العدد 4590 - الأربعاء 01 أبريل 2015م الموافق 11 جمادى الآخرة 1436هـ

هجوم أردوغاني على إيران

منى عباس فضل comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

لا تنحصر أية قضية تتصدر المشهد السياسي الإقليمي فقط فيما يدور من أحداث جارية، إنما هي تنبع أيضاً من الأفكار والتفاعلات والعلاقات التي تشكل بنية تلك الأحداث، كما تكمن في عناصرها المادية والتاريخية التي تضفي عليها أهمية خاصة تحدد مسار تلك القضية واتجاهاتها ونتائجها. مناسبة الحديث ترتكز في الأساس على قضية التصريحات النارية التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، واتهم فيها طهران قبل أيام بمحاولة الهيمنة على الشرق الأوسط، ما دفع وزارة الخارجية الإيرانية لاستدعاء القائم بالأعمال التركي لتسجيل اعتراضها وطلب توضيح منه، فيما استنكر الوزير محمد جواد ظريف تلك الاتهامات قائلاًً «إن أردوغان يتبع سياسات مضرة للمنطقة». ولأن الأشياء تحمل نقائضها، جاء رد الأخير على ردود أفعال مسئولين ونواب إيرانيين طالبوا بإلغاء زيارة قريبة مقرّرة له لإيران بأن برنامج الزيارة المقررة لم يتغير وإنه «يتابع عن كثب الوضع الإقليمي».

أغلب التحليلات وجدت «الهجوم الاردوغاني» على إيران غير مسبوق في وضوحه وحدته وتوقيته، لاسيما وبعضها تنبأ باحتمالات أن يكون الموقف التركي مؤشراً للتقرب من التحالف الإقليمي الجديد ضد التمدد الإيراني في المنطقة، كما إنه تعبير عن رفض ما قد يتم التوصل إليه من اتفاق معها لتسوية ملفها النووي، وما قد يوسع من تموضعها كقوة إقليمية تتمدّد في الجوار التركي «العراق وسورية».

الهجوم الأردوغاني برأيهم، قد يفتح لتركيا صفحة جديدة تمهد لإنهاء خلافاتها مع دول بارزة في الحلف الجديد أبرزها مصر وبالتحديد «نظام السيسي»، ومنه قد تتخلي عن دعمها لـ «الإخوان المسلمين»، وكل ذلك قد يساعدها على إقامة تحالفات إقليمية جديدة مقابل إيران وحلفائها. فهل ما يقال صحيح؟

بالتأكيد، بيد إنه من المهم تبصر تفاصيل الموقف التركي من زوايا أخرى متعددة، أبرزها البراغماتية الأردوغانية.

أولاً: تبرز تركيا في التقاطعات السياسية الروسية المتعلقة بنقل الغاز الروسي إلى أوروبا، لاسيما بعد خلع الرئيس الجورجي فيكتور يانوكوفيتش العام 2013، وتوجّه الروس إلى المسار التركي كبديل عن مشروع «السيل الجنوبي»، ما يعني استبعاد تصديره عبر أوكرانيا التي يمر عبرها قرابة نصف الغاز الطبيعي الروسي. بالطبع هذا التوجه دفع روسيا لمنح مكافأة لتركيا مقابل تعاونها، وهو تخفيض أسعار الغاز لها بنسبة (6 %) وهناك احتمال بارتفاع النسبة إلى (15 %).

هنا تجدر الإشارة إلى أن تركيا عضو في «حلف شمال الأطلسي»، هذه العضوية التي يعتبرها الساسة شوكة في خاصرة روسيا، وعلى رغم موقفها الداعم لضم القرم إلى روسيا، إلا إنها تلعب أيضاً في حدائقها الخلفية – أي آسيا الوسطى والقوقاز- وتركيا تختلف جذرياً مع موسكو حول الأزمة السورية، فضلاً عن سعيها الحثيث إلى تنويع مصادر حصولها على الغاز من أذربيجان وإيران. فكل هذه المواقف المتباينة تعكس الوجه البراغماتي الأردوغاني الذي يحاول الاستنفاع من معطيات الواقع ومتغيراته واستغلاله للصراعات والخلافات في توسعة مصالحه وتطلعاته.

