العدد 4802 - الجمعة 30 أكتوبر 2015م الموافق 16 محرم 1437هـ

حيرة العرب... العيش في الماضي

عبدالنبي العكري comments [at] alwasatnews.com

ناشط حقوقي

هناك نكتة متداولة منذ زمن وبصيغ مختلفة مفادها ان اثنين من العرب اختلفا حول واقعة تاريخية مأساوية، ووصل بهما الأمر إلى الاشتباك وترتب على ذلك أخذهما إلى مركز الشرطة في مدينة غربية، وخلال التحقيق معهما باعتبار الخلاف حول قضية راهنة، وإذا بالمحقق يكتشف أنهما مختلفان حول واقعة تاريخية تعود إلى أكثر من 1400 عام، وهنا قرر المحقق احالتهما إلى مستشفى للأمراض العقلية.

هذه النكتة تعكس واقع معظم العرب وحالتهم السيكولوجية الجماعية. العرب بطبيعتهم يحنون إلى الماضي، وقد يكون الحنين إلى الماضي على النطاق الفردي أو الجماعي لمجموعة بشرية، سواء أكانت عائلة أم مجموعة عرقية أم قومية طبيعي في حدود معقولة مقبولاً وخصوصا إذا ما تعرض هذا الفرد أو الجماعة للانتكاس مثل السكان الأصليين في أميركا (الهنود الحمر)، لكن العيش في الماضي والالحاح عليه حالة مرضية يتميز بها العرب من دون غيرهم.

بالطبع فماضي العرب البعيد وخصوصًا حقبة الخلافة الراشدة وحقبة الدولة الأموية وجزءاً من حقبة الدولة العباسية وجزءاً من حقبة الدولة الأيوبية، وبالطبع الجزء الأكبر من حقبة الدولة الاندلسية والتي هي قمة الحضارة العربية الإسلامية، كل هذه الحقب مدعاة للفخر والاعتزاز رغم ما رافقها أيضًا من فظائع وحروب واضطهاد للمختلفين مع الحاكم أو الفكر السائد أو المذهب السائد أو من غير المسلمين.

ومن المؤكد أن حالة العربي اليوم تدعو للرثاء على جميع الأصعدة، فلم يشهد تاريخ العرب حقبة سوداء مثل تلك التي نعيشها اليوم منذ هزيمة (يونيو/ حزيران 1967) حتى اليوم، ومن الواضح أن أوضاع العرب تتدهور وتنحط دون بارقة أمل، سوى ثورة الياسمين في تونس، والتي نأمل ألا تخنق عربيًّا.

ولقد أعمل العديد من المفكرين والسياسيين وحتى بعض الأحزاب والحركات الاجتماعية الفكر في محاولات جادة لتقييم مواضع الخلل في البنية الفكرية والسلوكية العربية أفراداً وجماعات وخصوصًا إثر هزيمة يونيو ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، محمد عابد الجابري، وصادق جلال العظم. كما تجلى ذلك في الآداب والفنون مثل الروائي عبدالرحمن منيف، والمسرحي سعد الله ونوس، والسينمائي محمد ملص والشاعرين مظفر النواب ونزار قباني.

ومن أهم مواضع الخلل في البنية الفكرية والثقافية والذهنية عند العرب هو العيش في الماضي في مقارباتهم لمعظم القضايا الحياتية. فإذا تمعنا اليوم في الحرب الدموية والصراعات القاتلة والنزاعات العميقة في أكثر من بلد عربي، نرى أن أحد محركاتها الانقسام المذهبي والطائفي على رغم الانتماء إلى الدين الإسلامي الواحد.

هذا الانقسام الطائفي والمذهبي ليس قائما حاليا على اجتهادات معاصرة للدين الإسلامي، بل على خلافات وصراعات حدثت في التاريخ العربي الإسلامي البعيد ويتمثل العرب اليوم واقعة كربلاء مثلا، بانقسامهم إلى فسطاطين وفريقين متناحرين كما يتمثلون أحداثًا تاريخية مثل حادثه القلعة في القاهرة، وصراعات دول الخلافة التي تعاقبت على الأرض العربية بدءاً بالأمويين مرورا بالعباسيين والمماليك والايوبيين والفاطميين والمرابطين والمرينيين والعثمانيين وغيرهم. كما يسقط الماضي على الحاضر في صورة تنافس او حتى صراع ما بين بلاد الشام ووادي النيل والمغرب العربي، أو صراع ما بين بغداد ودمشق والقاهرة والجزائر والرباط والرياض، الأكثر أهلية لتكون حاضرة العرب ومركز القرار، بناء على دور تاريخي ماض.

يتملك المواطن العربي في بحث عما يعوضه عن حاضره الأليم الحالي، التغني بأمجاد الماضي سواء لأسرته أو عشيرته أو مذهبه أو بلده أو وطنه العربي الأكبر. من هنا تجد المسلسلات الرمضانية التاريخية رواجًا غير معقول، ويعيش المشاهدون المتسمرون حول التلفزيون والذي أضحى الوسيلة الوحيدة لجمع العائلة الواحدة، وهم يعيشون في حقبة تتميز بالفروسية والمغامرات الشيقة أو حياة الترف، أو قصص الحب الذي يفتقدونه. كثير من المسلسلات التاريخية ليست دقيقة أو علمية في عرضها. فوقائع التاريخ العربي الإسلامي ليست بالنقاء ذاته، بل هو مصبوغ بالدم والخيانات والاغتصابات للأرض والعرض والتعصب، ولكن يجرى تعويض المشاهد العربي بعروض حالمة، وهو في بحثه عن السعادة الضائعة.

