العدد 4725 - الجمعة 14 أغسطس 2015م الموافق 29 شوال 1436هـ

هل أصبحت الوظيفة العامة في الخليج غنيمة؟

عبدالنبي العكري comments [at] alwasatnews.com

ناشط حقوقي

مع إعلان بريطانيا استراتيجيتها في فبراير/ شباط 1968 بالانسحاب من شرقي السويس مع نهاية العام 1971، وبالخصوص في منطقة الخليج، حيث فرضت بريطانيا العظمى ما يُعرف بـ«السلم البريطاني» (pax Britanica) من خلال بوارجها العسكرية التي كانت تمخر عباب الخليج والبحار المجاورة من هرمز حتى عدن، وقواعدها الجوية والبرية، وبالطبع فرض الحماية على السلطات المحلية، ووضع المنطقة برمتها تحت الوصاية البريطانية.

وقد تسارعت الخطوات لإعداد المحميات البريطانية للاستقلال في نهاية الستينيات. وكلنا يعرف فصول الرغبة الشعبية القوية لذلك اليوم الذي تنسحب فيه بريطانيا العظمى من المنطقة والتخلص من قيود الاستعمار، بعدما اتخذت الامبراطورية العجوز قراراً لا رجعة فيه.

من أهم التوجهات المطلوبة، البناء على أنوية أجهزة الدولة التي بنتها بريطانيا في بعض حواضر الخليج مثل الكويت والبحرين والشارقة ودبي. فقد أقيمت في هذه الإمارات كيانات سياسية واضحة، مثل حكومة الكويت وحكومة البحرين، مع دوائر متخصّصة، مثل الصحة والأشغال والكهرباء والبلديات والشرطة وغيرها.

وتقوم هذه الدوائر بتقديم الخدمات المحلية المدنية، فيما أنيطت العلاقات الخارجية والدفاع ببريطانيا، بينما تكفل ضباط بريطانيون بقياده الأجهزة الخاصة. وكان المطلوب تحول هذه الإدارات إلى وزارات وتشكيل مجالس للوزراء، تناط بها المهام الداخلية والخارجية والدفاع. واختصاراً: بناء أجهزة الدولة بناءً على ما هو موجود من إدارات في ظل الحماية البريطانية.

وقد ترافق ذلك مع تخرج أعداد أكبر من أبناء بلدان الخليج من الجامعات، وتراجع المنخرطين في المعارضة السياسية، بعد سلسلةٍ من الهزائم القومية. والأهم توجه الحكومات للإستعانة بالخريجين في بناء أجهزة الدولة. لذلك نلاحظ أنه في العقدين السابع والثامن، أي ما بعد الاستقلال، تسنم الكثيرون من المنتمين للعوائل الأخرى مناصب مهمة في هذه الدول.

كما أن كثيراً من التجار الجدد، شقوا طريقهم في عالم «البزنس» إلى جانب العائلات التجارية التقليدية، خصوصاً مع التوسع الاقتصادي وزيادة مشاريع الدولة، دون الحاجة لشريك متنفذ. لكنّ ذلك تغيّر تدريجياً وبسرعة مع تحوّل الدولة الخليجية من الريعية إلى الغنائمية، حيث خضعت التوزيعات الوزارية والوظائف العليا إلى نوع من الغنائمية أيضاً، خضوعاً لعدة اعتبارات لا تكون الكفاءة على رأسها. وتشتمل تلك المعايير الولاء السياسي، والانتماء القبلي أو المذهبي، مع نوع من الاحتكار للوزارات السيادية.

الوظائف العليا في الدولة الخليجية مغرية جداً، فبالإضافة إلى عائدها وامتيازاتها الضخمة، فإنها تفتح الأبواب أمام «البزنس»، إما مباشرةً أو بالشراكة مع أرباب أعمال أو التخفي وراء الزوجة والأقارب، وسهولة الحصول على العقود الحكومية التي يسيل لها اللعاب.

ومع الأيام، أضحى اختيار من يتسنّمون أو يتدرّجون إلى المناصب العليا، عملية معقدة وتخضع للمراقبة من قبل المعنيين، ما يتطلب من المرشح الحذر الشديد من الاقتراب من المعارضة أو الجهر بآراء ناقدة، وأن يكون في مقدمة الجاهزين للفزعات واستخدام نفوذه المجتمعي مثل رئاسة نادٍ أو جمعية، فضلاً عن استخدام النفوذ العائلي أو الديني، وتجييره للوقوف والاصطفاف مع المواقف الرسمية، أو المستنكر لمعارضيه الداخليين والخارجيين.

