العدد 3086 - الأربعاء 16 فبراير 2011م الموافق 13 ربيع الاول 1432هـ

التعليم على حقوق الإنسان: نظرة مجتمعية (2 - 2)

محمد نعمان جلال comments [at] alwasatnews.com

سفير مصر الأسبق في الصين

ظلت المعضلة أمام بعض الدول النامية وهي عدم إمكانية تطبيق مضمون ميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية تحت دعاوى ثلاث:

الأولى: إنها لم تشارك في تطوير هذه المبادئ التي تطورت في أوروبا عبر قرون، ومن ثم فهي مبادئ ومفاهيم مستوردة ودخيلة ومفروضة من الخارج.

الثانية: إن لكل شعب ودولة ومنطقة وحضارة خصائصها، ومن ثم فإن حقوق الإنسان والديمقراطية ينبغي أن تراعي الخصوصيات.

الثالثة: إن مستوى الوعي الثقافي والسياسي ومستوى المعيشة في الدول النامية لا يسمحان بتطبيق الديمقراطية بالمفهوم الذي ساد في الدول الغربية.

هذه الدعاوى الثلاث تبدو أنها تنبع من منطق وفكر وممارسة مختلفة، وينطبق على معظمها مقولة «كلمة حق أريد بها باطل»، ثم أخذت بعض تلك الدول تطرح مقولة أخرى في نقد الدول المتقدمة وهي مقولة «المعايير المزدوجة»، هذه الأطروحات وأشباهها استهدفت الحفاظ على النظم القائمة في كثير من الدول النامية ـ وتناست أن دولة مثل الهند هي دولة نامية كبيرة، ومع ذلك حققت الديمقراطية السياسية رغم ما لديها من مظاهر تخلف اقتصادي واجتماعي وثقافي. وحققت تقدماً اقتصادياً مجتمعياً كدولة، وأصبح يطلق عليها القوة الصاعدة الثانية بعد الصين، رغم المفارقة على مستوى الأفراد في مستوى المعيشة وفي المستوى الثقافي.

والخلاصة، ابتكر الفكر الإنساني مفهوم (تعليم حقوق الإنسان) لكي يرد على أطروحات التعويق والتأخير والتأجيل والتسويف من قبل دول نامية لها منطقها ولها حجتها. وتطور اهتمام المؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع المدني غير الرسمية الناشطة في هذا المجال في الدعوة لنشر ثقافة حقوق الإنسان. والتعريف بماهية هذه الحقوق ومدى ارتباطها بتراث الدول النامية بمختلف ثقافاتها وتراثها وأديانها، وإنه إذا كانت الدول الغربية والحضارة الغربية بلورتها في صياغاتها وصورتها الحديثة فإن جذورها موجودة في الحضارات الإسلامية والهندوسية والبوذية والكونفوشية وغيرها.

ومع تطور وعي الشعوب وبروز أجهزة الاتصالات الحديثة ووسائل الإعلام المتعددة، برزت حالات الانفتاح السياسي بدرجات متنوعة بين الدول في مختلف المناطق الجغرافية وفي مختلف الحضارات. وانتشرت دعوة نشر وتعليم حقوق الإنسان في المدارس والجامعات ومؤسسات التنشئة الاجتماعية والسياسية المختلفة. وطورت الجامعات ومراكز الأبحاث ومنظمات المجتمع المدني أساليب عدة لنشر الوعي بحقوق الإنسان سواء في الدول المتقدمة أو الدول النامية على حد سواء. كما ظهرت آليات المراقبة والمتابعة لمدى التزام الدول بتعهداتها النابعة من الاتفاقات الدولية، ومن أبرز تلك الآليات هي آلية المراجعة الدورية الشاملة لحالة حقوق الإنسان في مختلف الدول، وكذلك آليات الاتفاقات التعاهدية التي تنضم إليها دول معنية، وآليات غير رسمية مثل هيومان رايتس ومنظمة العفو الدولية، فضلاً عن آليات المقرر الخاص سواء لدول معنية أو لقضايا حقوقية محددة وغير ذلك من الآليات المتنوعة.

وأدركت مختلف الدول أن مفهوم حقوق الإنسان أصبح هو صيحة العصر وشعاره، وخاصة في القرن الحادي والعشرين، واتجهت جامعات عديدة لإدخال مقررات حول حقوق الإنسان. وتطورت آليات نشر ثقافة حقوق الإنسان وما يتصل بها من مفاهيم جديدة مثل ثقافة السلام، وثقافة التسامح، وثقافة الحوار وغير ذلك من المفاهيم المستخدمة بالنسبة لكثير من المجتمعات. والأهم أن الدول المتقدمة اتجهت لوضع مدى الالتزام بتلك المفاهيم والممارسات الديمقراطية كأحد شروط التعاون الاقتصادي أو عقد اتفاقيات تجارة حرة مع الدول النامية، بل برزت مشروعات عدة، في إطار مجموعة الدول الثماني المتقدمة، للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وبخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001م.

أدركت العديد من الدول النامية أن العالم قد تغير، وإن الشعوب قد استيقظت، وإن الأفراد ازداد وعيهم، ومن ثم فلابد من حدوث تغير في أساليب الحكم والإدارة، وتوسعت صيحة احترام حقوق الإنسان وآلياتها المتعددة، بل إن أجهزة الدولة الرسمية التي كانت لا تؤمن مطلقاً بمفهوم حقوق الإنسان اتجهت لاعتناق مثل هذا المفهوم بدرجات متفاوتة، وهذا يعكس نقلة نوعية في فكر المجتمعات المختلفة وبخاصة المجتمعات في الدول النامية.

ومازالت عملية تعليم حقوق الإنسان والتوعية بها ونشر ثقافتها في بداية الشوط، وتتوسع من كليات الحقوق في الجامعات إلى الكليات المختلفة، فالهندسة مثلاً لابد أن تعرف الحقوق البيئية، والحق في المسكن، والحقوق الصحية في رسوماتها الهندسية والمعمارية، وكليات العلوم لابد أن تعرف آثار التفاعلات الكيميائية على صحة الإنسان، وكليات الطب لابد أن تعرف حقوق الإنسان الطبية، وهكذا في شتى الكليات ومعاهد التعليم ثم أن حقوق الإنسان كثقافة لابد أن يتم تربية الفرد عليها منذ طفولته، ومن ثم امتد مفهوم تعليم حقوق الإنسان لمفهوم تنشئة الفرد على هذه الحقوق.

هذا التوسع في الفكرة من مجرد أفكار نظرية إلى تطبيق عملي، ومن مقاعد الدراسة إلى ساحة الحياة الرحبة، يعبر عن نقلة نوعية في الفكر الإنساني وممارساته وتوجهاته، وهو تعبير عن ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على مستوى العالم، وهي ثورة فرضت نفسها في أجيال تكنولوجية متعاقبة، بحيث أصبح كل فرد يشعر بها ولا يستطيع مقاومتها رغم وجود بعض سلبياتها، إلا أنها أصبحت الموجة السائدة في شتى المجتمعات والثقافات والشعوب، وأصبحت العديد من الحكومات تأخذ في حسبانها هذه المفاهيم، وتشعر بضرورة التلاؤم والتجاوب مع الفكر الجديد، وأنها مسئولة أمام شعوبها وأيضاً أمام شعوب العالم وأمام المنظمات الدولية عن مدى احترامها لهذه الحقوق.

إقرأ أيضا لـ "محمد نعمان جلال"

العدد 3086 - الأربعاء 16 فبراير 2011م الموافق 13 ربيع الاول 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً