيشه الشعوب العربية . صح ؟

اقرأ ايضاً