العدد 4647 - الخميس 28 مايو 2015م الموافق 10 شعبان 1436هـ

وضع بائس يحتاج إلى ايديولوجيات جديدة

علي محمد فخرو comments [at] alwasatnews.com

مفكر بحريني

في خضم الفوضى والضياع والقلق الذي يجتاح كل مجتمعات العرب، تنمو مجاميع من القرّاء التي تعترض على إدماج أي فكر أو أية مبادئ ايديولوجية في الكتابات السياسية حول الأوضاع العربية الراهنة. المطلوب هو الكتابة عن الأحداث، ثم ذكر ما يوافق الكاتب عليه أو يعترض عليه، دون أن يستند التوافق أو الاعتراض على مرجعية فكرية تعبّر عن ايديولوجية متماسكة وشاملة يؤمن بها الكاتب.

بالنسبة لهذا النوع من القراء كلُّ شيء نسبي ومؤقّت عابر، وبالتالي لا ارتباط له بالتاريخ أو الجغرافيا أو الهوية أو المبادئ والقيم الضرورية لضبط العملية والسيرورة السياسية العربية. وبالتالي فإنّ المناداة بأن تحكم الحياة السياسية العربية وتصرفات الأنظمة المبادئ السياسية والثقافية الجامعة والموحِّدة والطموحات القومية المستقبلية والعوامل التضامنية المقوَّية لمناعة الأمة ضدّ الأخطار الخارجية... إن تلك المناداة بالنسبة لأولئك القراء هي نوع من التنظير الذي لا يرتبط بالواقع العملي، ونوع من هلوسة المجانين ومن أحلام اليقظة التي يتصف بها المراهقون في السياسة.

ولكن هل حقاً إن ما يجري في كلّ أرض العرب من حرائق ودمار وتوجّه محموم نحو الخروج من الحضارة العصرية التي تعيشها الإنسانية، لا يحتاج إلى ايديولوجية جديدة عقلانية متماسكة تنطلق من نقد موضوعي لحال الأمة، ثم تضع للأمة أهدافاً تتوجه نحوها، وتقترح وسائل ومنهجيات لتحقيق تلك الأهداف؟

نحن هنا نتحدّث عن ايديولوجية لا تتخلّى عن الكثير من الأسس التي قامت عليها الايديولوجيات السابقة، ولكنها تنقدها وتنقّحها وتضيف إليها مكونات جديدة تأخذ بعين الاعتبار المستجدات التي طرأت على الحياة العربية والساحة العالمية في السنين الأخيرة.

وكجزء من التعلُّم من دروس الماضي وتجنُّب بعض الأخطاء التي وقعت فيها الايديولوجيات السابقة، سواء أكانت قومية أم ليبرالية أم يسارية ماركسية أم إسلامية سياسية، فإنها لن تطرح نفسها كايديولوجية تمثّل الحقيقة الوحيدة المطلقة، ويتبنّاها حزب قائد طليعي يقود ويعلو فوق الأحزاب الأخرى، وإنّما كواحدة من بين ايديولوجيات أخرى متعدّدة تطرح جميعها نفسها كايديولوجيات متنافسة بشفافية، وذلك كأفكار وبرامج سياسية – اجتماعية لا تكتمل أية حياة ديمقراطية من دونها.

وهي لن تقبل أن تكون ايديولوجية دولة مستبدة أو فاشستية ترغم المجتمع على تبنّيها بالسّوط وبالابتزاز. إنها بذلك تتجنّب أن تكون ايديولوجية منغلقة على نفسها، متزمتة ورافضة للمراجعة المستمرة والتغيُّر المستجيب للحاجات المستجّدة في حياة الشعوب والمجتمعات العربية.

ثمّ... لننظر إلى الواقع البحت: هل يمكن تجاهل مشاعر الانتماء للهوية العروبية في قلوب وعقول الملايين من العرب التي ترعرعت وتراكمت عبر القرون، وتجاهل الواقع العالمي الذي لا سبيل لاتّقاء الشرّ فيه إلا بقيام التكتلات الكبيرة المتضامنة، وتجاهل عشرات العوامل الثقافية المشتركة، في التاريخ وفي الحاضر بين شعوب هذه الأمة، وبالتالي هل يمكن تجاهل التأثير الكبير لما يحدث في أي قطر عربي على بقية أقطار الوطن الكبير؟ إن الجواب العقلاني القاطع هو كلا.

إذاً، فإننا لا ننظِّر ولا نمارس الأحلام الساذجة عندما نربط بين ما يجري في سورية أو العراق أو السودان أو اليمن أو هذا القطر العربي أو ذاك، وبين مصير ومستقبل الوطن العربي كلّه. إننا في هذه الحالة نمارس النظرة الواقعية الشاملة، لا النظرة المجزّأة المعزولة. كذا نظرة للأمور تستدعي مرجعية ايديولوجية تقوم على الإيمان بضرورة توحيد هذه الأمة، حتى لو اختلفنا حول نوعها وتوقيتها ومراحلها وأساليب تنفيذها.

ومن أجل أن تكون تلك الوحدة بين شعوب، لا بين حكام أو أنظمة سياسية، لابدّ من أن تحتوي تلك المرجعية الايديولوجية على الإيمان بالديمقراطية التي وحدها ستمكّن الشعوب من قول كلمتها بحرية ومسئولية.

