العدد 4781 - الجمعة 09 أكتوبر 2015م الموافق 25 ذي الحجة 1436هـ

حيرة العرب

عبدالنبي العكري comments [at] alwasatnews.com

ناشط حقوقي

في أواخر القرن التاسع عشر كان معظم الوطن العربي من المحيط إلى الخليج رازحاً تحت الاحتلال العثماني، إما مباشرة، أو في ظل الحماية، مثل مصر والسودان وتونس والمغرب والجزائر والحجاز. فيما كانت إمارات الخليج العربي خاضعة للحماية البريطانية شبه الاستعمارية وكذلك عدن والمحميات الشرقية اليمنية فقد كانت تحت الاستعمار البريطاني، ويستثنى من ذلك اليمن الذي فشلت الدولة العثمانية في إخضاعه فتركته للحكم الظلامي لآل حميد الدين، وكذلك داخل الجزيرة العربية باستثناء الأحساء والحجاز الخاضعين للحكم العثماني. وهكذا فقد كان العرب خاضعين للسيطرة الأجنبية العثمانية والغربية.

بموازاة ذلك كانت الصين خاضعة أيضاً للاحتلالات الغربية من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا والبرتغال وهولندا، والتي تقاسمت الصين وجزّأتها، بل وفرضت عليها أنها الأفيون التي فتكت بالشعب الصيني فكيف كان مسار حركة التحرر الوطني للشعبين العربي والصيني.

لقد قيّض للشعب الصيني مفكرين ومثقفين طليعين استلهموا فلسفة كونفوشيوس وحركة وطنية وقائداً وطنياً هو (صن يات سن)، الذي قاد مقاومة الشعب الصيني بمختلف قومياته وإيدلوجياته، لتحرير الصين من الاحتلالات الغربية حتى استطاع تحرير الصين كاملة باستثناء جيوب للاستعمار هي هونغ كونغ الجيب البريطاني وماكار الجيب البرتغالي. ورغم أن مسيرة الصين الوطنية انتكست مرة أخرى من جراء الاحتلال الياباني لأجزاء كبيرة منها خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أن الصينيين بقيادة الجنرال شان كاي شيك في الجزء الشرقي وما موتسي تونج في الجزء الغربي، قادا حرب التحرير الوطنية الكبرى واستطاعا أن يُجليا الاحتلال الياباني، بل أن يلاحقاه إلى شبه الجزيرة الكورية ورغم أن حرباً أهلية ضارية قد نشبت بين الجنرال شان كاي شيك الموالي للغرب وماوتسي تونج الموالي للسوفيات، فقد انتهى الأمر بتحرير البر الصيني بقيادة الحزب الشيوعي الصيني وماوتسي تونج، في حين فر الجنرال شان كاي شيك إلى جزيرة تايوان، وأقام فيها حكماً موالياً للولايات المتحدة. والمحصلة هي صين علاقة وتايوان متقدمة، سادت علاقاتهما التوتر لكنها استقرت بالتعاون البناء لصالح الشعب الصيني، واستعادت الصين كلاً من هونغ كونغ ومكاو.

