العدد 4837 - الجمعة 04 ديسمبر 2015م الموافق 21 صفر 1437هـ

حيرة العرب... البلاد وأهلها غنيمة

عبدالنبي العكري comments [at] alwasatnews.com

ناشط حقوقي

مفهوم الغنيمة عميق وتأصل في الثقافة العربية والذاكرة الجمعية العربية والسلوك العربي، وعبر مراحل التطور ظل هذا المفهوم موجوداً مع تجليات مختلفة تبعاً للعديد من العوامل ومنها الزمان والمكان والأهمية الاقتصادية.

ترتبط الغنيمة في التراث العربي بالحروب بين القبائل العربية، والمناطق العربية والممالك العربية، حيث يستولي مقاتلو الطرف المنتصر على ما يسهل نقله من ممتلكات الطرف المهزوم وخصوصاً معدات القتال وخيولاً وغيرها، وكذلك سبي النساء وتحويلهن إلى إماء واسترقاق الرجال والأطفال، وقد يندمجون لاحقاً في القبيلة المنتصرة.

ولم تكن الحروب والمعارك الأولى بين المسلمين والكفار أو اليهود استثناء في أيام الدعوة الإسلامية. ولكن حدثت نقلة كبرى مع حروب الفتوحات الإسلامية لبلدان شاسعة وغنية وذات كثافة سكانية كبيرة مثل أرض العراق وفارس وتركيا ومصر والمغرب، ثم أبعد من ذلك لبلاد السند والأندلس وجنوب أوروبا. وهنا لم يكن ممكناً الاستيلاء على الغنائم ونقلها للجزيرة العربية أو حاضرة الخلافة بل كان المقصود بسط سيطرة الدولة الإسلامية على هذه البلدان المفتوحة، وبالتالي السيطرة أيضاً على مواردها، وإقامة إدارات (إمارات) للأمصار المفتوحة. وهنا أيضاً جرى الاستيلاء على الكثير من الأراضي الزراعية الخصبة التي ألحقت في البداية ببيت المال، لكن أمراء الحكم والقادة العسكريين والمتنفذين من الطبقة الحاكمة استولوا لاحقاً على هذه الأراضي، وكذلك اتخاذ الكثير من النساء كجوارٍ وإماء أو محظيات أو زوجات، واسترقاق الكثير من الرجال وخصوصاً أصحاب الحرف، حتى بعد أن يسلموا. ورغم دخول غالبية سكان البلدان المفتوحة في الإسلام، فقد تلازمت ظاهرة الجواري والإماء والأرقاء والعبيد مع الحكم الإسلامي حتى العقود الأخيرة، ولا تزال آثاره موجودة في موريتانيا مثلاً.

ويوثق التاريخ أن الإنجليز فرضوا اتفاقيات على مشايخ الخليج العربي بتحريم تجارة العبيد أولاً ثم تملُّك العبيد والإماء، حتى تم ذلك في النصف الثاني في القرن العشرين. وإذا كان تملك الأرض والبشر أو استرقاقهم قد انتهى، فإن عقلية الغنيمة لم تنتهِ بل انفتحت أمامها أبواب واسعة، وخصوصاً مع انتهاء سلطة الضبط الاستعماري وتسنم النخب المحلية سلطات الحكم وعلى مراحل متفاوتة للبلاد العربية.