ويكفينا إلقاء نظرة على تجليات أية فزعة والأسماء المتصدرة لها لندرك حقيقة ذلك. هذه الطبقة من كبار ومتوسطي موظفي الدولة، يتبعون الدولة دون تردد، فإذا كانت سياستها الحزم والعزم فهم معها، وإذا تبنت سياسة الانفتاح والديمقراطية فهم معها أيضاً. وإذا كانت الفتوى أن البرلمان لا يتفق مع تقاليدنا فهم أول المؤيدين لذلك، وإذا أضحى البرلمان من أهم دعائم الدولة فهم أول داعميه.

إنهم مستعدون لوضع كل إمكانياتهم لتنفيذ سياسات الأنظمة، حتى ولو لم يكونوا مقتنعين بها، ولم نشهد إلا استثناءات خليجية نادرة جداً لاستقالة وزير أو مسئول من منصبه احتجاجاً على سياسات ما، وكما اعتاد أن يقول الخليجيون: «ما عندنا وزراء يستقيلون».

المنصب محصّنٌ ضد المساءلة بشأن الكسب، المشروع أو غير المشروع. وإذا تم التضحية بمسئول ما فلابد من ترضية مناسبة، أو المحافظة على امتيازات المنصب المالية، والوضع في الاحتياط بانتظار منصب آخر. بينما تنص مواد الدساتير الخليجية على أن «الوظائف العامة خدمة وطنية تناط بالقائمين بها، ولا يتولى الأجانب الوظائف العامة إلا في الأحوال التي يبينها القانون».

وفي مادة أخرى تنصّ الدساتير على أن «المواطنون سواء في تولي الوظائف العامة وفقاً للشروط التي يقررها القانون». هذه هي النصوص، ولكن الحال كما هو في مختلف شئون حياتنا...الوضع على الأرض مختلف جداً.

إقرأ أيضا لـ "عبدالنبي العكري"

العدد 4725 - الجمعة 14 أغسطس 2015م الموافق 29 شوال 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 1:24 ص

      أصبح حق الناس في العمل رشوة لهم

      نعم في الخليج حول البعض الوظيفة من حقّ لكل مواطن حولوها الى رشوة لكل من يرخص ضميره تحت تسميات بايخة واحد يقول ولاء والثاني مواطنة وكأن الجالسين في المناصب هم اكثر ولاءا ووطنية اكثر من غيرهم ولو وقعوا في ابسط امتحان لسقطوا في وطنيتهم وولائهم

    • زائر 3 زائر 2 | 2:32 ص

      شكر للكاتب

      لفتة جدا قوية

    • زائر 5 زائر 2 | 8:41 ص

      ولائهم..

      الوشاية..بالابرياء..

    • زائر 1 | 12:45 ص

      الوضع على الارض مختلف جدا جدا

      ابو منصور اتصور أن الوضائف العامة لا يعرفها المواطن عند أنقطاع الكهرباء كان اكثر الكهربائيين هم من البحرينيين أما الان فان الاجنبي هو المسيطر لو قرروا أن يغادروا لسبب او لاخر فان البلد في ورطة وقس على ذلك باقي الاعمال الى اين نحن سائرون

    • زائر 4 زائر 1 | 4:12 ص

      من المسئول عن اختفاء العمال البحرينية

      كلامك صحيح في السبعينات كنت موظف بأدارة الكهرباء وكان من يقوم بربط الكابلات الأرضية والعلوية وتشيد المحطات الفرعية فنيا للأجهزة هم البحرينين من المحرق والمنامة والقري تأتي حوالي 5 باصات من قري شارع البديع تنقل العمال وقد توفي عدد من البحريني اثناء تأدية عملهم بسبب الأخطاء التي يرتكبها المهندس الأجنبي مما أدي الي ثورة العمال والأعتصام داخل اسوار محطة التوليد في الجفير المركز الرئيس لتوليد الكهرباء وانطلاق العمال صباحا لتأديت عملهم

اقرأ ايضاً