العدد 4364 - الإثنين 18 أغسطس 2014م الموافق 22 شوال 1435هـ

التعددية هي مصدر القوة!

محمد علي الهرفي comments [at] alwasatnews.com

كاتب سعودي

نقرأ في القرآن الكريم قول الله عز وجل: «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» (يونس:99). كما نقرأ أيضاً قوله تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة» (هود:118). وهناك آيات أخرى وردت في هذا المعنى، فالله سبحانه كان قادراً على جعل جميع خلقه يؤمنون بدين واحد أو مذهب واحد أو فكر سياسي واحد، ولكن إرادته اقتضت تبيين الحق لكل الناس، ثم ترك لهم حرية اختيار ما يريدونه لأنفسهم بكامل إرادتهم وهم محاسبون على هذا الاختيار.

هذه القاعدة هي التي أوجدت التعددية في سائر المجتمعات البشرية، فهناك تعددية في الأديان، وهناك تعددية في المذاهب بين أبناء الدين الواحد، كما أن هناك تعددية فكرية وسياسية وهي التي تقود أصحابها إلى طريقة إدارة بلادهم وطريقة التعامل مع شعوبهم وشعوب الأمم الأخرى.

هذه التعددية وُجدت مع أول دولة إسلامية وهي دولة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فقد تجاور في المدينة المسلمون مع اليهود، كما أن نصارى نجران دخلوا ضمن الدولة الإسلامية الوليدة. ويحدثنا التاريخ كيف أن رسولنا الكريم كان يتعامل بالحسنى مع أتباع الديانات الأخرى؛ فقد سمح لوفد نصارى نجران بالصلاة في مسجده، كما كان يتصدّق على فقراء اليهود، ومعروف أنه (ص) قام واقفاً لجنازة مرّت به، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفساً؟ وعندما توفيت أم الحارث بنت أبي ربيعة وهي نصرانية شيّعها صحابته الكرام.

أما الدولة الإسلامية بعد عهد الرسول الكريم فقد ضمت كل الأطياف وكل أصحاب الملل والنحل الصالح منها والفاسد، وقد تمتعوا في ظل هذه الدولة بكامل حرياتهم، ولولا هذه الحريات لما بقى النصارى واليهود في معظم البلاد التي حكمها المسلمون إلى اليوم، ولولا هذه الحريات أيضاً لما بقي الهندوس في الهند وقد حكمها المسلمون عدة قرون، وكذلك غيرها من الديانات والملل الأخرى، وكل ذلك يؤكّد احترام المسلمين للحريات الدينية للآخرين وعدم إجبارهم على اعتناق الإسلام.

أدرك المسلمون في وقت مبكر من تاريخهم أن الاختلاف - مهما كان نوعه - يجب أن يُوظف لخدمة الدولة وبناء حضارتها وصناعة مستقبلها، كما فهموا أيضاً أن تحقيق مصالحهم المشتركة لا يمكن أن تتحقق ما لم يتعاون كل أفراد المجتمع مهما كانت انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو المذهبية، وهذا الفهم هو الذي ساعد على بناء الدولة الإسلامية في عصورها الزاهرة.

واليوم وقد أصبح حال المسلمين مؤسفاً على معظم الصعد بسبب تفرقهم واختلافهم وتصارعهم وتفشي الجهل بينهم، والأهم من هذا كله فقدانهم لمفهوم الاختلاف بينهم فبدلاً من الاستفادة من هذا الاختلاف في تحقيق تنوع حضاري وفكري يقويهم جميعا جعلوه مصدراً كبيراً للاقتتال والتفرق وإساءة بعضهم للبعض الآخر، فقدّموا للآخرين صورة مشوهة عن دينهم استغلها أعداؤهم للإساءة لهم جميعاً.

لا أريد أن أضرب مثلاً بدولة «داعش» التي دأبت على قتل المسلمين وقطع الرؤوس بطريقة همجية، وكذلك ملاحقة أصحاب الديانات الأخرى بالقتل أو الطرد من بلادهم بحجة عدم دفع الجزية! فهذه دولة إلى زوال، ولكني أنظر إلى دول أخرى عربية وإسلامية فأرى فيها صراعاً بين مكوّنات مجتمعها ما كان له أن يوجد أصلاً لو أدرك هؤلاء قيمة التسامح والعدل والوفاء بالعهد الذي جاء به الاسلام وجعله جزءًا من أساسياته. وما كان له أن يوجد لو أدرك هؤلاء وأدركت قياداتهم السياسية والفكرية أن هذا الصراع قد يودي بهم جميعاً وقد كان بإمكانهم أن يجعلوه مصدر قوة وعزة لهم جميعاً.

هناك صراع بين السنة والشيعة في العراق وفي البحرين وفي لبنان، ونراه وإن كان بشكل أقل في الكويت والسعودية وباكستان، وتختلف الأسباب المعلنة بين هذه الدولة أو تلك، وبغض النظر عن كل ما يقال فإن تحقيق العدالة بين الجميع أمر ممكن بل ولابد منه. قد يقال إن الشعوب هي المسئولة عمّا يحدث، وقد يقال إن الدول هي المسئولة، ولكني أعتقد أن الطرفين يشتركان في المسئولية، وأعتقد أن هذا الصراع المقيت يجب أن يزول إذ لا مصلحة فيه إلا لأعداء المسلمين، وهنا تبرز مسئولية الدول أولاً وثانياً وأخيراً.

