العدد 4473 - الجمعة 05 ديسمبر 2014م الموافق 12 صفر 1436هـ

الشتاء قاسٍ والفقر أشد قسوةً

سوسن دهنيم Sawsan.Dahneem [at] alwasatnews.com

للشتاء طعمٌ مختلف، ولقدومه فرحةٌ يشعر بها الأطفال قبل الكبار، خصوصاً حين تغمر الغيوم السماء وينهمر المطر، فينقر نوافذ منتظريه. له رائحته الخاصة التي تجعله شهراً مدللاً بخصوصيةٍ مختلفةٍ، ربما لكونه ضيفاً خفيف الظل يمرُّ بنا سريعاً ويغادر.

للأطفال طقوسهم الخاصة خلاله، لعبهم في مياه الأمطار المتجمعة عند مداخل مدنهم وقراهم، ملاحقة الطيور التي جاءت لتستريح من عناء الهجرة الطويلة قبل معانقة أوطانها، لعبهم في الطين المتكون ببقايا الأمطار ليرسموا أحلامهم ورؤاهم وقصصهم الخاصة، إضافة إلى استمتاعهم بلبس كنزاتهم الصوفية وملابسهم ذات الأكمام الطويلة والألوان الداكنة التي تبعث الدفء في أجسادهم الصغيرة.

هل قلت دفئاً؟ ربما يجد كثير من الأطفال هذا الدفء، وتلك الكنزات الجميلة التي تحمل معها رائحة الشتاء، لكن هناك من لا يجد حتى ريحها، لا يجد ما يرتديه ليرحم جسده من قسوة البرد وخصوصاً وهو متجه في الصباح الباكر لمدرسته مشياً على الأقدام.

ليس هذا ضرب من المبالغة، ولا هو مشهد من مشاهد أفلام الكرتون أو الأفلام الأجنبية التي خرجت من كادرها بائعة الكبريت وهي تبحث في الواقع عن مشترٍ يقيها البرد، ويرحمها من قسوته، بل هو واقع ربما يعرف الكثير عنه المعلمين والمشرفين في المدارس الحكومية؛ إذ يسمعون قصصاً كثيرة حين يسألون هذا أو تلك عن سبب عدم لبسهم ما يدفئ أجسادهم النحيلة، أو حين يجدونهم من غير وجبة تسعفهم على مواصلة اليوم الدرسي.

المدارس الحكومية التي تقدم لبعض الطلاب ممن عرفت بوضعهم المادي السيء معونة كنا نطلق عليها معونة الشتاء ونحن في المرحلة الابتدائية، وكان بعضنا أكثر شقاوة حين كانوا يتهامسون على كل من ترتدي تلك الكنزة التي كانت تعطى لهن حتى يكرهن ارتداءها لشدة حرجهن، فما الضير أن تعطي المدرسة كنزات مختلفة الأشكال أو كوبونات يستطيع ولي الأمر شراء مايحبه طفله من غير أن يتعرض للحرج، برغم كون الفقر ليس عيباً أبداً وهو ما يجب أن نربي أطفالنا عليه؟

اليوم بات المجتمع أكثر وعياً، وصار الأطفال أكثر معرفة بضرورة الاهتمام بمشاعر غيرهم، وكثرت الجمعيات والمؤسسات الأهلية التي تعطي المحتاجين معونات قد تغنيهم عن مد أيديهم لغيرهم عندما تشتد بهم الحاجة، كما أن هناك من المؤسسات الأهلية ما تقوم بعمل أسواق خيرية تستقبل قِبلها التبرعات من جميع المواطنين والمقيمين بحسب رغبتهم، وهنالك الصناديق التي انتشرت في كثير من مناطق البحرين كتب عليها نوعية التبرع من ملابس وأحذية وحقائب، فما يراه بعضنا غير صالح للاستخدام قد يراه بعضنا الآخر جديداً جميلاً، وخصوصاً حين يكون سليماً بوضع جيد غير مهترئ، وهو ما عزز ترابط المجتمع وعزز حب العطاء لدى الكثير من العائلات التي ربّت أطفالها على هذا. ربما يقول كثيرون إن البرد سيكون قاسياً هذا العام، ولكن نعلم جميعاً أن الفقر أشد قسوة، وإلا لما قال الإمام علي عليه السلام: لو كان الفقر رجلاً لقتلته.

