العدد 3520 - الخميس 26 أبريل 2012م الموافق 05 جمادى الآخرة 1433هـ

تكريم تقي محمد البحارنة... الانتصار للثقافة والإبداع

وسام السبع wesam.alsebea [at] alwasatnews.com

عندما تتوافر للمرء قدرات ذاتية استثنائية، ويتمتع باقتدار مدهش على استغلالها بذكاء ويقظة، وعندما يؤمن الإنسان بقدرته على تخطي الصعاب وارتياد المجهول والاقتحام المغامر؛ فإنه حتماً سيصيب نجاحه المنشود إن على مستوى حياته الخاصة أو على مستوى تنمية مجتمعه الأكبر ووطنه.

واحدٌ من الشخصيات الوطنية الاستثنائية في تعدد مجالات عطائها الفكرية والوطنية والاقتصادية هو الاستاذ تقي محمد البحارنة، هذا الرجل الذي تجتمع فيه ومن حوله عناوين شتى، فهو الشاعر، والأديب والمؤرخ، والشخصية النضالية التي خاضت الغمار الوطني منذ حداثة السن وغضاضة العمر في خمسينيات هيئة الاتحاد الوطني (1954 - 1956م) وكان من ضمن لجنة الأعضاء الثمانية الاستشارية للهيئة بعد الاعتراف رسمياً بها من قبل حكومة البحرين وقتها، وهو رجل الأعمال الناجح الذي ولج عالم المال والأعمال وهو شاب صغير بعد تجربة قصيرة في الدراسة الجامعية في العراق ختمها على عجل ليلتحق بدنيا أوسع وأكبر علومها لا تُحد ومناهجها باتساع الحياة، المدرسة التي أرسى دعائمهما في وعيه الناشئ والده رجل الأعمال الوجيه الحاج محمد مكي البحارنة (1885 - 1968م).

في قصة تحكي أجمل صور الكفاح وبناء الذات سرد بعض مشاهدها الحلوة في كتابه الجميل (أوراق ملونة) إلى جانب سجله الطويل في تاريخ خدمة وطنه في السلك الدبلوماسي منذ أن شغل منصب سفير البحرين في مصر ومندوبها الدائم في جامعة الدول العربية في الفترة من 1971 - 1974م مروراً بعضويته في مجلس الشورى في العام 1993 وليس انتهاءً بعضويته في مجالس إدارة عدد من المصارف وشركات التأمين وغرف التجارة والمؤسسات المالية في البلاد.

تتيح سيرة هذا الرجل المولود في العام 1930 في المنامة من أسرة احتضنت شمائل الفضل والوجاهة الدينية والاجتماعية أكثر من درس وعبرة، وتكريم جمعية تاريخ وآثار البحرين له في حفل بالمناسبة مساء الخميس 19 أبريل/ نيسان الجاري والبلاد تمر في هذا الظرف العصيب من التمزق المذهبي والاحتقان السياسي الذي يوشك أن يشل البلاد ويعطل الإبداع يعد اتجاهاً سليماً وخطوة محمودة.

بالنسبة لي، عرفت الأستاذ تقي من خلال كتابه (نادي العروبة) الصادر العام 1992 وقد أرخ لنشاط نادي العروبة خلال خمسين عاماً، وهو وثيقة تاريخية مهمة، تتحدث عن فترة يجهلها الكثيرون عن تاريخ البحرين الثقافي والاجتماعي منذ عام التأسيس في 1939 قدم فيه بتتبع ورصد دقيق وصفاً للحركة الثقافية والأدبية في البحرين من خلال أنشطة النادي وفعاليات أعضائه البارزين، وما في صدر البحارنة أكثر بكثير.

وكانت هذه المعرفة لي كقارئ به كمؤلف وأديب يحتل مكانة بارزة في المشهد الثقافي البحريني مقدمة لاتصال إنساني وحميمي به، ووجدته شخصية إنسانية تملك تقديراً خاصاً للشباب الطموح ممن تشغله شواغل الثقافة والأدب وشئون الفكر، وكان ولايزال لا يبخل أبداً بإسداء النصح وتقديم المشورة بكرم وأريحية بل وبتواضع شديد في أي موضوع أسأله النصح فيه.