ثانياً: إن جل ما تخشاه تركيا من توصل الدول الكبرى إلى توقيع اتفاق لتسوية أزمة إيران مع الغرب بشأن ملفها النووي، جل هذه الخشية مصدرها القلق من نتائج الاتفاق لأن تتحول إيران إلى قوة اقتصادية وعسكرية إقليمية ترتكز عليها الولايات المتحدة والغرب، وبالتالي قد تلعب دوراً في المنطقة يقلل بالمقابل من الاعتماد على الدور التركي، إلى جانب خشيتها من خسارة الفوائد الاقتصادية المتحققة بسبب القيود والعقوبات المفروضة على إيران والتي رفعت من حجم مبادلالتها التجارية معها بما يفوق الـ30 مليار دولار سنوياً. وبالتالي فلا غرابة من القلق أن تستغني عنها إيران في التعاملات التجارية في حال رفع العقوبات، ما سيكون له أثر سلبي على الاقتصاد التركي الذي يمر بأزمة، وهذا ما يجده المحللون أحد الأسباب التي تدفع بتركيا نحو تحالفات تقف في المواجهة مع إيران.

رهانات خاسرة على الإخوان

ثالثاً: يجمع الكثيرون على أن تركيا تعاني من انتكاسة بسبب فشل رهاناتها بعودة الأمبراطورية العثمانية في المنطقة عبر «حركة الأخوان المسلمين» التي تصدرت مشهد الربيع العربي، وبالتالي فإن توسعة نفوذها السياسي والاستراتيجي من خلالهم في مصر وتونس وليبيا وسورية قد تلقى ضربةً قويةً، خصوصاً بعد عزل محمد مرسي وسقوط نظام الأخوان في مصر، وتراجع «حزب النهضة» في تونس، فضلاً عن مواجهتها لصعوبات حتى اللحظة في إسقاط نظام بشار الأسد على رغم ما تقدّمه من تسهيلات لمرور المقاتلين المناوئين له إلى الأراضي السورية والعراقية.

وثمة محاولات يُشار إليها بشأن عقد مصالحات تركية – مصرية، إلا إنه لم يكتب لها النجاح حتى اللحظة بسبب موقف الرئيس السيسي، ومع ذلك فتركيا البراغماتية تحاول تجاوز ما فات أملاً وتطلعاً لإعادة التموضع في التحالفات والاصطفافات التي تأخذ طابعاً طائفياً لمواجهة التمدد الإيراني إقليمياً، وربما يدعمها ويعزّز من مخططاتها المتعلقة بسورية والعراق.

رابعاً: على المستوى الداخلي، هناك خلافات بين الرئيس أردغان وأعضاء من حزبه الحاكم من بينهم رئيس الحكومة أحمد داوود أوغلو، بسبب سعيه للحصول على تأييد مطلق لتغيير نظام الحكم في حال فوزه بالأغلبية البرلمانية. بالطبع التغيير سوف يمس الدستور ويغيّر من صلاحيات رئاسة الحكومة لمصلحة رئاسة الجمهورية –أي لأردوغان- وهذه نقطة خلافية، إضافةً لما يُتداول بشأن الأزمة الاقتصادية في ظلّ الهبوط الحاد الذي شهدته الليرة التركية.

كما يطفو على السطح اختلاف الآراء بينه وبين الفريق الاقتصادي في الحكومة، لاسيما حيال التصريحات النارية التي أطلقها ضد محافظ المصرف المركزي الذي اتهمه بـ»الخيانة» لرفضه تخفيض أسعار الفوائد اعتقاداً منه أن أسعارها المرتفعة تشكل مشكلة أساسية للأزمة وإن هناك «جماعة ضغط» تتشبث بالفوائد المرتفعة، ولهذا السبب وذاك، يجد الخبراء أن في ذلك تأثيراً سلبياً على صدقية تركيا عند المستثمرين الأجانب.

خلاصة الأمر، كي تتعايش تركيا مع المتغيرات المقبلة، لابد لها من مراجعة أدائها وعلاقاتها الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، فضلاً عن تحديد ماهية علاقتها مع جماعة «الإخوان المسلمين» التي اتخذتها ذريعةً وجسراً للتدخل في الشئون الداخلية لبعض الدول العربية. إضافةً إلى دخولها طرفاً في النزاعات بين أطراف الصراع، وانزلاقها باتجاه سياسات انتهازية مع دول غربية وإقليمية تتعامل مع المنظمات الإرهابية. كل هذه العوامل وغيرها أضعفت من دورها الإقليمي وأثرت سلباً على أوضاعها الداخلية وحتى على فشلها في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي.

