العدد 5106 - الإثنين 29 أغسطس 2016م الموافق 26 ذي القعدة 1437هـ

في ذكرى انهيار امبراطورية عظمى

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

تمرّ هذه الأيام ذكرى مرور خمسة وعشرين عاماً على سقوط الاتحاد السوفياتي، إحدى القوتين العظميين، التي سيطرت على جزء كبير من فضاء السياسة الدولية، في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

هذه الامبراطورية العظمى ذات القوة النووية، سقطت بفعل عوامل الانهيار الكامنة في الداخل، من فساد ومحسوبيات وقمع حريات، أكثر منها تدخلات خارجية أو مؤامرات. فخلال بضعة أيام، ما بين 19 و23 أغسطس/ آب 1991، وقع انقلابٌ فاشلٌ من الحرس القديم ضد الرئيس المنتخب بوريس يلتسين، انتهى إلى تفكّك وانهيار تلك الامبراطورية الكبرى، وولادة عشرات الجمهوريات المستقلة وذات الحكم الذاتي، لترث روسيا الاتحادية الترسانة النووية للاتحاد السوفياتي ومقعده بمجلس الأمن.

في هذه المناسبة، أجرت قناة (RT) الروسية، مقابلة مع الكسندر روتسكوي، وهو ممن وقفوا ضد الانقلاب فعيّنه يلتسين نائباً له، لكن سرعان ما حاول التخلص منه، بعد أن «تورّط» في كشف الفساد وعمليات النهب المنظم لثروات البلاد، في ظل مشروع الخصخصة الذي تبناه يلتسين.

ألكسندر روتسكوي لواء جوي، تخرّج في أكاديمية غاغارين الجوية العسكرية، وشارك في الثمانينات في حرب أفغانستان، وقام بـ428 طلعة قتالية. وهو الذي شارك في فكّ الحصار عن غورباتشوف بجزيرة القرم أيام الانقلاب ونقله إلى موسكو. وحين عُيّن نائباً للرئيس، شكّل لجنةً حكوميةً لمكافحة الفساد، وأخذ يسير في الاتجاه المعارض ليلتسين.

في المقابلة، يذكر روتسكوي بعض قصص الفساد، كنماذج من تلك الفترة المضطربة، التي جرت فيها استباحة روسيا وبيعها بالقطعة للسماسرة المحليين والأجانب، وكانت سبباً لتأجيج الوضع ضد يلتسين، كما تفسّر أيضاً، هذه العودة القوية لروسيا إلى المسرح الدولي هذه الأيام.

يذكر روتسكوي أن 5 ملايين طن من البترول، مثلاً، بيعت دون أن تدخل إلى خزانة الدولة، وأن 3 أطنان من الذهب الروسي اختفت في الطائرة التي كانت تنقلها من موسكو إلى سويسرا. كانت هناك طبقةٌ من «المتملقين والوصوليين»، بحسب وصفه، تقبض على خناق روسيا، لتعبث بالبلد وثرواته، بينما كان علماء الاقتصاد الروس مبعدين عن دائرة الاهتمام أو الاستدعاء للمساعدة في وضع خطة إنقاذ لبلدٍ ينهار اقتصاده.

من الشواهد التي ذكرها روتسكوي، أنه تم شراء ساعات تعلّق على الشوارع، بمبلغ 150 مليوناً، فعلّق المذيع: يعني أنها يفترض أن تغطي كل شوارع موسكو، فسأله: وهل شاهدت أنت هذه الساعات في الشوارع؟ فأجابه: لا.

