العدد 3403 - السبت 31 ديسمبر 2011م الموافق 06 صفر 1433هـ

«التفكير الناقد»... استراتيجية تربوية ملائمة لحقوق الإنسان

فاضل حبيب comments [at] alwasatnews.com

.

«أيها المعلم... درسك لا ينمِّي» التفكير الناقد «لدى الطالب»!

لطالما سمع المعلم هذه العبارة عقب كل زيارة صفية يقوم بها أحد الموجهين التربويين، أو فريق التقييم التابع إلى هيئة ضمان جودة التعليم والتدريب.

هي عبارة في منتهى الضبابية والاجترار بالنسبة إلى كل معلم، لا من جهة المفهوم أو الدلالة، وإنما من جهة إمكانية التطبيق في الميدان التربوي المحكوم بظروف موضوعية معينة يعرفها المعلمون جيداً أكثر من غيرهم.

يدرك الكثيرون أن المعلم قائد ميداني بامتياز، وهو الأقدر والأصلح على تشخيص الواقع المدرسي بعين بانورامية نفاذة ودقيقة، بعيداً عن كل الأدبيات والمفاهيم الفلسفية المجردة التي يتغنَّى بها البعض، والذين نطلب منهم ـ ولو لمرة واحدة فقط ـ أن يستمعوا للمعلمين قبل إصدار الأحكام المعلبة والجاهزة بحقهم، فغاية ما في الأمر ـ وهذه مشكلة كبيرة بدأنا نعاني منها أخيرا ـ أننا نقوم بتقييم المعلمين في جملة من العموميات التي قد يصعب تحقيقها، ومن ثم نسلط على رقابهم سيف المساءلة!

تخيَّلوا معي لو أن معلماً طلب من الموجه التربوي، أو أية جهة رسمية جاءت لتقيِّم أداءه، تقديم درس نموذجي في مادة التخصص وفق معيار تنمية «التفكير الناقد» لدى الطالب، ماذا ستكون ردة فعل هذا المقيِّم؟!

قبل سنوات، عندما قررنا تطوير نظامنا التعليمي في البحرين قمنا بنقل تجربة سنغافورة المتميزة ببنيتها التعليمية القوية، وهذا التوجه صحيح وندعمه، لكن السؤال المطروح: هل من وقفة جادة، منا كمسئولين وصناع قرار ومعنيين بعملية إصلاح التعليم، على أبرز التحديات التي واجهتها التجربة السنغافورية في مجال تنمية «التفكير الناقد «لدى الطلبة؟

لقد تنبَّهت سنغافورة إلى مهارات التفكير العليا، و»التفكير الناقد» تحديداً، وتعاملت معها بمسئولية وذكاء، بوصفها العنصر الرئيسي في عملية إصلاح النظام التعليمي، فقد قامت بجملة من المراجعات في هذا الاتجاه، منها: تقليص المواد الدراسية، والتركيز على الكفايات التعليمية الأساسية وحذف الحشو في المناهج التعليمية، في الوقت الذي لانزال نؤكد أهمية التركيز في الامتحانات التحريرية الشهرية والمنتصف والنهائية على ما هو جوهري في المناهج الدراسية، والتخفيف من التفاصيل غير الضرورية، فالتعلم لا يُقاس بالكم المعرفي بقدر ما يُقاس بتعلم الطالب كيف يفكر. لذلك وجب عدم تكرار اختبار الطلبة في الامتحانات النهائية فيما سبق وأن اختُبِروا في امتحانات المنتصف على صعيد المعلومات، وعليه؛ فقد باشرت سنغافورة إعادة تصميم نظم التقويم والامتحانات لتقيس مدى قدرة الطالب على إدراك وفهم وتطبيق وتطوير ما تعلمه، وليس في قدرته على التذكر والحفظ والاستظهار عن ظهر قلب كما كان معمولاً به سابقاً.

كما اهتمت سنغافورة بتوفير مناخات مدرسية منفتحة ونشطة وجاذبة للمتعلمين، بحيث تخلصت من مشكلة الكثافة الطلابية في الصفوف الدراسية، والتي لانزال نعاني منها في البحرين. إلى جانب ما ذكر، فقد خفَّفت سنغافورة من أعباء المعلم التدريسية، لتتيح فرصة أكبر للتعلم وممارسة الأنشطة الصفية التفاعلية.

هذا الاهتمام بتنمية «التفكير الناقد»، يدفع بنا إلى التعامل معه من منطلق حقوقي، وخصوصاً عندما يقوم المعلم بتمكين الطالب من إبداء الرأي المؤيد أو المعارض للمفاهيم ذات الصلة بحقوق الإنسان؛ لذلك كان من بين أفضل الممارسات لتعليم مبادئ حقوق الإنسان في المدارس.

