العدد 3306 - الأحد 25 سبتمبر 2011م الموافق 27 شوال 1432هـ

سُحقاً سُحقاً للعملاء!

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

مثلما للسلطة أمراض وأسقام، فإن للمجتمع أمراضه وأسقامه أيضاً. أمراض السلطة هي (في سوادها الأعظم) مرتبطة بالقسوة على الناس وسلب حقوقهم، نظراً إلى امتلاكها لهامش القوة المادية من سلاح وموارد وإعلام وسطوة. أما أمراض المجتمع، فهي مرتبطة في الغالب بالأحكام السياسية والاجتماعية، التي عادة ما يطلقها البعض على آخرين أمثالهم. وربما أخطر تلك الأحكام هي المرتبطة بالدِّين والسياسة. فكلّ مَنْ يُتهم في مجتمعه بأن له رأياً مغايراً في الدِّين، أو رأياً مخالفاً للمجموع في السياسة فلن تقوم له قائمة ما بقيَ الدهر.

في أمراض السلطة، فقد قيل فيها (وسيقال أيضاً) من النقد الكثير وبلغة غليظة لا ترحم. وهي بالمناسبة لغة يُجيزها منطق الأشياء وطبيعتها، حين تظهر السلطة على أنها قوّة مادية قصوى، والناس أمامها آحاد لا يقوون على شيء سوى لقلقة في اللسان، أو المواجهة باللحم الحي. أما في أمراض المجتمع فالواجب هو أن يُقال فيها ما يتوجَّب قوله لكي تتقوَّم الأشياء ويُشذَّب السلوك، ويُضبط القول. وهو واجب لا يقلّ عن واجب نقد السلطة.

في الآونة الأخيرة (وما قبلها أيضاً)، راجَتْ شعارات «تخوينية» «تسقيطية» «تثبيطيّة» «عدميَّة» لم يكن ينبغي لها أن تطلَق بحق شخصيات محترمة، وجهات اعتبارية تُتَّهَم بالخنوع والاستسلام، وكأننا في ساحة احتلال صهيوني يُقاتل فيها الوطنيون والمجاهدون، ويُهادن فيها العملاء. كلماتٌ كالسَّحق والموت لفلان من الناس رفعَها إلكترونيون وجداريون مجهولون دون أن يعلموا ما تحمله هاتان الكلمتان من معنى. فكلمة سُحقاً، هي دعاء خاص على أصحاب السعير «فَاعْتَرَفُوا بذَنْبهمْ فَسُحْقًا لأصْحَاب السَّعير» (الملك: 11)، أما كلمة الموت فهي ضد الحياة، ما يعني أنه لا مجال لا للاستتابة، ولا للعفو، ولا لأيّ مستوى من النقاش، وهي أحكام فيها من التطرف ما يجعلها غير قابلة للتداول إلا عند بعض الأنظمة الشمولية في عالمنا العربي.

هذا الأمر غير مقبول أبداً، ولا يستقيم مع مجتمع رشيد، ومطالب مشروعة تطالب بمزيد من الديمقراطية وتعزيز الحريات؛ لأنها وباختصار لغة غابيَّة فيها من الغرائزيَّة والذئبيَّة الكثير. كيف يُمكن لأحد أن يحكم على آخر بالموت أو السَّحْق، فقط لأن له موقفاً سياسياً معيناً، حتى ولو كان رأيه خاطئاً! لأن عدم الرضا بالرأي الآخر (وليس شيئاً أكثر من ذلك) يجعل السؤال مطروحاً حول ماهيَّة المساحة المتبقية للناس لأن يمارسوا حريتهم الشخصية والسياسية في قول ما يعتقدون به وسط مجتمعهم؟! فيتحوَّل الناس إلى مجرد كائنات، لا تسأل عن أي أسئلة ولا تدلي بأية انتقادات، كما كانت تصف إليوت الصداقات الحيوانية الممتازة.

