العدد 3807 - الخميس 07 فبراير 2013م الموافق 26 ربيع الاول 1434هـ

محمد جابر الأنصاري ومفهوم الدولة المدنية (4)

محمد نعمان جلال comments [at] alwasatnews.com

سفير مصر الأسبق في الصين

لقد حوّلنا الإسلام إلى تجارة ويافطة وشعار «الإسلام هو الحل» دون مضمون حقيقي.

إن مشاكل الاقتصاد عند نشأة الإسلام تختلف عن حالة الاقتصاد اليوم، لقد طوّر عمر بن الخطاب أسلوب توزيع الفيء وأوجد له قواعد اتسمت بالشفافية، كما أوقف حكم النص الخاص بالمؤلفة قلوبهم لتغيّر وضع الإسلام والمسلمين كما قال. ثم قام بإنشاء الدواوين في عصره، حيث استفاد من تجارب الفرس والروم دون أية حساسيات، ولكنه لم ينشئ صناعة، لأن الجزيرة العربية عرفت التجارة والغنائم والحروب، ولم تعرف الثورة الصناعية ولا الثورة المعرفية، وليس ذلك عيب الدين أو المسلمين الأوائل، لأن هذه مرتبطة بالزمن، ولكنه عيب المسلمين المعاصرين الذين أعطوا عقولهم إجازةً مفتوحةً، وسعوا لاستنساخ القرن الهجري الأول، بل العقود الأولى من نشأة الإسلام، ونسوا تماماً كيف حدث التغيير وتحوّلت الخلافة إلى ملك عضوض بعد سنوات قلائل من انتقال الرسول للرفيق الأعلى.

لقد تناسى المسلمون أن البشر يتسمون بسمتين هما: التغير والتحول من ناحية والأنانية والطموح من ناحية أخرى. لقد قتل قابيل أخاه هابيل وتركه في العراء حتى جاء غراب لديه معرفة فأراه كيف يواري سوأة أخيه «فَطَوَّعَتْ لهُ نفسُهُ قَتلَ أَخيهِ فَقتلهُ فأَصْبحَ من الخاسرِينَ فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبحثُ في الأَرضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ» (المائدة، 30-31). لقد قتل بنو إسرائيل الأنبياء، كما قتل المسلمون معظم الخلفاء الراشدين، واتبع الولاة والحكام نهج الاستبداد بعد عصر الخلفاء الأربعة الراشدين، كما اعتقد البعض ان الحكم في الإسلام هو حكم وراثي، وأن السلطة والعلم وراثة، ولم يتأملوا قول الله لنوح (ع) عندما حاجه في ابنه «إِنَّهُ لَيسَ مِنْ أَهلِكَ إِنَّهُ عملٌ غيرُ صالِحٍ فلا تَسأَلْنِ ما ليسَ لَك بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تكون من الجاهلينَ» (هود، 46). وانظر رد الله على إبراهيم (ع) عندما حاجه في أبيه أو في لوط وقومه «فلما ذهب عن إِبراهيمَ الرَّوْعُ وجاءتهُ البُشرى يُجادلُنا في قَومِ لُوطٍ» (هود، 74). ونسوا جدال المسلمين والمشركين مع الرسول الكريم، ومع خلفائهم الأربعة وحولوا العلماء إلى شخصيات مقدسة لا يحق جدالهم، بل أحياناً لهم قدسية تسمو على مكانة الأنبياء.

لقد جادل إبليس الله وسجّل القرآن ذلك، كما جادل إبراهيم الله في قضية الخلق وإحياء الموتى «وإذْ قال إِبراهيمُ ربِّ أَرني كيف تُحْيي الموتى قال أَوَلَمْ تؤمن قال بلى ولكِن لِّيطمئِنَّ قلبي قال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إِليك ثُمَّ اجعلْ على كُلِّ جبلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يأْتِينكَ سَعْياً وَاعلَمْ أَنَّ الله عزيزٌ حكيم» (البقرة، 260) وسجّل القرآن ذلك.

كما وجه المشركون للنبي - كغيره من الأنبياء - أفظع الشتائم وأقسى الاتهامات، وقالوا عنه ساحر ومجنون، ويوحي إليه الشيطان، وينقل من كتب الأقدمين، وقالوا عن القرآن انه أساطير الأولين وغير ذلك. وسجل القرآن ذلك ولم يحرّف ما قالوا، ولم يحرف الصحابة تلك الآيات، بل حافظوا عليها، فهي تراث البشرية والتطور في الفكر الديني، وردود فعل البشر على دعوة الأنبياء، وهذا دلالة على منهج التفكير السليم، ومنهج الجدال والنقاش الصحيح، ونحن اليوم نجد المسلمين أقل تسامحاً وأكثر تعصباً من المسلمين الأوائل رغم محدودية المعارف لديهم آنذاك، مقارنةً بما توصل إليه العلم الحديث.

إن بعض رجال الدين يحاكمون النصوص الأدبية ويتهمون أصحابها بالخروج على الدين، غير مدركين الفارق بين النص الأدبي الذي يعبّر عن خيال وبين النصوص العلمية، كما يحاكمون بعض النصوص العلمية غير مدركين أن ذلك له قوانين وضعها الله سبحانه وتعالى، ويدركها العلماء الذين يبحثون كلٌّ في مجاله ولا يدركها علماء الدين لأنهم غير متخصصين في ذلك. ومن هنا تقدمت العلوم البحتة والعلوم الاجتماعية في دول العالم الأخرى وظلّ الفكر والعلم في بلاد المسلمين عالةً على فكر وعلم الدول غير الإسلامية. وهذه قمة التخلف وخروج على دعوة الإسلام الدائمة للبحث عن العلم والمعرفة. (يتبع)

إقرأ أيضا لـ "محمد نعمان جلال"

العدد 3807 - الخميس 07 فبراير 2013م الموافق 26 ربيع الاول 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 10:22 م

      المثقف والدفاع عن الدولة المدنية

      ومأزق المثقف العربي هو الإختلاف الكبير بين ما يؤمن به فكرا وبين خياراته في الواقع وخصوصا عندما تنتظر منه كلمة رجل حكيم في موقع يجب عليه تقديم النصيحة لكنك تفتقدها . لا بل تجده أحيانا يثني على الظلم والواقع المتخلف الذي ينكره على المسلمين في كتبه.

اقرأ ايضاً