صحيح أن العرب أو العديد منهم يعيش حياة القرن العشرين في بعض جوانبها وخصوصا الجانب المعيشي من حيث إنهم يسكنون في مدن ضخمة، ويستقلون الطائرات النفاثة، ويسوقون السيارة الفارهة، ويستخدمون وسائل المعرفة الحديثة من كمبيوترات وتجهيزات صناعية، ولديهم المدارس والجامعات الحديثة، ويتحدثون لغات أخرى، بل وانتشرت في ديارهم الجامعات الغربية ويدرسون باللغات الغربية ويقرأون صحفاً باللغات الغربية بعضها صادر في بلدانهم بل ويشاهدون قنوات فضائية باللغات الغربية قائمة في ديارهم، لكن غالبيتهم لا تفكر بالعقلية المعاصرة، ولا تقيم علاقات سياسية واجتماعية ومهنية أضحت نتاج الحياة المعاصرة في معظم العالم.

انظر إلى الفتاوى الدينية في التصدي لحالات العصر مثل اللباس والأكل والشرب فترى العجب العجاب، فنحن الأمة الوحيدة في العالم التي يسود فيها النقاب الذي يحجب المرأة تماما، وحيث لا يسلم بعض الرجال على النساء تجنبا للإثم ويدقق العديدون في تركيبة الأكل وطريقة طبخه وطريقة الذبح وكأننا نطلب من العالم أن يكيف إنتاجه تبعا لرغباتنا. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على النتاجات الفكرية والأدبية والفنية، من كتب وافلام واغان ووسائط التعبير الحديثة، إن ذهنية التحريم السائدة تحاكم نتاجات القرن الواحد العشرين، استنادا إلى تصورات أو فهم يعيش في الماضي السحيق، ويتمثل السلف «الصالح» في آرائه وسلوكه.

إن أبرز تجل للعيش في الماضي السحيق هو قيام الدولة الإسلامية بزعامة الخليفة أبوبكر البغدادي. ليس فقط على أرض الشام والعراق القائمة عليها حاليا بل على ما يعرف بديار الإسلام الممتدة من سور الصين إلى جبال البيرنيه في أوروبا وما بينهما، ولذلك فإن مقاتلي الدولة الإسلامية (داعش) لا يقتصرون على أراضيها الحالية، بل هم يقاتلون في عدد من الساحات من الجزائر شرقا إلى الجزيرة العربية غربا ومن تركيا شمالا إلى اليمن جنوبا، ومن المحتمل ان تتوسع ساحات القتال لتضم أراضي الايغور في الصين حتى الاندلس غربا وما بينهما من جمهوريات آسيا الوسطى وجنوب روسيا شمالا حتى تنزانيا جنوبا، فالدعوة لإحياء دولة الخلافة هي دعوة عالمية وجنودها مسلمون أميون لا يعترفون بالحدود الوطنية ولا بالهوية القومية.

إن منظري وقادة وجنود ودعاة الدولة الإسلامية، يريدون إحياء الخلافة الإسلامية، في تحد لكل ما أفرزته الحضارة الإنسانية وكل ما أفرزه تطور البشرية ومن تجلياتها الدولة الوطنية ذات السيادة على حدودها. أليس هذا اغراقا في العيش في الماضي، لكن بتجسيده أبشع صورة، أي الخلافة المتوحشة حيث الدماء المراقة وسبي النساء، واسترقاق المختلفين عقائديا حتى ضمن الدين الإسلامي الواحد، وخصوصا المذاهب من غير السنة وأتباع الديانات الأخرى.

هل هؤلاء نبتة شيطانية، أم نتاج لثقافة وفكر وسلوكيات سائدة في الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه تمجد الماضي على علاته، وتعيش على حلم استعادته، فهي تعيش بأمجادها في القرن الواحد والعشرين لكنها بعقولها تعيش في القرون الوسطى أو حتى في العهد الجاهلي الأول، على رغم أن به إيجابيات مثل الشهامة والمروءة ونجدة الملهوف، التي نفتقدها حاليًّا.

إقرأ أيضا لـ "عبدالنبي العكري"

العدد 4802 - الجمعة 30 أكتوبر 2015م الموافق 16 محرم 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 2:41 ص

      السبب

      لانهم جهله ولا يعرفوون شرع الله الي اتى بهى رسول الله \\ص\\ متعنترين على احكام الله ويرون انفسهم انهم عظماء وهم لاشى البعوظه عند الله افضل منهم
      ومن يتحدى الله يفعل كل شى من اجل الحفاض على الكرسى
      نقول الى الجهله لكم يوووم وراح تعضون الانامل ولا راح احد ينقضكم من عذاب الله اله العمل الصالح والله يهلك الجهله الذين همهم علفهم

اقرأ ايضاً