والشعوب لا يمكن أن تكون حرّةً وحاملة للمسئولية دون العيش تحت نظام اقتصادي – اجتماعي قائم على العدالة الاجتماعية التي لن تتواجد إلا بتبنّي الكثير ممّا تنادي به الاشتراكية الديمقراطية وأنظمة التزام الدولة بالرعاية الاجتماعية الإنسانية العادلة.

وكذلك لا يمكن للشعوب أن تكون حرّةً ومسئولةً دون أن تكون مباديء حقوق الإنسان المقرّة دولياً، بما فيها على الأخص حقوق المرأة، جزءاً من تلك المرجعية الايديولوجية.

الواقع أن مسيرة الأنظمة الديمقراطية حيثما وجدت، تؤكّد أن النظام الديمقراطي الذي لا يستند إلى مرجعية ايديولوجية عقلانية إنسانية، تتعامل مع واقع مجتمع ذلك النظام وتطلعاته المشروعة، وتعترف بحق الايديولوجيات الأخرى بالتواجد معها... إن ذلك النظام سينقلب إلى نظام تنافس وصراع على السلطة والثروة بين أشخاص مغامرين انتهازيين وديماغوجيين يعيشون على الإثارة والكذب.

الأوضاع العربية البائسة تحتاج إلى أبعد الحدود إلى ايديولوجيات جديدة تأخذ أفضل ما في الماضي وتضيف إليه أفضل ما يعالج المستجدات. دون ذلك سنبقى في التخبّط والضّياع.

إقرأ أيضا لـ "علي محمد فخرو"

العدد 4647 - الخميس 28 مايو 2015م الموافق 10 شعبان 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 8 | 12:07 م

      العدالة الاجتماعية

      العدالة الاجتماعية هي المساواة في الثروة. هذه فكرة اشتراكية تدعي ان هناك ضلم عندما يكون هناك عدم مساواة في الثروة. الاشتراكية هي الايديولوجية التي دمرت الشرق الاوسط.

    • زائر 7 | 9:34 ص

      الايدلوجيات هي التدمير بعينه

      وبالأخص فرضها على الشعوب أو تدخلها في السياسة وبالذات الدينية والمذهبية الدول الحديثة الديمقراطية جمدة الايدلوجيات والعنصرية وكونتأحزاب مدنية تشرك الجميع بعض النظر عن أي لون أو دين جعلت هذا أمور حرية وشخصية المهم لااحد يفرضها على الغير

    • زائر 6 | 3:06 ص

      نحتاج إلى العدالة والمساواة والحرية وحقوق الانسان

      وكل شخص يحتفض بادلوجية لنفسه ولا يفرضها على الغير نحتاج إلى جمعيات مدنية تضم الجميع من غير أي تمييز ولا عنصرية من أي نوع هدفها خدمة المواطنيين واحقاق العدل والحق ونبعد السياسة عن الايدلوجيات المتصارعة مع بعض

    • زائر 5 | 2:52 ص

      الحمد دخلت مجموعات لم تتعلم القراءة الا فقط لتخويف الناس وسبابهم وشتمهم

      البعض لم يعرف قيمة هذه النعمة ابد ولم يعرف منها الا الالفاظ البذية والكلمات النابية واتهام الناس بالكفر والفسق والزندقة وكأن الله جعلهم وكلاء على خلقه

    • زائر 4 | 1:22 ص

      يا دكتور علي أنتم جيل أساتذتنا و مربينا ؛ لكن وقف زمن الآيديولوجيات

      إن لم ننتفع من الآيديولوجيات القديمة ؛ فما الحاجة إلى الجديدة؟ لقد قضت البشرية قرابة الثلاين قرنا في الآيديولوجيات القديمة؛ فماذا جنت؟
      المطلوب هو تفعيل القانون والحقوق و الواجبات؛ الالتزام بالصدق و الوقوف عند الكلمة ؛ و أهم من ذلك كله: تفعيل العدل و المساواة الإنسانية.

    • زائر 3 | 10:44 م

      زائر

      شكرًا لك مالم تتمسك الامه بإسلامها وتتخذه دستورا لها في حكمها واقتصادها وتدبير شؤنها وتطبيق مبادئ العداله الاجتماعية
      فستكون أمه ضائعة تتخبط يسودها الظلم والجهل

    • زائر 1 | 10:09 م

      كفانا ايديولوجيات

      لا تنقصنا الأفكار او الايديولوجيات. كفانا ترقيع. الأساس الذي وضعه الانسان علي هذه الكرة و التي بموجبها سارت البشرية جيلا بعد جيل خطأ و لا يؤدي الي السعادة و هي صالحة لفترة مؤقتاة للمترفين. لذلك تكررت نفس الحوادث طوال التاريخ. يظهر صاحب فكرة مدعيا العدالة و الإصلاح. بعد استيلائه علي الحكم يكرر ما فعله السلف. علي هذا الأساس الغلط لا يمكن ان يحصل اي تغيير في البشر و كل تصور عن التغيير في ظل الأفكار و الايديولوجيات محبوس في الاوهام.

اقرأ ايضاً