وفي بعض بلادنا صراع من نوع آخر؛ فهناك صراع مقيت بين أصحاب التيارات الفكرية المنتمية لمذهب واحد، وخذ على سبيل المثال ما نقرأه ونسمعه عن الصراع بين الاخوان المسلمين والسلفيين، الجهاديين والحركيين، وكذلك الصحويين والحركيين منهم. شخصياً لا أعرف معنى هذين المصطلحين حتى الآن فكل واحد يتحرك ويقف ويصحو وينام، هذا بالإضافة إلى التبليغيين والصوفية والوهابية والقبوريين والتحريريين إلى آخر القائمة وهي طويلة، ثم يأتي في القائمة الليبراليون والعلمانيون ومن على شاكلتهم.

ولنا أن نتخيل كيف سيكون وضع المجتمع الذي يعيش فيه كل هؤلاء في ظل الصراع القائم بينهم؟ بعض هؤلاء وقف إلى جانب الصهاينة ضد المسلمين في غزة، وكان الفرح عنوانهم كلما ازداد القتل بين الغزاويين! وبعض هؤلاء وقف إلى جانب الصهاينة ضد حزب الله الذي قاتل الصهاينة العام 2006! وقد تناسى هؤلاء أن الصهاينة هم من احتل فلسطين وهم من شرّد وقتل أهلها، وتذكروا فقط خلافهم مع الشيعة أو الاخوان، وكأن آلاف القتلى والجرحى هم ممن يحملون حقداً أعمى عليهم!

ونرى صراعاً في مصر وفي العراق وفي لبنان بين مكونات مجتمعاتهم مات بسببه الكثيرون، وأجّج أحقاداً قد يصعب زوالها. وكل ذلك فتح طريقاً لأعداء الأمة دخلوا معه لإضعافها من جهة، وتحقيق مكاسب لهم على حسابها من جهة أخرى!

الخلاف هو الوضع الطبيعي لكل المجتمعات البشرية، وكان الأجدر بمجتمعاتنا الإسلامية التي أعطى دينها للخلاف مساحةً واسعةً أن تستفيد منه في تطوير ذاتها، ولكنها للأسف حوّلته إلى اختلاف مقيت فتك بها وأضعفها. هذا الاختلاف إذا لم نجعله قوةً لنا سيتحوّل إلى خنجرٍ في ظهورنا، وستنشأ بسببه تيارات عنف وإرهاب كما ستوجد جماعات تكفر بكل القيم والأعراف الإنسانية، وسترتد إلى مجتمعاتها تفتك فيه وبكل الطرق المتاحة لها.

مازالت الفرص متاحةً لترميم النفوس وتقليل الأحقاد ولم الشمل بين كل طوائف الأمة التي وصفها خالقها بأنها «أمة واحدة»، فهل تطيع ربها وتصبح واحدة؟

إقرأ أيضا لـ "محمد علي الهرفي"

العدد 4364 - الإثنين 18 أغسطس 2014م الموافق 22 شوال 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 6 | 12:20 ص

      قل هذا الكلام لجماعتك الذين شرّعوا اكراه الناس على مذهبهم

      لا يوجد في العالم من يكفّر الناس ويكرههم بل ويقتلهم بل ويذبحهم ذبح النعاج الا جماعة خرجت من رحم مذهب معين وهو الذي عمل على تكفير كل من خالفه ولم يؤمن بالتعددية قط. فإن كنت كاتبا شيئا من هذا الكلام فاكتبه واوصله لمن غرّروا بشبابكم وجعلوهم قادة للإرهاب وسفك الدماء، هناك حيث يمكن هذا الفكر يجب محاربته

    • زائر 5 | 12:00 ص

      الاختلاف نعمه

      مقال جميل ، وتوصيف الوضع وقرنه بالدلائل ، جميل،، اتصف بالحياديه ،، لكني اتسائل اليس من الاولي بعد تبيان ان المسئوليه الاولي تقع علي الدوله وتسميه الاشياء باسمائه ،،بنقدا الفاعل لهذه الاموار وتجنب النقد المبطن وتوجيه التهمه مباشره اليه ،،،،

    • زائر 4 | 11:05 م

      لدينا كل القيم

      حضارتنا عميقة و غنية. اما وعينا ضيق و جاهل. كل هذا الماضي و القيم للتغني و التباهي. اما الفعل مفقود. امة تستحق الرثاء.

    • زائر 3 | 11:03 م

      ما زال الوقت متاحا للترميم

      نتمنى من المعارضة والموالاة ومن في الحكومة التوافق على جعل بالمواطن واحتياجاته من العدل والمساواة والابتعاد عن الطائفية في الابتعاث والوظيفة والخدمات في كل شيئ أساسا لبناء الوطن بدلا من القمع والتهميش والتمييز
      أنني على ثقة بأن القيادة والعائلة الحاكمة لهي احن على شعبها فالطيبة هي ما تألقه والصدر ال حب لكل المواطنين تسعها

    • زائر 2 | 10:59 م

      مازالت الفرص متاحة لترميم النفوس

      أعتقد لو أن المعارضة في البحرين مند اللحظة الأولى رفعت شعار الإصلاح كان أفضل لها من خيار التقسيط
      وباعتقادي أن الوقت مازال متاحا حيث أن الشعب يتمنى حصول على وظيفة ومسكن وماوى بالكرامة وليست بالمنة وهده هي الكرامة والحرية والعدالة
      ما الفائدة من حكومة منتخبة لا تلبي احتياجات المواطنين
      لترفع شعار الإصلاح والمصالحة كما في سوريا

    • زائر 1 | 10:55 م

      كاتبنا المحترم ذكرت البحرين

      ياعزيزي الدولة هي في وسائل إعلامها سوت حملة على مكون واحد روافض خونة أبناء متعة مجوس اما آليات جيشها هدمت المساجد وكتبوا على الجدران أين مهديكم .

اقرأ ايضاً