وتدريجياً تراجع مفهوم الأرض الرحمانية (غير المملوكة) أو المشاعة، والأراضي الأميرية أي التي تعود إلى الدولة، مع تصاعد الأهمية الاقتصادية للأراضي لاستخدامات الزراعة والعمران، وهكذا برزت واتسعت ظاهرة الإقطاع في بلاد العرب، حيث يستولى المتنفذون بمختلف تشكيلاتهم مثل زعماء العشائر والمناطق، ورجالات الحكم من عسكريين ومدنيين وبالطبع النخبة الحاكمة من المنتمين للعشائر الحاكمة أو البيوتات الملكية (ملكية أو جمهورية)، والمتحالفين معهم على الأراضي ذات القيمة الاقتصادية أو الواعدة. وبالنسبة للبلدان التي اكتشف واستثمر وصدر فيها النفط، وبدأت عوائده بالتدفق، كما ظهرت الحاجة السريعة إلى إقامة بنى تحتية من موانئ ومطارات وطرق، ومؤسسات حكومية للتعليم والصحة والأشغال والكهرباء وغيرها، والتوسع العمراني بشكل عام وظهور مدن جديدة وتوسع أخرى فقد أضحى للأراضي المشاعة وغالبيتها صحراوي، قيمة اقتصادية، ولقد ترتب على ذلك ما يعرف في الخليج بظاهرة البراميل، أي تحويط الأراضي بالبراميل الفارغة كإعلام للاستيلاء عليها من المتنفذين. وهكذا شهدت بلدان الخليج ظاهرة محمومة، بالاستيلاء على الأراضي المشاعة، ولم تتوقف هذه الظاهرة حتى اليوم، بل برزت ظاهرة ردم البحر، واستيلاء المتنفذين على الأراضي المطمورة ذات القيمة الاقتصادية العالية.

وباستثناء بلدان الخليج والمغرب والأردن التي استقرت على نخب ملكية حاكمة، فإن باقي البلدان العربية قد شهدت ثورات وانقلابات وتقلبات في سلطات حكمها ولكن ظل هناك قاسم مشترك في البلدان العربية، وهو الجسم الأساسي للنخب الحاكمة والتجارية المتشابكة في مصالح متداخلة، والتي تمتلك أوسع الأراضي الزراعية والعقارية والصناعية ذات القيمة الاقتصادية الأعلى وهي في توسع مستمر على حساب أراضي الدولة، وكما الأراضي فإن ذات مفهوم الغنيمة ينطبق على مصادر الثروة الطبيعية، وخصوصاً النفط والغاز والفوسفات والذهب والمعادن الأخرى، فإذا ما راجعنا اتفاقيات التنقيب عن النفط أولاً ثم الغاز ثانياً، فإنها تمت بين الشركات الأجنبية والحاكم الفرد أو زعيم العشيرة الحاكمة، وليس مع الحكومة أو الدولة.

صحيح أنه جرت تعديلات لاحقة على العقود مع نيل الاستقلالات، ولكن ظل مفهوم الغنيمة عميقاً وسائداً. وباستثناء الكويت كما أعتقد، فإنه لا يمكن معرفة دقيقة بمداخيل النفط والغاز الحقيقية، وكم منه يذهب إلى خزانة الدولة. وهذا ينطبق إلى حد ما على موارد طبيعية مثل الفوسفات في المغرب والأردن. ويعود الفضل إلى النفط والغاز والذي اكتشف في أفقر البلدان العربية (الخليج وليبيا)، وتستثنى الجزائر، في تحويلها للصحراء القاحلة إلى عمران زاخر بالحيوية والسكان والنشاط ولكن مترافقاً مع تملك النخب الحاكمة وشركائها من تجار وزعماء عشائر على أهم الملكيات العقارية والنشاطات الاقتصادية فيما هو أقرب إلى الاحتكار. وكما الموارد الطبيعية، اعتبرت الأموال العامة، ومعظمها حتى اليوم متأتية من ريع النفط والغاز، غنيمة أيضاً. ولذا لا يعرف بالتحديد المداخيل والمصاريف العامة لأي بلد عربي. وانطلاقاً من ذات العقيدة يجرى ترسية العقود الحكومية، على المتنفذين من النخبة الحاكمة وشركائها في الأعمال، وقد بددت مليارات من الأموال العامة، وتزخر تقارير دواوين الرقابة إن وجدت كما هو الحال في الكويت والبحرين، بوقائع نهب المال العام.

