العدد 4583 - الأربعاء 25 مارس 2015م الموافق 04 جمادى الآخرة 1436هـ

أصحاب العيون الزرقاء والعيون البُنِّيَّة

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

بدأت المعلِّمة درسها للأطفال بأمر غريب. كان ذلك بإحدى مدارس الولايات المتحدة الأميركية. الموجودون كلهم من ذوي البشرة البيضاء. قالت لهم: أعتقد أن أصحاب العيون الزرقاء في هذا الفصل هم الأفضل والأكثر ذكاءً من أصحاب العيون البُنِّيَة!

ثم زادت على ذلك بالقول: الطلاب ذوو العيون الزرقاء ولأنهم أذكياء فسيكون لهم خمس دقائق إضافية في الفسحة. أما أصحاب العيون البُنِّيَة فسيبقون في الفصل، ولن يحق لهم استخدام كؤوس الشرب، لأنهم سيشربون الماء في الكؤوس الورقية. كما لن يُسمَح لهم باللعب مع الطلاب أصحاب العيون الزرقاء! خيَّم الوجوم على الطلاب، وبات الجميع ينظر إلى الآخر باستغراب.

ثم قالت المُعلِّمة: انظروا الصفحة 127 من الكتاب... هل أنتم جاهزون؟ تمتمت ثم عقبت: الجميع جاهزون ما عدا «لوري»! ما لون عيني لوري أيها الطلاب؟ ردَّوا جميعهم: إنها بُنِّية. ثم سخرت قائلة: سوف تعرفون كيف أنه يجب علينا أن نهدر وقتنا ونحن ننتظر أصحاب العيون البُنِّية.

مَرَّت بجانب إحدى الطاولات وهي تعلق: لا أرى شيئاً هنا.

قال طالب: إنها هناك، ويمكن لأصحاب العيون البُنِّية أن يجلبوها لنا. أبدَت إعجابها بقول هذا الطالب الذي بدا عليه الانتشاء وقالت: إذاً أنت تعتقد أن أصحاب العيون البُنِّية من الواجب عليهم أن يحضروا لكم الأشياء لتستخدموها لأنكم أعلى منزلةً يا أصحاب العيون الزرقاء؟

وبعد أن حان وقت الفسحة، خرج الجميع، لكن الأجواء لم تكن مريحةً، فبعض الطلاب آثروا الانزواء، خصوصاً أولئك الذين مُورِس عليهم التمييز.

وبعد انتهاء الوقت وعودة الطلاب، انتبهت المُعلِّمة قائلة: ما الذي حدث يا جون؟ قال وهو حزين: راسيل أخذ يناديني باسم لا أحبه. سألته: بماذا كان يناديك؟ رد: قال لي يا صاحب العيون البُنِّية! سألت المُعلِّمةُ راسيل: هل ناديتَه بصاحب العيون البُنِّية؟ رد الطلاب: الكل يناديهم بهذا الشكل. قالت: ما المشكلة مع أصحاب العيون البُنِّية وماذا يعني ذلك؟ رد البعض: هذا شيء مخجل، وهو نفس الشعور عندما ينادي الناس الأشخاص السُّود بالزنوج. ثم قالت لجون: ألم تكن لك عيون بُنِّية بالأمس؟ ما المشكلة؟

لاحظَت المُعلِّمة: أن الأطفال المتعاونين الذين كانوا في فصلها تحوّلوا إلى أشخاص يُعاملون بعضهم بشيء من الاشمئزاز والتفاضل، بل وأصبحوا متصيّدين لأخطاء بعضهم البعض خلال مدةٍ لا تتجاوز الخمسين دقيقة فقط.

في اليوم التالي فاجأت المُعلِّمةُ الطلابَ بقولها: أخبرتكم بالأمس بأن أصحاب العيون البُنِّية ليسوا جيّدين مقارنة بمن لديهم عيون زرقاء، لكن هذا الأمر غير صحيح؛ لأن الحقيقة هي أن أصحاب العيون البُنِّية هم أفضل من أصحاب العيون الزرقاء!

ثم سألت الطالب راسيل (الذي عَيَّر زميله جون بالأمس للون عينه البُنِّية): أين نظارتك يا راسيل؟ قال: نسيتها. قالت له: وما هو لون عينيك؟ قال: زرقاوان. قالت له بتعجب وتهكّم: سوزان بعيونها البُنِّية لم تنسَ نظارتها. ثم كرّرت فعلها بالأمس ولكن بصورة عكسية تماماً. نادتهم جميعاً: الآن الطلاب أصحاب العيون البُنِّية لهم خمس دقائق إضافية من التسلية والمتعة، وأصحاب العيون الزرقاء لن يُسمح لهم بذلك، ولن يُسمَح لهم أيضاً باستخدام الألعاب الموجودة بالخارج في أي وقت.