إقرأ أيضا لـ "منى عباس فضل"

العدد 4590 - الأربعاء 01 أبريل 2015م الموافق 11 جمادى الآخرة 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 10 | 7:01 ص

      DrBuM7ammad

      يعتبرها كل متابع ذو رأي حر "أضغاث أحلام" وقد قلبت كل ما جاء في المقال فكانت الحقيقة القائمة اليوم على الأرض.
      "رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين"

    • زائر 9 | 3:26 ص

      شويه انصاف

      لو نجي للاحصائيات ونحصر ماذا فعلت ايران هل اشعلت حربا هل ارسلت ارهابيين الى دول اخرى هل مولت العصابات المرتزقه هل ....................هل رضخت للنظام العالمي الظالم للشعوب اذا لماذا هدا التجني على ايران هو بساطه انها هزت ممالك الارهاب وعروش الطغات لانها اول تهديد فعلى للكيان الصهيوني و الاداره الامريكيه لكن العجب من تشظي و زعرنه بعض الاعراق عليها وهم راضخون تحت العبوديه يسيرون خلف جهل مشايخههم الذين قبضوا الثمن فاموال النفط قد اشترت جميع الاطياف من متاسلم الى علماني الى شيوعي

    • زائر 11 زائر 9 | 1:39 م

      ارجع اخونا الى ايام الشاه بهلوي

      ترى الجميع يركع ويسجد اليه لماذا ، لان الاستكبار العالمي يؤيده ومصالح بلاده مرهونه لديهم وله علاقات باسرائيل وعلم اسرائيل يرفر في ربوع طهران ، والان لو تغير ايران سياستها مع الصهاينة لتغير الحال في الحال واصبحت هي الدولة الامثل في المنطقة والكل يطلب ودها ، هذه الدنيا كما تحسن تسئ والايام دوارة ؟!

    • زائر 8 | 2:16 ص

      استادتنا العزيزه هدا شخص مريض نفسي

      ككل المتاسلمين من الاخوان الى ..........يبحثون بين النفايات عن مجد و شهره دافعهم الحقد و الحسد وليس غيرتهم على مدهبهم فهم بعيدون عن الدين والدافع الاكبر هو المال و السلطه

    • زائر 7 | 1:15 ص

      ماذا كانت ستصبح ايران

      ايران بإمكانها ان تكون دولة اقتصادية عظمى لو تركت عنها مشروع تصدير الثورات والتدخل في شئون الاخرين وكذألك مشروعها النووي. توجد بها البنيه التحتية (نفط, غاز, الكادر البشري) لان تكون من افضل الدول الاقتصادية والتجارية والسياحية وكذألك الطبية ولكن حالها حال أي دكتاتور يتمسك بالسلطة الى اخر رمق الى ان يطاح به ويخسر كل شي. ماذا كانت ستصبح ايران لو ركزت جهودها وصبت طاقاتها في تحسين وضعها الداخلي وتحسين علاقاتها بدول الجوار؟

    • زائر 6 | 12:48 ص

      ابراهيم الدوسري

      ايران محاصرة بفعل تخليها عن اصحابها هى مشغولة بالنووى ....

    • زائر 4 | 12:27 ص

      تركيا و ايران

      لا الأتراك و لا الفرس لهم الحق في التدخل في شؤون الامة العربية فكلاهما عدو للأمة

    • زائر 3 | 12:25 ص

      هذه هي نهاية تجربة الاخوان الانتهازيين

      سقطوا في مصر.وسقطوا في تونس. وسقطوا قي ليبيا. وسقطوا في سوريا. هذه هي نتيجة كل الانتهازيين.

    • زائر 2 | 12:19 ص

      نتمنى لتركيا ان تشرب من الكأس الذي اذاقته للاخرين

      نتمناها ان ترتد على الداخل التركي كل ماعمله في الدول المحيطة بتركيا وعلى راسها سوريا من زرع للفتن والحروب والتدمير نتمناه ان يشربوا من كأسهم

    • زائر 1 | 12:04 ص

      بالتأكيد ان الاخوان المسلمين هم النبتة السامة في الوطن العربي

      اما ايران فهي النسر الاخرق الذي يريد التهام المنطقة على أساس ديني طائفي ولكن التحالف الإقليمي وليس العربي سوف يلف الحبل على عنقها حفظ الله الوطن وأهل الوطن الطيبين وابعد عنهم شرور الفتن

اقرأ ايضاً