بالنسبة للعرب، فقد برز نهاية القرن التاسع عشر رواد للنهضة الفكرية أبرزهم رجال الدين الإصلاحيين مثل جمال الدين الأفغاني وابن باديس والكواكبي ومحمد عبده وخير الدين التونسي وغيرهم استلهموا من الإسلام روحه ومن الغرب حضارته، داعين إلى التخلص من السيطرة العثمانية وأدواتها المحلية من ملوك وأمراء وباهات وسلاطين. كما انتشرت الدعوة القومية التحررية سواء بصيغتها القومية العربية الشاملة أو الإقليمية مثل السورية والمغاربية، أو الوطنية. وفي مدينة الاستانة (إسطنبول) تشكلت أنوية هذه الحركات مثل العصبة القومية التي قادها عزير المصري. لكنه على خلاف الصين، فلم تتملك الهوية القومية العميقة الجذور في الفكر العربي، كما لم يُقيض للعرب مفكرون عمالقة ولا قادة قومون ميدانيون مثل صن يات سن، وهذا ليس تقليلاً من النضال القومي والوطني العربي، الذي شهد فصولاً بطولية كثورة عرابي في مصر، وهنانو في سورية وعمر المختار في ليبيا، وعبدالقادر الجزائري في الجزائر وعبدالكريم الخطابي في المغرب، لكنها حركات تحرير وطنية، نجحت في إنهاء الاحتلال العثماني ثم الاحتلال الغربي الفرنسي والإنجليزي والإسباني، ولكن ليس بإقامة دولة قومية واحدة كجمهورية الصين، بل إنه وفي كثير من الأحيان فقد ظل النفوذ الاستعماري حاضراً، وجاء الاستعمار الأميركي الجديد ليحل أو يجاور تركة الاستعمار القديم ويكرس ما يعرف بالكيانات القطرية المتنافسة ثم المتصارعة، وبدلاً من ذلك أقيم كيان هزيل بإيحاء من بريطانيا هو جامعة الدول العربية وتكريس تقسيم الوطن العربي، وإعلاء السيادة القطرية، والأنكى من ذلك أنه جرى اقتطاع قلب الأمة العربية فلسطين من قبل الصهيونية العالمية مدعومة بالغرب الاستعماري وتواطؤ الحكام العرب، كما جرى اقتطاع أراضٍ عربية من قبل الدول المجاورة فاقتطع الحكم البهلوي عربستان واقتطعت تركيا الكمالية لواء الاسكندرون، واقتطعت إسبانيا سبتة ومليلة وجزر الحلانيات. وقد تجددت الدعوة القومية من أجل التحرير الكامل والوحدة بعد الحرب العالمية الثانية ونيل معظم بلدان العرب لاستقلالها، واتخذت تعبيرات عدة كالدعوة للوحدة العربية الشاملة وهو الذي ساد في الشرق العربي وتمثلت طلائعه في حركات قومية مثل حزب البعث وحركة القوميين العرب على سبيل المثال، وشخصيات رائدة مثل الارسوزي وغفلت ثم تطور الأمر إلى قادة سياسيين أبرزهم القائد القومي جمال عبدالناصر والذي طرح مشروعه القومي وجسده على الأرض بالقتال لتحرير فلسطين والدفاع عن الثورة اليمنية ودعم الثورة الجزائرية، وتأميم قناة السويس ودعم حركات التحرر العربية والعالمية. ورغم كل التضحيات، فقد هزم المشروع على الأرض وكانت بداية الاندحار هزيمة يونيو 1967، والتي ما انفكت تقودنا من هزيمة إلى أخرى، ومن قاع إلى قاع أعمق حتى انتهينا بوضعنا الحالي من حيث تفتيت المفتت، والانقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية، وحيث وقع العرب بين كماشتي الأنظمة المستبدة الظالمة والحركات التكفيرية الوحشية. هل هي صدفة أن تنجح الصين وهي البلد المترامي الأطراف وذات القوميات واللغات والهويات المختلفة، والتي كانت محتلة أيضاً من الدول الاستعمارية العظمى نجحت في إنجاز تحرير الأرض والإنسان، وإقامة صين خرجت من ربقة الأفيون والتخلف والحكم التسلطي، إلى أن تصبح ثاني قوة اقتصادية عالمية وهي في طريقها لتبوؤ القيادة العالمية خلال سنوات؟

وهل هي صدفة أن الوطن العربي المتواصل جغرافياً والأمة العربية التي تجمع أبناءها الهوية القومية الواحدة مع وجود قوميات تعايشت لقرون مع إخوانهم العرب، وتدين غالبيتهم بالإسلام وآخرون بأديان سماوية متناغمة مع الإسلام، ولغة عربية واحدة مع وجود لغات فرعية ولهم إرث حضاري عظيم، ونفشل حتى في إدراك مصلحتنا المشتركة إن لم يكن طموحنا نحو الوحدة؟ هل هي صدفة أن نكون أعداء أنفسنا ونوفر على العدو الصهيوني والاستعماري الكثير، إلى حد أن أرض العرب أضحت نهباً للجميع وحتى تشاد احتلت جنوب ليبيا؟ واليوم فإن أراضي العرب مزدحمة بالجيوش الاستعمارية والقواعد العسكرية، وأجواؤها ومياهها مفتوحة لكل من هبّ ودب، وكل طرف عربي يستعين بطرف أو أطراف أجنبية بما في ذلك إسرائيل، في مواجهة أخيه العربي، سواءً كانت دولاً أو قوى، فلماذا وصلنا إلى هذا الحضيض؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه مستقبلاً.

إقرأ أيضا لـ "عبدالنبي العكري"

العدد 4781 - الجمعة 09 أكتوبر 2015م الموافق 25 ذي الحجة 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 4:29 ص

      العرب

      العرب لو حطو ايدهم ويه بعض وتركو عنهم الطائفيه واتبعو الله ونفدو اسلام محمد واله \\ص\\ شان الدنيا بخير ولازالو يصرون على مواصلة القتل بينهم لانهم تركو الله ونفدو اجندة الشيطان الامريكى الذى سلب ترواتهم لاجل مصلحتهم والحين هو فرحان ويتفرج على المسلمين وهم يقاتلون انفسهم المشتكى لله

اقرأ ايضاً