ثم أكّدت على أن أصحاب العيون الزرقاء غير مسموح لهم باللعب مع أصحاب العيون البُنِّية؛ فأصحاب العيون البُنِّية هم أفضل وأذكى ويتعلّمون بسرعة من أصحاب العيون الزرقاء. ثم واصلت المُعلِّمة في التصيُّد على الطلاب من ذوي العيون الزرقاء كما فعلت بالأمس مع أصحاب العيون البُنِّية.

لقد كانت النتيجة مهولة، فمن كانت عيونهم بُنِّيةً تعلَّموا الواجب في دقيقتين فقط بخلاف يوم أمس حيث احتاجوا إلى أربع دقائق حين كانوا يشعرون بالتمييز والمهانة، أما اليوم فهم يرون أنهم الأفضل وأنهم طلاب غير عاديين. لذا، فعندما سألتهم المُعلِّمة عن سبب عدم قدرتهم عن فعل ذلك بالأمس قالوا بأنهم كانوا يفكّرون بألوان عيونهم.

ثم وقفت المُعلِّمة وصارحت الجميع بأنها كانت تعني ما فعلته معهم، قائلة لهم بأن هذا لشيء محزن أن نتعامل مع بعض الناس بنفس الطريقة لأنهم فقط مختلفون عنا، وكانت تقصد السُّود والهنود. ثم طلبت من طلابها أن يُعاهدوها ألا يفعلوا ذلك مع أحد.

هذا الدرس العملي هو في جوهره مشكلةٌ موجودةٌ ليس في الولايات المتحدة الأميركية من البيض تجاه السُّود فقط، بل هي ثقافة موجودة لدى العديد من المجتمعات ومن بينها مجتمعنا وإنْ كان بدرجات. مرةً في لون البَشَرة، وأخرى في شكل الشَّعَر، وثالثة ورابعة. لكن المؤسف أنها موجودة ومتجذّرة في داخل «بعض» العوائل المتعلمة أو تلك التي تدَّعي التديُّن والاستقامة المزيّفة، فيُظهِرهم في قمة التناقض والنفاق.

لقد وصل الحال بالبعض في فرز الناس على ألوانهم وأبدانهم لأن يُنسِب أصحاب البَشَرة البيضاء إلى صُلبه تباهياً، ويُنكِر السُّمْرَة في غيرهم حتى ولو كانوا من أصلابهم. ثم تتوالى التصنيفات العنصرية في الجسد درجةً بعد أخرى، في جُعُودَة الشعر تارةً، وفي فَطَسِ الأنف تارةً أخرى، وكأننا في جاهلية جديدة جَبَّت ما جاء به محمد (ص).

ألم يكن الحكيم لقمان بن عنقا نوبياً أسود؟ ألم يكن نافع بن أبي نعيم الليثي (أحد القراء السبعة المشهورين) أسود شديد السواد، والشاعر المجوِّد أحمد بن أبي فنن أسود. وألم يكن جون بن حوي مولى أبي ذر الغفاري أسود اللون، لكن ألوانهم لم تنقص من شأنهم أبداً، فإلام هذا التكبُّر والعلو واستصغار الغير؟

أختم بقول جميل ليحي بن معاذ الرازي: «التواضع في الخلق حسن، ولكن في الأغنياء أحسن؛ والتكبر سمج في الخلق، ولكن في الفقراء أسمج».

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4583 - الأربعاء 25 مارس 2015م الموافق 04 جمادى الآخرة 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 5:58 ص

      العبرة في قول الرازي

      التواضع في الخلق حسن، ولكن في الأغنياء أحسن؛ والتكبر سمج في الخلق، ولكن في الفقراء أسمج

    • زائر 3 | 1:36 ص

      ان احسنكم عند الله اتقاكم

      وليس اجملكم او اغناكم او احستكم نسبا وحسبا

    • زائر 2 | 8:07 م

      كلمة لأحد العلماء في علاج التكبر

      إن من موجبات علاج حالة التكبر الممقوتة عند الله تعالى: النظر إلى العباد على أنهم من شؤون المولى جل وعلا، وحينئذ يكون هذا التعالي على العباد بمنزلة التعالي على هذه النسبة بين الخالق والمخلوق .. ومن هنا كان صاحبها في معرض الانتقام الإلهي، إذ انه حاول انتهاك هذه الحرمة المقدسة، وهل اطلعنا على بواطن العباد وخواتيم أعمالهم، لكي نحكم عليهم بما لا يستند إلى علم ولا يقين؟...

    • زائر 1 | 8:05 م

      متابع

      عجيب !!! ربما هذا هو سبب تخلفنا . . . أننا نفكر دائما في أننا أمة متخلفة ! ولا ندع وقتا للتفكير في الابداع ، كما كانت مشكلة أصحاب العيون البنية
      من الجميل التفريق بين البيض والسود بالعيون البنية و العيون الزرقاء ، فكل منهما يعطي جمالا خاصا ، بل العيون البنية أجمل و أهدأ

اقرأ ايضاً