العدد 4004 - الجمعة 23 أغسطس 2013م الموافق 16 شوال 1434هـ

الأزمة المصرية بين نكبة الإخوان و الأميركان (2)

محمد نعمان جلال comments [at] alwasatnews.com

سفير مصر الأسبق في الصين

 ألا يكفي تظاهر 33 مليون مواطن مصري لثلاث مرات في شهر واحد ضد محمد مرسي لسحب شرعيته من وجهة نظر جماعته ومن وجهة نظر الدول الغربية؟ وماذا عن استقالة نيكسون لأن بعض أنصاره تجسّسوا على مركز حملة منافسه؟ أليست هذه الديمقراطية التي يتحدثون عنها؟ هل في الديمقراطية في أية دولة من يعلن أنه ما لم يفز تصبح الانتخابات مزوّرة وسيحرق بلاده؟ وكذلك فعل حزبه وأعلن أحد كبار أعوانه وأنصاره أنه من يرشّ عليه الماء سوف يرشونه بالدم. وأعلن أحد قادة الجماعة أنه يتمنى أن يكون إسماعيل هنية رئيس وزراء مصر، وأعلن هذا ترديداً للمقولة المشهورة عن وعد بلفور «أعطى ما لا يملك وعداً لمن لا يستحق». ولكن الحمد لله، الشعب المصري والجيش المصري كان لهم بالمرصاد، فألقاهم في غياهب الجب.