تتميز استراتيجية «التفكير الناقد» في عملية تدريس مبادئ حقوق الإنسان بأسئلتها التي تقيس أعلى مستويات المعرفة، كالتركيب والتحليل والتقويم (إصدار الأحكام)، من قبيل: هل تؤيد ظاهرة عدم اصطفاف الطلبة عند المقصف المدرسي لشراء وجبة الإفطار؟ إن كان الجواب (لا)، فمع أي حق من حقوق الإنسان يتعارض هذا السلوك؟ وما الدافع الذي يجعل الطالب يشتري لزميله، بدلاً من أن يحثه على الانضباط والوقوف كغيره في الطابور، تماماً كما هو حال سائر الطلبة؟ وما أثر هذا السلوك على ثقافته وحياته بوصفك طالباً؟ وهل هناك شعب متحضر يمارس هذه السلوكات الخاطئة؟ وغير ذلك من الأسئلة.

من الخطأ أن نفصل «التفكير الناقد» عن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وما إلى ذلك، فـ (جون ديوي) وهو أحد قادة الفكر التربوي، يرى أن «المنهج الذي يهدف إلى بناء مهارات التفكير الناقد سيكون مفيداً ليس فقط للمتعلم الفردي، لكن للجماعة أيضًا وللديمقراطية بوجه عام».

حتى الأفكار التربوية الثورية التي تبناها البرازيلي باولو فريري ـ وإن كانت ذات أبعاد سياسية ـ كانت تدعو إلى اعتماد (المنهج الحواري) كأساس للتشجيع على الفعل الإيجابي لدى الطالب بدلاً من حالة الصمت التي يعيشها نتيجة وجود سلطة عليا تمارس ضده القهر (التلقين والحفظ). فقد كان يشدد على عدم الفصل بين الأفكار والممارسات التربوية في المدارس أو المجتمع، وأن على المربين أن يناضلوا في سبيل ذلك مع الأطفال والشباب، بل حتى على مستوى تعليم الكبار، وأفضل طريق للنضال في هذا المجال كما أشار في كتابه «تربية الحرية... الأخلاق، الديمقراطية، الشجاعة المدنية» هو أن نتمثل هذه الأفكار والقيم في الفضاء التربوي، وعلى مستوى علاقة المعلمين بالطلبة، والطريقة التي يجب أن يتعاملوا بها مع المحتوى الدراسي الذي يقومون بتدريسه.

ولو قدِّر لنا تطبيق استراتيجية «التفكير الناقد» في تدريس مبادئ حقوق الإنسان؛ فإن ذلك يعني تقاسم الأدوار بين كل من المعلم والطالب، فالمعلم يناقش طلابه ويستمع لآرائهم بشأن مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمعلمة تناقش وتحاور طالباتها في مواد اتفاقية (السيداو)، ومعلمو ومعلمات التعليم الأساسي بالمرحلة الابتدائية يناقشون ويحاورون الأطفال الصغار في مواد اتفاقية حقوق الطفل وهكذا، وبالطريقة الميسرة والملائمة لكل مرحلة من المراحل التعليمية المختلفة.

مهما تعددت الآراء والاجتهادات؛ فإن استراتيجية «التفكير الناقد» في تدريس مبادئ حقوق الإنسان تتناسب مع مدخل الدمج (المنهج التكاملي) أكثر من مدخل الوحدات الدراسية المستقلة، وعليه فلا بد أن يضع مصممو المناهج الدراسية نصب أعينهم مهارات التفكير العليا، وفي مقدمتها التحليل والتركيب والتقويم لتتحقق الغايات الكبرى التي من أجلها وجدت فلسفة التربية على حقوق الإنسان

إقرأ أيضا لـ "فاضل حبيب"

العدد 3403 - السبت 31 ديسمبر 2011م الموافق 06 صفر 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 2:48 ص

      تجربتي

      الأستاذ الفاضل

      قامت احدى الموجهات التربويات بتطبيق مايُعرف بالتفكير الناقد في ورشة عمل أُقيمت في مركز مصادر التعلم بالمدرسة وكانت عينة الطلاب هم المدرسين انفسهم..

      بعد الورشة...تم التصفيق والتهليل لها، ثم دعاها أحد المدرسين لزيارة أحد فصوله وتطبيق ماقامت به ..

      في الفصل.. هربت منه بعد 10 دقائق فقط..
      لا تعليق..

اقرأ ايضاً