العدد 3308 - الثلثاء 27 سبتمبر 2011م الموافق 29 شوال 1432هـ

الإرادة بصفتها «رغبة واختيار» للشعوب

منى عباس فضل comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

الإرادة كما عرفها المفكرون، اقتران بين رغبة محمومة وعمل دؤوب لتحقيق حلم أو هدف محدد، وهي تعني تحول الأقوال إلى ممارسة وأفعال – أي إلى أداة للتطبيق - تواجه الصعاب وتحديات الإحباط واليأس وتجاوز البؤس والأسوار العالية، وبحسب علماء النفس والتربية، الإرادة فعل من أفعال التربية المكتسبة تُصقل وتعزز بالتدريب والمران والتهيئة.

وسط مد الحراك في ميادين المدن العربية، ومع علو صوت شعوبها الاحتجاجي في الاعتصامات والمسيرات في مواجهة آلة القتل والقمع والبطش المقرونة بفساد أنظمة حكم الاستبداد، يقف المرء مندهشاً تارة لإرادة الشعوب الحديد، وحائراً تارة أخرى أمام تدفق قوتها الدفينة المختزنة وهي تواصل مشوارها نحو هدف التغيير وجني الحقوق والمكتسبات.

ثمة فضول استفزازي يستثير تساؤلات غير تقليدية بحثاً وكشفاً عن مفهوم الإرادة كقوة سحرية دافعة لها دلالتها؟ ماهيتها كاتجاه سلوك في العملية النضالية؟ أشكالها وكيف تتحقق؟ كيف تصنع المعجزات وتحقق حلم الشعوب بعدالة اجتماعية ومساواة، الأهم دورها في التخلص من أحوال الفقر والبؤس والظلم والتهميش والاستبداد والفساد المعشعش في المجتمعات العربية؟

في هذا المنحى، تجمع الدراسات بأن كلمة «إرادة» في وضعها الاشتقاقي نبتت من فعل «أريد» المقرون بفعل «اختيار»، فأنت حر وتختار ما ترغب وتريد، وفعل «أريد، ويريد» عبرت عنه باقتدار رغبة شديدة تلبست الذات العربية الجمعية فانفجرت بعد عقود من سيادة الظلم والظلام، رغبة تمحورت حول إحداث فعل التغيير في علاقة الحاكم بالمحكوم وتمثلاتها «علاقة السيد بالعبد، الراعي بالرعية» إلى علاقة حضارية قوامها هوية المواطنة ومبدأها العدالة الاجتماعية، ركيزتها التشاركية في صنع القرار ويسودها الرقابة والمحاسبة في دولة القانون والممارسة الديمقراطية. رغبة اختمرت وتشكلت من دافعية متدفقة باتجاه إنجاز مشروع التغيير الحضاري والإصلاح السياسي العربي الذي تأخر كثيراً كثيراً.

من دون شك، الإرادة في «الربيع العربي» كانت ومازالت «الشرارة المعجزة» التي وسعت من خيارات الشعوب لتحويل فكرة التغيير من مجرد حبر على الورق وأحاديث في المجالس يعاد اجترارها إلى واقع عملي حي، لايزال المراقب يشهد فصوله التي بدأت بمرحلة الإصلاحات وإجراء التعديلات الدستورية أو الإطاحة بأنظمة كأنظمة «بن علي» و «مبارك» و «القذافي» كما أنهت سجالاً طال أمده حول التوريث في أنظمة الحكم الجمهورية. فإرادة الشعوب هي الرافعة التي ستمارس بها الديمقراطية الحقيقية وتتحقق من خلالها انتخابات حرة نزيهة تمثل إرادة الشعوب لا الأنظمة، وهي وبمعية الإصرار ستؤسس لبرلمانات منتخبة من شعوبها تتوافر على صلاحيات المساءلة والرقابة على المال العام، وتعيد النظر جملة وتفصيلاً في الكيفية التي تُحكم بها شعوب المنطقة العربية، الإرادة الحرة هي التي ستجعل من الدستور وتعديلات نصوصه تتأسس على فكرة ومبدأ العقد الاجتماعي.

لا مبالغة في القول إن إرادة الشعوب العربية ورغبتها في تغير واقعها فاجأت العالم وأدهشته كنموذج على رغم حجم التنكيل والمجازر المرتكبة بحقها، فهذه الإرادة في مضمونها ودلالتها فعل قوة ومتانة، لا فعل استكانة وضعف وتراخٍ واتكالية، فعل مرجعيته تراث ثقافي وطبيعة الذات العربية المنتجة الولادة التي كسرت حاجز الخوف والرهبة وهي تقاوم الصعاب للتخلص مما ابتليت به من ظلم وقهر وفقر وبؤس وتخلف وشيوع لمؤسسات ينخرها سوس النهب وتمارس فيها موبقات التهميش والتميز بين فئات الشعب وإذكاء طوفان الطائفية عبر نهج «فرق تسد» بين أبناء الوطن الواحد بهدف الإبقاء على الوضع القائم ومن يتحلق حوله من حاشية مستشارين ومتمصلحين، كل ذلك حدث ويحدث لأجل إضعاف الشعوب وإنهاك قواها فلا تعود قادرة على تحقيق أحلامها ورغباتها في التغيير.