إقرأ أيضا لـ "سوسن دهنيم"

العدد 4473 - الجمعة 05 ديسمبر 2014م الموافق 12 صفر 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 6 | 3:57 ص

      ما أقسى أن يكون الانسان غريبا ف وطنه .

      لك الله يا شعبي , حينما يعجز الانسان من تذليل عقبات ف وجهه . المشتكى لله وحده .

    • زائر 3 | 11:53 م

      شتاءٌ و شتاءٌ

      أجدني هذا الصباح ممتطيا صهوة كلامك ، ألقي عصا الترحال في أرض شتاؤها طويل ،برده يلفح الاجساد ليل نهار،لا دثار منه ـ ليلاً ـ إلّا بنار نتدرّع بما تبعثه فينا من دفءٍ ، يضاعف منسوبَه اجتماعُ الأهل ، و شجونُ حديثهم و أسمارهم ، يتدثّرون بما تيسّر من أغطية نُسجت من صوفِ شويهاتٍ ، أرضٍ يسير صِبْيَتُها ـ تهاراً ـ بأجساد لا يستر بردَها سوى ثياب ٍ باليةٍ ، و في شوارع تغمرها المياه و الوحل، أو في وهاد و جبال ، يقصفهم الصقيع ، و تتخطّفهم المخاوف من لسعات عصا معلّم تتربص بهم إن تأخّروا عن الدرس .

    • زائر 2 | 10:56 م

      مقالة تنهمر دفئاً

      ما أجمل أن تفتح عينيك على نص جميل كشطيرة الصباح :في شطره الاول يحلّق بك في لغة شعرّة حالمة ، و تصوير رائق يعانق روعة الشتاء ، ينُثّ فيك الدفء يغالب به برده القارس ، ثمّ يحطّ بك في نصفه الثاني ،على أرض الواقع يرسم لوحةً من وقائع الحياة بلغة أقربَ إلى اليومي ، قوامها صِبْية صغار وقعوا بين مُـرٍّ و أمرّ منه ،بردٍ يداعب عظامهم ، و فقرٍ يجلد نفوسهم ، و هي لوحة لم تخلُ من الدفء يضخّه المجتمع بتضامنه و تآزره . ( لكن نقول : ليس هذا ضرباً من المبالغة.. و : يعرف الكثيرَ عنه المعلمون و المشرفون .. )

    • زائر 4 زائر 2 | 12:36 ص

      شِعر على شِِعر !

      شاعر يعقّب على شاعر ، أوّل كلامه فصيح ، و آخره تلميح فتصحيح .

    • زائر 1 | 9:57 م

      سطيم

      من أبرز أسباب شح الشتاء وقلت الأمطار ستغفر الله وكأنما الشتاء نقمه وليس بنعمه وأما بخصوص معونت الشتاء فقد ولى زمان توزيع الملابس وأعتقد أن أغلبية المدارس توزع كوبونات وأما عن مسألة القدره الشرائية فلا أعتقد بأن مبلغ ثلاث دنانير يعجز أفقر الناس بالبحرين عن شراء جاكيت شوي له أو لأولاده . اليوم ومع وجود التجاره الحره والتنافس نجد معظم البظاءع رخيصة وبأسعار تنافسية اما خيالك باعت الكبريت فهاد يعكس غلاء الدول الاوروبيه وليس الخليجيه الحمد الله على النعمه والخير

    • زائر 5 زائر 1 | 1:04 ص

      انت غلطان

      نعرف ناس واجد في المدرسه مايقدرون يشترون لهم جاكيتات واذا الواحد قدر يشترب قطعة وحدة شلون بيغسلها وبيلبسها في البيت والمدرسة؟
      انت تدري ان فيه ناس ماعندهم حتى فلوس الريوق الصبح مع انها اهم وجبة؟!!!!

اقرأ ايضاً