العدد 3533 - الأربعاء 09 مايو 2012م الموافق 18 جمادى الآخرة 1433هـ

عظماء بلا ملاعق من ذهب

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

عِصَامِيٌّ وعِظامِي. هما نعتان لحالتين. فالعِصَامِيّ، يُنعَت بها مَنْ يَبني مجده العلمي وحياته الخاصة باقتداره الذاتي، ودون إعانة من بشر. وأصل اللفظ، مأخوذ من اسم عِصامٍ بن شَهْبَر الجَرْمِيّ، حاجِب النُّعمان بن المُنْذِر، الذي يُضرَب به المثل في اعتماده على نفسه، حتى صار له شأوٌ كبير، فقال فيه النابغة الذبياني وابن سهل الأندلسي والبحتري ما قالوه من شعر ومديح. أما العِظامي، فتقال للذي يتكأ على اسم آبائه وأجداده وثروتهم، وعظامهم النخِرَة، في نيل المجد والرفعة والمكانة الاجتماعية. فكانت المأثرة للأولى، والمنقصة والمذمَّة للثانية.

وإذا ما قاربنا هذين النعتين على أحوالنا، سنرى أن لهما مصاديق كثيرة على واقعنا. فهناك من الناس، مَنْ قاد مجده ومكانته في عمله أو تجارته من تعبه وعرق جبينه، لبِنَة بعد أخرى، دون أن يستند في ذلك على أحد. لا على أصحاب الذوات وعِليَّة القوم، ولا على ثروات كنزها أو ورثها عن آبائه. يقابل ذلك أن هناك أفرادًا عاشوا النقيض مع ذلك الحال. فتراهم يتبوأون مراتب عليا في أعمالهم، وبين الناس، يملكون الأمر والنهي فيها وفيهم، وينامون على الوثير، ويلبسون الحرير، دون أن يضربوا في الأرض قدمًا، أو يرموا سهمًا، ولم يعانقوا الشمس لا بصدورهم ولا بجباههم، حتى لترى جلودهم ملساء طريَّة، لم تقطعها سنوات عجاف.

عندما أتفكر في هكذا تصنيف، أتذكر ما قاله الفيلسوف الإنجليزي البارع جون ستيوارت ميل، من أن «الحياة بالنسبة لمن حاربوا وخاطروا بكل شيء لها نكهة خاصة يستحيل على من يتمتعون بالحماية أن يشعروا بها». إنها فعلاً كلمة وازنة. لقد أصبحت حياة التقشف الأولى للقادة والزعماء، والتي كانوا فيها فقراء بؤساء، يعملون في النهار، ويتعلمون في الليل، إحدى أهم المعالم والإضاءات، التي يتفاخرون بها، كونها الحال النقيض، لحياة الدِّعَة والراحة، إلاَّ أنهم تغلبوا على تلك الظروف الشاقة ببراعة وصبر، وكأنهم ينتفون الوبر عن قشرة البيض، فنهضوا ماديًا وعلميًا واجتماعيًا، وأنهضوا معهم عوائلهم الفقيرة المتواضعة.

انظروا إلى القادة السياسيين الكبار، والفلاسفة العظام، عندما يتحدثون عن أنفسهم، فإنهم يشيرون دائمًا إلى معاناتهم الأولى، ويفتخرون، أنهم كانوا على ذلك الحال المعيشي الصعب، وكيف أنهم نشأوا وسط عوائل مُعدَمة؛ فهُم يودّون أن يقولوا للجميع أنهم لم يعتمدوا على وسائط عائلية، أو اجتماعية، لكي ينالوا من خلالها ما نالوه من مكانة، حيث هم اليوم، أساطين في العلم، وأرقامًا في التجارة، ورموزًا في السياسة، ووجوهًا بين أقوامهم.