في «الربيع العربي» أدركت الشعوب طبيعة تاريخها النضالي المتأصل، وبفطرتها تبينت نقاط قوتها الذاتية ففجرتها معتمدة على مخزون شبابي دينامي استطاع بحيويته وعبر تفكيره الإبداعي من تطويع أدوات التواصل الاجتماعي، والتخطيط ومعرفة ما يحيط برغباته وما تتحوطه من معوقات، فحددت نقاط ضعف الخصم، واتكأت على إرادتها الصلبة وتجاوزت الترهيب بتحدٍ بذلت فيه التضحيات التي كتبت بدماء الشهداء والقابعين في السجون ومن تشردوا في المنافي ومن تحمل عبء المواجهات اليومية في الأزقة والشوارع والميادين العربية، قوة إرادتهم أسقطت أقنعة وجعلت أخرى تعيد النظر بالاستماع إلى شعوبها وتلبية مطالبهم، يفيد علماء النفس: «لكي تتقوى الإرادة الجمعية فهي بحاجة دائمة للنشاط والحيوية والشجاعة والرغبة في تنفيذ ما يسعى إليه وتحقيق الحلم».

ومنه الشعوب العربية ماضية في دربها، وبقدر ما يستوجب عليها فعل الإرادة تمثل التجارب الإنسانية الإيجابية المنيرة الرائعة، بالقدر نفسه يستوجب عليها استحضار التجارب السلبية لتحاشي الوقوع في الأخطاء وتقليل الخسائر، فهذا التمثل لهذه العناصر وغيرها مهم يضاف لما أجمعت عليه الأبحاث من عناصر معززة للإرادة، كتثمين عامل الوقت والنظر بواقعية لما يمكن تحقيقه من شعارات وأساليب نضالية سلمية وبرامج عمل تشاركية وتحسين ظروف البيئة النضالية وتحديد محفزاتها الحسية والفنية والمادية والمعنوية وربطها مع بعضها بعضاً بهدف تحقيق «الحلم/الرغبة/الاختيار»، وهذا لا يكون إلا بتوضيح طرق التغلب على المعوقات بالمثابرة والصبر والإصرار وممارسة التفكير الحر والسلوك العقلاني والمنطقي، واحتساب الاحتمالات حتى أسوأها «الفشل»، بالطبع هذا يحتم استعداداً نفسياً وتجنب استهلاك الجهود والطاقات وتنفيذ مراجعة وتقييم مستمر لتغير الخطط والبرامج بحسب مقتضيات تغير الظروف.

حقاً إنها خطة طريق لتعزيز قوة الإرادة والعزيمة الفولاذية المحرك والدينامو لعملية التغيير التي يتصدرها «شباب العرب» للولوج في مرحلة تاريخية جديدة، وما يتطلب انتباهاً وتركيزاً شديداً لتوليد الأفكار المبدعة المقرونة بقناعة داخلية راسخة وإيمان بضرورة تحقيق الهدف الحلم الذي يُسعى إليه. في هذا المقام يذكر «روبرت شولر» في كتابه «القوة الإيجابية»: «يمكنك أن تعمل فقط ما تعتقد أنك تستطيع عمله ويمكنك أن تكون فقط من تعتقد أنك تكون ويمكنك الحصول فقط على ما تعتقد أنك قادر على الحصول عليه ويعتمد كل ذلك على ما تعتقده»، أي ما تؤمن به، لذا لا عجب إن مثلت الإرادة نقطة الارتكاز المتجذرة في العقل الباطن للإنسان والتي تمنحه الدافعية والحافز باتجاه الهدف.

أخيراً، لاحظ المراقبون في سياق «الحراك الشعبي العربي» شيوع بعض الآراء المسوغة للتثبيط والتشكيك والتنقيص للتقليل من شأن التحركات ونتائجها، وللرد عليها لابد من تقوية الثقة بالنفس والتخلص من الرعب والقلق والشك في النفس وإمكاناتها، أو الخوف من الإخفاق، فمع الإرادة والصبر والإيمان وإدارة الوقت بفعالية، والقيام بالمبادرات الإيجابية وتحسين شعور المواطن العربي بقيمته الإنسانية واستشعاره بالمسئولية والتزود بالمعرفة للتصدي لمكنة بث اليأس والإحباط، تتحقق الأحلام والرغبات، لحظتها ستكون «الإرادة» اصطلاحاً وفعلاً سر من أسرار «القوة الدفينة للشعوب»

إقرأ أيضا لـ "منى عباس فضل"

العدد 3308 - الثلثاء 27 سبتمبر 2011م الموافق 29 شوال 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 8:48 ص

      رب ارجعوني

      حقا بالارادة تستقيم الامور,وبالثبات تتحقق المطالب,وعلى التضحية تتوحد الجموع,فما ضاع حق وراءه مطالب ,وما أهدر دم كان لله فيه رضا وطاعة وعبادة وللناس فيه كرامة ,فلا عبودية الا لله ,ولا رضا الا بالحق الذي شرعه الله تعالى......فالشكر كل الشكر موصول للقلم الحر الشامخ أمام كيد الكائدين.ودمتم بعين الله محفوظين

    • زائر 2 | 2:54 ص

      الصفة تتبع الموصوف

      عادة ما توصف الإرادة بأنها صلبة أو قوية أو ضعيفة..
      الرغبة والاختيار يحتاجان إلى توصيف كأن نقول لديه رغبة جامحة واختياره صحيح أو سليم ولا يمكن أن يصفان موصوفا، بل من الممكن أن يكون لهم دور فعال في الإرادة. فمن المعروف أن الإرادة من داخل الإنسان وأن التأثير عليها من الخارج أو الداخل ممكن.
      إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فرغبة الشعوب جزء من إرادتة واختياره السبيل ينطلق من مقدمات مثل الوضع الاجتماعي او الاقتصادي أو السياسي... فألخيرة هي أساسيات تكون حق الانسان التي تصون كرامته.

اقرأ ايضاً