لا يُمكن بأيّ حال من الأحوال ربط حياة الأفراد كلهم بمنطق خَشَبي، وبأحكام نهائية لا مجال فيها للتعاطي والرَّد وردّ الرَّد، هذه هي المشكلة التي يُعاني منها الكثيرون اليوم في عالمنا العربي. بعضهم عندما يسمع آخرين يتحدثون بهذا المنطق المغاير في السياسة يختصرونهم وبسرعة ضوئية، فيعتبرونهم أبناء شرعيين للسلطة، في حين أن كثيراً منهم هم من ضحاياها، أو في أحسن الأحوال، اعتبارهم خارج اهتمامات الناس ومطالبهم في حين أنهم من حامليها، ومن يعضّون عليها بالنواجذ، وهذا في حقيقته قولُ اليمينية المسيحية المتطرفة، الذي أشاعه مبدأ الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن عندما قال بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول «إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا»، وهو تقسيم ظالم ليس فيه عدالة أبداً.

لا نريد أن نكرِّر شعارات الخمسينيات والستينيات عندما كانت القومية وموجات اليسار في أوج قوتهما، وكانت معاركها مفتوحة بأعلى درجات الاتساع، دون أن يُسمَح لأحد بأن يقول ما هو مختلف عن المطروح، واتهامهم بالعمالة للإمبريالية والاستعمار. اليوم يتم نقد ذلك السلوك، بل ويُرَد إليه أسباب العديد من الهزائم «الاجتماعية» قبل «السياسية». لذا من غير السليم أبداً أن يتكرّر الأمر اليوم بعد نصف قرن من السنين، لأن المنطق يقول، إن التاريخ لم يوجد فقط للبناء عليه ومواصلة الحياة على إفاضاته، وإنما وُجد للاتعاظ منه أيضاً.

أقول هذا الكلام، رغم قناعتي بأن أصحاب هذه الأقلام وكلمات الشتيمة والتهجميَّة تلك هم أشخاص مرضى ووهميّون، يجلسون وراء أجهزة الحواسيب الشخصية لهم، ليتحدثوا بسوء عن أشخاص محترمين ولكن بأسماء شبحيَّة خفَّاشيَّة لكي لا يعرفهم أحد؛ لأنهم في الحقيقة أناس جبناء، ليس لديهم أدنى منزلة من الشهامة، ولو كان لديهم ولو شحمة منها لما امتهنوا مثل هذه الأفعال الرخيصة

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 3306 - الأحد 25 سبتمبر 2011م الموافق 27 شوال 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 8 | 4:20 ص

      فعلا موضوع جدا مهم ويحتاج الى تأمل

      رغم أن هذه الظاهر بدت تخف قليل ولكنها لا زالت موجودة بالفعل وربما يكون من الصعب القضاء عليها ولكن يجب تثقيف المجتمع لقبول مسألة الاختلاف مع الآخر وقبوله رغم ذلك الاختلاف
      معظمنا ينشد مصلحة الوطن حتى في اختلافنا مع السلطة هي أيضا تنادي بمصلح الوطن ولكن كيف نصل إلى هذه المصلحة وكيف تتحقق وهنا يكمن الإختلاف
      والمشكلة أيضا في التقديم والتأخير في الأولويات
      بمعنى آخر ما هو أولوية لدى قد لا يكون عند الآخر بنفس الأهمية لذلك يجب التوفيق

    • زائر 6 | 3:38 ص

      تحية

      تحية للكاتب المبدع لاظهاره بعض الاسقام الاجتماعية المنتشرة بين أوساطنا البحرينين فعلا -فالشخص يشخص إما ساقط أو ناجح(يا أسود أو أبيض) أي أنه لا يتجزأ للخير أو الشر وهنا تكمن المشكلة-فعندما يقول كاتب ما شيء من ذكر الخير يغض البصر عنه تماماُ بعكس ما يكتبه الكاتب الغير مغضوب عليه!!!.
      (إنظر الى ما يقال ولا تنظر الى من يقول)
      الامام علي(ع)

    • زائر 4 | 2:45 ص

      الله يظهر الحق

      نعم كل جهة تخون الاخرى ان لم تكن معي فانت ضدي ولو كنا متوافقين في 95 في المئة لابد ان تردد مااقول والاكنت خائنا وعميلا وعلي محاربتك ان لم تمش معي مغمض العينين مسلوب الارادة

اقرأ ايضاً