العالِم الكبير جان جاك روسو، صاحب كتاب العقد الاجتماعى ولِدَ في عائلة معوزة، وعاش فقيرًا، فأبوه كان عامل ساعات لا أكثر، لكن روسو أصبح أحد أهم فلاسفة القرن الثامن عشر، ومُنظِّر عصر التنوير، الذي مهَّد لقيام النهضة الأوروبية. وعالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي أوغست كونت، مؤسس الفلسفة الوضعية، هو أيضًا كان فقيرًا لم يسنده أحد، لكنه صار سلطانًا في العلم. وفيلسوف التصوف، أبوحيان التوحيدي، عاش فقيرًا ويتيمًا، ومكروهًا من سلاطين زمانه، لكن ذلك لم يكن حائلاً في أن يكون ألمع فلاسفة عصره، فكتب لنا أسفاره: البصائر والذخائر، وأخلاق الوزيرين، والهوامل والشوامل، والإشارات الإلهية.

هل يعتقد أحدنا، أن أنغيلا ميركل، المستشارة الألمانية الحالية، والتي وَسَمَتها الفورن بوليسي بأقوى امرأة في العام 2008 قد وُلِدَت، وفي فمها ملعقة من ذهب؟ لا... لقد كانت هذه المرأة، تعمل نادلة في حانة ليلية، عندما كانت تدرس الفيزياء، بجامعة كارل ماركس في ألمانيا الشرقية. وهل نتصوَّر أن الرئيس البوليفي خوان إيفو موراليس، قد كان يُرعَى من قِبَل مُربِّية، جُلِبَت له خصيصًا من فنلندا، كونه ابن عائلة أرستقراطية؟ لا... فقد كان ابنًا لعائلة تعمل بالزراعة في أورينوكا، أخذه والده معه وهو صغير، ليعمل معه في حقول قصب السكر في الشمال الأرجنتيني، وبيع الحيوانات في كوشابامبا، لكنه اليوم، رئيس لدولة هي الخامسة مساحةً في أميركا اللاتينية، ويسود على أناس، تزيد نفوسهم على السبعة ملايين إنسان.

وربما كانت هذه النماذج في الحياة، رسائل للجميع... فأبناء الذوات والجاه، ليسوا بأفضل الناس. وأبناء الفقراء والبؤساء، ليسوا بأدنى الناس. وأن الأنساب والألقاب والجدوديّة، لا تمنح صكوكًا للرفعة ولا للمنزلة، ولا بدونها يكون المرء وضيعًا. وأن الفضائل مشاع في الثريا لمن هو أحق بها، حتى ولو كان مِنْ بطن أمَة أو جارية أو من نسل عبدٍ مملوك. وأن المكانة، ما هي إلاَّ فرع، وأن صاحبها هو الأصل، ما دام فردًا مودودًا، حميدًا، عظيم الحلم، فاضل السلم، رفيع العِماد واري الزناد منير الحريم سليم الأديم عظيم الرماد قريب البيت من الناد، حسب تعبير عجوز الأوس والسعدي في حديثها عن الأحنف بن قيس.

وقد أثبتت التجارب، أن هؤلاء العصاميين، الذين بنوا مجدهم بأنفسهم، هم الأجدى بالريادة، لأنهم خبِروا الحياة كما يجب، وعرفوا صعوباتها وتحدياتها، وبالتالي يهُوْنُ أمامهم كل مصاب جلل. كما أنهم لم يحرقوا مراحل حياتهم بتجاربها، ويقفزوا إلى حيث هم بلا داعٍ أو مسوِّغ علمي أو عملي، أو دون أن يُمَحَّصُوا في بلاءات، وانشغالات الحياة. وهم بذلك، يُراكمون تجارب عملية، فكان لهم حظ الاثنين، حظ الرواية والدراية معًا. وقد نالولها بجدارة، ووحدانية، وعصاميَّة، وكأنني أسمع كثيرًا يقول: أبَا مَرْوَانَ لَسْتَ بِخَارِجِيٍّ... وَلَيْسَ قَدِيمُ مَجْدِكَ بِانْتِحَالِ.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 3533 - الأربعاء 09 مايو 2012م الموافق 18 جمادى الآخرة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 11:05 ص

      اهمية هذه الثقافة

      نحتاج لهذا النوع من الثقافة ، شكرا جزيلا لهذا العطاء منك

اقرأ ايضاً