ومرشد سابق آخر قال «طز في مصر»، وأنه ليس لديه مانع أن يتولى ماليزي مسلم حكم مصر بدلاً من قبطي مصري. إذن بعد كل هذا أين الشرعية؟ وأين الديمقراطية؟ في حكم جماعة لا تؤمن بوطنها وشعبها وحكم رئيس انتخبه الشعب، ولكنه كان تابعاً لمرشد لم ينتخبه الشعب؟ وأين الإيمان بالوطن الذي حض عليه الإسلام وحرص عليه الرسول الكريم في تأثره البالغ عندما هاجر من مكة قائلاً مخاطباً إياها: «والله إنك لأحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت».
ولكن الشعب المصري الواعي هو الذي ردّ الأمر إلى نصابه بحركة تمرد الشبابية الرائدة، والتي تعبر عن تاريخ العمل السياسي المصري في ثورة 1919 التي جمعت المصريين جميعاً مسلمين وأقباطاً، متدينين وغير متدينين، تحت شعار «الوطن للجميع والدين لله».
إن الإسلام الحق هو ما جاء به محمد بن عبد الله في القرآن الكريم، وليس أقوال هذا المرشد أو ذاك الفقيه أو الداعية الذين أساءوا للإسلام، وكفّروا المسلمين، وامتهنوا حقوق غير المسلمين، رغم صحيفة المدينة التي تكلّمت عن المساواة والعدالة بين المسلمين واليهود والنصارى والمشركين من سكان المدينة المنورة آنذاك، ووصفتهم بأنهم أمة واحدة لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم؟
ورغم عدالة الخلفاء الراشدين، ورغم زهد الفقهاء أمثال الإمام جعفر الصادق والإمام أبي حنيفة النعمان في تولي المناصب، لم يتول أيٌّ من الفقهاء ذوي المكانة مناصب سياسية، بل كثير منهم رفض تولي منصب القضاء، وقصارى دورهم هو الإفتاء، ومن يملك الإفتاء هم الذين درسوا وفهموا أسراره ومعانيه، وليس طبيب أطفال أو أمراض جلدية، أو طبيباً بيطرياً أو مدرس تربية رياضية أو طبيب تخدير وغيرهم. إن هؤلاء يمكن أن يكونوا أتقياء ورعين عند الله، ولكنهم لا يمكن أن يكونوا حكاماً ولا يمكن أن يكونوا فقهاء، فلكلٍّ تخصصه، ولذلك قال القرآن الكريم «فلولا نَفَرَ من كلِّ فِرقَةٍ منهم طائفةٌ ليتفقَّهوا في الدِّينِ ولِيُنذِروا قومَهم إذا رجعوا إَِليهم لعلّهم يَحْذَرُونَ» (التوبة، 122). ولم يقل ليحكموا الدولة، أو ليقودوا الجيوش. وفي قصة بني إسرائيل في سورة البقرة في الآيات من 216 وما بعدها، يحدّد الأدوار في المجتمع بقوله تعالى «ألم ترَ إلى الملإِ من بني إِسرائيلَ من بعد موسىٰ إِذْ قالوا لنبيٍّ لهُم ابْعَثْ لنا ملِكًا نقاتلْ في سبيِلِ اللّه. قَال هل عسيتم إِنْ كُتِبَ عليكم القتَالُ أَلا تقَاتلُوا. قالوا وما لنا أَلا نُقَاتل في سبيلِ اللهِ وقد أُخرِجنا من ديارِنا وأَبنائِنا. فلما كُتِبَ عليهِمُ القتالُ تَولَّوا إِلا قليلاً منهم واللهُ عليمٌ بالظالمينَ. وقَال لهم نبيُّهُم إِنَّ الهَا قَد بعث لكُم طَالوتَ مَلِكًا قالوا أَنَّىٰ يكون له المُلْكُ علينا ونحنُ أَحقُّ بالمُلْكِ منهُ ولمْ يُؤْتَ سَعَةً من المالِ. قال إِنَّ اللهَ اصطفاهُ عليكم وزادهُ بَسْطَةً في العِلمِ والجسمِ واللهُ يُؤتي مُلْكَهُ من يشاءُ واللهُ واسعٌ عليمٌ» (البقرة،٢٤٧﴾.
إذاً المعايير في الحكم والعمل السياسي غير معايير الدين، فالنبي لم يطلب منه أن يكون حاكماً أو قائداً للجيوش ولكن هذه مهام لها صفات ومواصفات أخرى. فالإنسان المتدين التقى الورع ليس بالضرورة هو حاكم ممتاز أو قائد عسكري ناجح. والسلطة السياسية ليست من مهام وأعمال النبوة، ولكن محدثي الثقافة الدينية تحوّلوا إلى فقهاء فضائيات، وكأن علوم الدين أصبحت مشاعاً للإفتاء بغير علم ولا كتاب منير.
إن كثيراً ممن يتصدون للدعوة في هذا العصر هم طلاب سياسة وحكم وسلطة ومال، وليسوا طلاب دين وتقى، ولذلك أصبحوا يملكون الملايين في حين الأنبياء في القرآن ومنهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، قالوا لا أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على الله، في حين قال أحد محدثي التدين وكان متطلّعاً للرئاسة سوف أشعل مصر ناراً وأحرقها، وطبّقوا على وطنهم سياسة الأرض المحروقة، كما لو كانت دولة معادية وهو ما تجلى في يوم الجمعة 16 أغسطس/آب وما بعده من أيام.
إن الديمقراطية الحقة عندما يتماهى الجيش مع إرادة الشعب الذي خرج دفاعاً عن إرادته ووطنه ومؤسساته الدستورية وليس عن رئيس حنث بالقسم ودمّر المؤسسات القائمة مثل المحكمة الدستورية والقضاء وغيرها من مؤسسات الدولة لمصلحة حزبه، وهل فعل ذلك أي رئيس في دولة ديمقراطية أو نصف ديمقراطية؟ فليقرأ دعاة الديمقراطية تاريخ مصر واستجابة جيشها لنبض الشعب منذ ثورة أحمد عرابي إلى ثورة عبد الناصر إلى ثورة شعب مصر التي ساندها الجيش الوطني بقيادة عبد الفتاح السيسي، وأيّدتها الشرطة الوطنية أيضاً والقضاء وغيرها من مؤسسات الدولة.
إننا ندعو دعاة الديمقراطية والشرعية لإعادة قراءة تاريخهم وإعادة قراءة تاريخ مصر وغيرها من الدول النامية، واحترام مبادئ الشرعية وميثاق الأمم المتحدة في حق الشعوب في تقرير مصيرها دون تدخل من القوى الكبرى. لقد مضى عهد الإتيان بالحكام بإرادة الأجنبي وعلى ظهور دباباته، كما حدث في بلاد أخرى حتى سنين قريبة. ولمعتنقي الديمقراطية الجديدة في شرق أوروبا وبعض الدول الشرق أوسطية نقول: لقد أطاح الشعب وجيشه بالملك فاروق ولكنه قدّم له التحية عند مغادرة أرض مصر، كما أطاح بحسني مبارك وقدّمه لمحاكمة عادلة، وأطاح بمحمد مرسي ويقدّم لمحاكمة عادلة. وعليهم أن يتذكروا ما فعلوا بشاوشيسكو وشاه إيران والأسرة الحاكمة في العراق العام 1958 وصدام حسين ومعمر القذافي والحكومات المتعاقبة في تركيا التي تسعى لإعادة السلطنة العثمانية.
إننا لا نريد احتلالاً عثمانياً جديداً باسم الإسلام العثماني، ولا باسم الديمقراطية الغربية. إن شعب مصر المتحضر عامل حكامه باحترام ووفقاً للقانون، وليس كما فعل آخرون بالقتل وتحويل بلادهم لأرض محروقة، أو مثل من نسوا أوطانهم فريسة وتشاجروا مع إخوانهم في الوطن ونسوا أرضهم المحتلة.

إقرأ أيضا لـ "محمد نعمان جلال"

العدد 4004 - الجمعة 23 أغسطس 2013م الموافق 16 شوال 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 10:29 ص

      الاخوان هم أكبر العملاء ........ كيف تحملهم شعب مصر لسنة كاملة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

      للاسف مصر اليوم في المرمى الامريكي.
      الامريكان يحتون مصر من كل مكان ... إدا الاخوان هم في قبضة الامريكان والخاسر الاكبر هم الشعب المصري.

    • زائر 1 | 7:53 ص

      نفس أمارة

      يقال لكل حصان كبوة كما قيل عن النكسه أو النكبة عندما حدثت أيام جمال عبد الناصر رحمه الله. لم تكن خيانة من إسرائيل في العدوان الثلاثي لكن كانت من من كان جمال عبد الناصرشاد بهم الظهر لكن كما جرت العادة. واحد مندس أو منخش كما يقولها أهل البحرين أو مترصد ومقابل حفنة من المال باع ضميره الانساني وحال فلسطين كما تشاهد وتعرف وأنت أكثر العارفين بالحاله. ليس عيبا في مصر ولا عيبا في أهلها لكن من الناس من سولت له نفسه ببيع مصر كلها. من تحاسب أي نفس؟

اقرأ ايضاً