العدد 4387 - الأربعاء 10 سبتمبر 2014م الموافق 16 ذي القعدة 1435هـ

من قال إن الأخطاء لا تُعلِّم؟

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

ثمة مشكلات ثلاث لدى بعض الذين يتصدَّون لشئون الأمة، من بين مجموعة منها، من العصيّ رصدها والوقوف عليها جميعاً؛ لكن المشكلات الثلاث تلك تتفرّع عنها عشرات؛ إن لم تكن مئات.

أوَّلها، عدم التعلُّم من الماضي الذي كثيراً ما يلعنون جزءاً كبيراً منه، وينسوْن أنهم سيكونون يوماً جزءاً من ذلك الماضي، بتكرارهم المشكلات نفسها؛ بل وتراكمها، والإتيان بما لم يأتِ به الأوَّلون!

ثانيها، أن الحاضر الذي يتحكّمون فيه يُعاد إنتاجه في كثير من صوره وملامحه من ذلك الماضي البائس. الماضي الذي كثيراً ما يلعنون جزءاً كبيراً منه!

ثالثها، شطْب المستقبل! إذ لا يحتاج الأمر إلى عمليات حسابية أو قواعد منطقية كي نُثبت هنا أن: النتائج الخاطئة هي حصيلة مقدِّمات خاطئة.

في تنويع النظر للمشكلات الثلاث، نقف بشكل عكسي على: الحديث عن المستقبل (في حدود الحديث فقط)، من دون أن تتوافر عدَّة وعتاد. لا وسائل ولا طرق ولا مقدمات يمكن أن تُوصل إلى تلك النتائج. نتائج الوصول إلى المستقبل.

الممارسة على الأرض تذهب في الاتجاه النقيض لما يشترطه المستقبل ويتطلَّبه. للمستقبل متطلّبات وشروط؛ وضمن واقع عربي مشهود، وضمن سياسات مُزمنة، كل ذلك طارد ومُسقِط لتلك المتطلَّبات والشروط.

كأنَّ الذين يُديرون الأمور، يحصرون البشر ضمن الحاضر، ومن دون الاعتماد على رؤية وخطط في حدوده. هذا التخبّط والانتكاسات في الحاضر، هي نتاج عمىً يكاد يطول كل شيء.

من قال إن الأخطاء لا تُعلِّم؟

الماضي كنز من تلك الأخطاء؛ إذا صح التعبير. لكن ما هو مدى الاستفادة منه، والوقوف على الكارثي منه لتجنّبه وتفاديه؟ للمرة الثانية أيضاً: وضمن واقع عربي مشهود، وضمن سياسات مُزمنة، كل ذلك يشير إلى حال انسجام؛ بل تواطؤ مع تلك الأخطاء والتماهي معها.

الدول الناجحة اليوم، ترى في الدول الفاشلة درساً كبيراً يجب ألاَّ يُنسى. الدول التي هي في الطريق إلى مستقبلها بثقة واستعداد، لم تكتفِ بلعن ماضيها السيء. اللعنات وحدها لا تصحِّح الأخطاء. يصحِّح الأخطاء تجنُّب وتجاوز ما وقع منها، والبناء على واقع جديد.

الموت، السقوط، الانهيار، يقدم كل ذلك دروساً كبرى. الأول ينقذ أحياناً واقعاً استوى على خرابه، ولم يعد له معنى في الحياة. يضع الموت حداً لذلك، وفيه درس، قليلون أولئك الذين يلتقطون ذلك الدرس ويهضمونه. في التاريخ سقوط وانهيارات. لم يأتِ ذلك محض مصادفة أو مزاج. جاء كنتيجة منطقية للعبث بالحياة وقيمها، وبشر تلك الحياة، وبيئة تلك الحياة، والخروج على النظم والقوانين التي تحفظ لكل أولئك طبيعة استمرارهم، وبالخروج عليها لا قيمة لتلك الطبيعة، ولا معنى لذلك الاستمرار. وفي ذلك درس قليل هو الالتفات إليه، وكأنَّه لم يكن. كأنَّه لم يكرِّر الدرس في أكثر من شاهد وموضع وزمن ومكان.

لم يعد المستقبل في القدرة على أن تحيا اليوم الذي يلي. تشاركنا في ذلك حتى البهائم، بل والأشياء أيضاً. كل يوم... سنة تمر وهي طبق الأصل لما سبقها، ولا يخلو كل ذلك من التراجع في كثير من الأحيان، فيه استنزاف للحياة وإهدار لها.

لكأنَّ العرب؛ أو بعض الذين قُدِّر لهم أن يتصدّوا لشئونهم، يتعاملون مع الزمن مثل الثروات المفاجئة التي هبطت ذات فاقة، يستنزفونها بوهْم أنها لن تنفد. وبوهم أنهم يصنعون بتلك الثروات المُعطَّلة في قدرتها، واقعاً يعصمهم من الأغيار والانقضاض على الحدود، وصُنْع المستقبل. كأنَّ المستقبل خصوصاً، بهذا المعنى، موظفٌ في البلاط، وكأنَّ الحاضر لا يدل طريقه من دون سوْقهم له، ولا ماضي يمكن أن يُعتدَّ به إلا الذي منه أتوا.

في المحصِّلة: الماضي بكل أخطائه والدرس الذي تم تجنُّبه وتحاشيه، يصنع اليوم حاضراً لم يحز المعدّل الذي يؤهِّله للانتساب إلى المستقبل!

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 4387 - الأربعاء 10 سبتمبر 2014م الموافق 16 ذي القعدة 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • المتمردة نعم | 2:44 ص

      المتمردة نعم

      الى الامام دوما .

    • زائر 1 | 1:25 ص

      المختار الثقفي

      الأستاذ جعفر... السلام عليكم
      لا أشك لحظة في أنك قد استقت هذا المقال من تلميذ النبي صلى الله عليه وآله وربيبه الإمام عليه السلام بقوله: لإمام علي (ع) :
      (من تساوى يوماه فهو مغبون، ومن كان أمسه أفضل من يومه فهو ملعون، ومن لم يرى الزيادة في دينه فهو إلى النقصان، و من كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة).

اقرأ ايضاً