وهناك مصدر آخر خطير وهو صفقات السلاح والإنفاق العسكري والأمني والذي يحاط بقدر كبير من السرية، والردع القاسي لمن يناقشه، حيث نقرأ كل يوم عن صفقات بالمليارات، المرتبطة بالطبع بعمولات وصفقات محلية مكملة.

وتصدر منظمة الشفافية الدولية، فرع المملكة المتحدة، تقريراً سنوياً عن «الفساد في القطاع العسكري والأمني في العالم»، ومؤشر الفساد في هذا القطاع لـ 140 دولة تقريباً، وسيصدر التقرير الخاص بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا هذا العام مترافقاً مع انعقاد المؤتمر الذي ينظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (حوار المنامة) في أواخر هذا الشهر. وتعتبر بلدان الخليج في مقدمة البلدان التي تستأثر بالنصيب الوافر من صفقات التسلح في قيمتها بالطبع وليس في مردودها وفاعليتها.

وإذا انحسرت ظاهرة أخذ الأسرى وأهلهم كغنائم، فقد أحيت «داعش» وإلى حد ما حركات تكفيرية أخرى، مفهوم غنائم الحرب من البشر، ويشمل ذلك المهزومين أو الذين فتحت أراضيهم، من أتباع الديانات الأخرى كالمسيحيين والإزيديين والأكراد والتركمان، وكذلك ممن لا يعتنقون عقيدتهم التكفيرية من المسلمين سنّة وشيعة وعلويين ودروزاً، حيث يتم قتل الأسرى، واسترقاق النساء وفرض الجزية على غير المسلمين، وفرض الزكاة على المسلمين والأتاوات، وهكذا أكمل الزمان دورته، وعدنا إلى زمن الفتوحات الأولى.

صدر الكثير من الأدبيات الاقتصادية والاجتماعية بمختلف اللغات، ومنها الاقتصاد الريعي المعتمد على مصدر طبيعي شبه وحيد كالنفط أو الغاز أو المعادن وتجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، حيث تصل بعض خيراته إلى عموم المواطنين وأسهمت بالتأكيد في نقل بلدان بأكملها من الفاقة إلى الرفاهية. لكن حقبة جديدة تتشكل لتكتمل ملامحها وهو الاقتصاد الغنائمي والدولة الغنائمية، حيث يتم الاستيلاء على معظم موارد الدولة وينحسر عن عموم المواطنين.

ويعتبر المفكر اللبناني وضاح شرارة في كتابه «الأهل والغنيمة» الصادر في الستينيات رائداً في معالجة ذلك، كما أن لبنانياً آخر وهو أديب نعمة، الخبير لدى الأمم المتحدة، قد أصدر كتاباً بعنوان «الدولة الريعية»، يشخص فيه مرتكزات وتجليات الدولة الغنائمية العربية المعاصرة.

إن هناك بالفعل حاجة لمراجعة مسلّمات لفترات طويلة من الزمن ومنها الدولة الريعية الأبوية، وتشخيص الدولة الغنائمية المتوحشة والمحتكرة للسلطة والثروة، وبالطبع مصادر وتراث الغنائمية في تاريخنا وبنيتنا الاجتماعية والذهنية، كمقدمة ضرورية لبناء مجتمع عربي معافى ومعاصر يستطيع العيش والبناء بكل مكوناته العقائدية والدينية والقومية، وبناء دولة عادلة لكل أبنائها وتقييمها وتسهم معاً في الحضارة الإنسانية.

إقرأ أيضا لـ "عبدالنبي العكري"

العدد 4837 - الجمعة 04 ديسمبر 2015م الموافق 21 صفر 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 12:08 ص

      الغرب ينظر لنا كغنائم ..

      هذا حال الشعوب العربية ونحن منها ان الغرب ينظر الينا نظرة الغنيمة والحكام ينظرون لنا نظرة العبيد لديهم
      الكل يلعب بخيراتنا واذا تكلمنا فتهمة الارهاب جاهزة والمعتقلات كثيرة

اقرأ ايضاً