أهمية البحارنة كمؤرخ لا تقتصر على سرد الوقائع عبر وسائط، بل باعتباره شاهد عيان على كثير من التحولات الكبيرة التي شهدتها البلاد، بل وفي كثير من الأحيان، «صانعاً» للحدث وليس «مراقباً» له، وهو ما يظهر بجلاء فيما كتبه البحارنة عن ذكرياته عن «اتحاد العمل البحراني» وهو أول دراسة تاريخية تتصف بالشمول عن تاريخ الاتحاد العمالي ودوره الوطني. (انظر كتابه، أحاديث وسير، 2010م). ولقد كان للبحارنة نفسه دور مهم في تكوين اتحاد العمال والعمل في البحرين العام 1955 وأسندت إليه الأمانة العامة للاتحاد وقام بتمثيله في القضايا والمنازعات العمالية.

إن الأستاذ تقي محمد البحارنة، هو نتاج حضارة عربية خالصة جمعت بين قطرين عربيين، فالأب بحريني والأم نجفية من العراق، وربما شكلت هذه الأرومة باعثاً لترسيخ وعي قومي استمد عنفوانه من هذا المزيج العائلي الرائع، ضاعفه اقتران الأستاذ بكريمة الشيخ عبدالحسين الحلي (1883 - 1956) التي كانت لها أيادٍ بيضاء في مسيرة العمل النسائي في البحرين.

لقد أحب البحارنة البحرين بصدق، ووهبها من عمره الكثير، وفي الكثير من أشعاره المبثوثة في دواوينه «بنات الشعر، 1996» و «في خاطري يبكي الحنين، 2003»، و «من يضيء السراج، 2009»، تعابير وألفاظ دالة على مبلغ هذا الكلف والحب. يقول:

حتى إذا هاج الحنين بخاطري وبكى طويلا

بادرت ياوطني إليك فلم تكن عني بخيلا

ونهلت حبك مورداً عذباً وماءً سلسبيلا

وليس تكريم جمعية تاريخ وآثار البحرين للشاعر والأديب البحارنة هو الأول؛ فقد سبق أن كرمته وزارة الإعلام ضمن مشروع رواد الصحافة البحرينية وأصدرت عنه كتاب «تقي البحرانة عنفوان الكتابة، 2007» وضعه الكاتب خالد البسام، كما أقامت اللجنة الأهلية لتكريم رواد الفكر والإبداع بمملكة البحرين حفلاً تكريمياً للشاعر تقي محمد البحارنة في شهر ديسمبر/ كانون الأول 2006، وأعدّ عضو اللجنة منصور سرحان كتاباً تناول سيرة البحارنة اعتباراً من ولادته إلى دراسته والمجالات التي خاضها ومنها المجال التجاري والوطني والثقافي.

وبعد، فإن تكريم تقي محمد البحارنة تمنحنا ثقة - يسعى البعض على إخماد جذوتها في النفوس بلا هوادة - بأن شعب البحرين شارك بجلاء ويشارك بكل أطيافه في نهضة وطنه ومجتمعه.

التكريم هو احتفاء بالثقافة والأدب والتاريخ، هو احتفاء بالوطن عبر احترام مبدعيه وطاقاته الخلاقة في ضجيج الإعلام المزوّر، ودعوات كراهية بغيضة، وثقافة شوهاء يراد لها أن تسود وتقود.

إقرأ أيضا لـ "وسام السبع"

العدد 3520 - الخميس 26 أبريل 2012م الموافق 05 جمادى الآخرة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 2:30 ص

      تكريم يستحقه

      أنا من مشجعى تكريم الأدباء و المفكرين و الكتاب و الفنانين و الأطباء و المهندسين و كل الحرفيين فى حياتهم.لا أحب أن أسمع المديح و القصائد الرنانة و المبدع فى ذمة الله. يجب أن تكرموا السيد تقى البحارنة و كل الآخرين و هم بيننا. كما تفعلون كل يوم على صفحات صحفكم للذين يغنون أو يرقصون أو يمثلون. أعلم بأن هذا الطلب سوف لا يلبى. لأن القوى المنتفعة لا تريد مشاهدة جولات و صولات اصحاب الفكر و الإبداع منذ فجر الخليقة و حتى الآن.

اقرأ ايضاً