روتسكوي ذكر أنه لم يتجسّس على المسئولين الحكوميين، ولم يزرع أية أجهزة تنصت سرية في إطار تحقيقاته في قضايا الفساد، بل كان يراجع ويدقق في الوثائق الحكومية والاتفاقيات الرسمية، ما يدل على مدى ما كان يطفح به الجهاز الحكومي من فساد. هذا البحث والتنقيب، دفع يلتسين إلى إقالته للتخلص منه في 1993. وهنا سأله المذيع: لماذا جاء بك من الأساس إذا كان يعرفك جيداً؟ فأجابه: «على أساس أني سأعثر حتماً على فضائح كبيرة، وسيعرض عليّ أحدهم رشوةً كبيرةً، فأقع في الفخ، ويأتوني متلبساً بالجرم».

الآن حيث تكتب قصة انهيار الاتحاد السوفياتي، يذكر المؤرخون أن امبراطورية عظمى لم تسقط نهاية القرن العشرين بسبب غزو خارجي أو حرب، وإنما انهارت من الداخل دون طلقة رصاص واحدة، وسقطت كالنخلة الخاوية بعد أن نخرها الفساد.

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 5106 - الإثنين 29 أغسطس 2016م الموافق 26 ذي القعدة 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 16 | 1:35 م

      هلا هلا!
      مقال مثير وجميل .
      نتمنى مقالا آخر يدور حول مسلسل "ديوان السبيل" لعملاق الفن الخليجي عبدالحسين عبدالرضا والمبني على مقال لعالم الاجتماع المصري الراحل الدكتور حسين مؤنس رحم الله

    • زائر 14 | 7:19 ص

      التعليق رقم (2) يذكرني ببعض العقليات المتكلسة في حقبة الحرب الباردة،خاصة عن الغرب الغني الذي لا يمكن أخفاء تاريخه الاستعماري في الماضي والحاضر وعن تجارة السلاح والدمار والموت ،حيث منطقتنا العربية بأحداثها الدموية الحالية ،من الحروب بالوكالة وتفكيك وتدمير الدول وتهجير شعوبها وتحريك مليارات من صفقات السلاح من خلال الاستفادة من الأوضاع السياسية المتخلفة،هذا هو غربك الغني الذي يعاني من أزمات اقتصادية ومالية يتم سدها وأخفاء عيوبها من خلال اشعال الفتن وتدمير المنطقة وسرقة ثرواته وعودة الهيمنة ....

    • زائر 13 | 3:55 ص

      كانت إمبراطورية فاشلة شعبها من أفقر الشعوب ومتاخرة عن العالم الغربي ماعدا الصناعات الحربية هي مع حليفاتها وتصدر لبلدان العالم الشيوعية الفاشلة

    • زائر 12 | 3:44 ص

      التسمية الخاطئة
      قد لا نتفق معك في التسمية وقراءتك الخاطئة والمبسطة لأعظم تجربة إنسانية هزت كيانات التسلط واستغلال الإنسان وغيرت الكثير من ملامح استغلاله في عمق قلاع الرأسمالية الشرسة ،بجانب تأثيرها العالمي على حركة التحرر الوطني العالمية،كما أن تفكيكها تم بفعل فقدان أمكانية تطوير العلمي والنظري لتلك التجربة ،و من الجهالة كذلك عزل التأثيرات والمصالح والقوى الخارجية في التفكيك حيث هناك مخزون كاف من الوثائق التي تؤكد أهمية تلك العوامل ..مع التحية س.د

    • زائر 11 | 2:31 ص

      كانت النهايات وثمار ما يسمى بالحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية والسوفييت الذين ركزوا على الصناعات الحربية الثقيلة وعلوم الفضاء المكلفة وعاشوا فراغا اقتصاديا في الداخل لم يلبي متطلبات الشعوب السوفيتية وكان هناك فراغا زمنيا في المظاهر المعيشية بينهم وبين الغرب ، نال سخط اجيال الشباب الجديدة الذين لم يستوعبوا تضحيات الآباء والاجداد ونجحت نظرية الكاكاولا والماكدونالد في تسريع تفكك السوفييت مع المؤامرات الخارجية وتداعيات ما ذكرته

    • زائر 6 | 1:10 ص

      الفساد ثم الفساد ثم الفساد

    • زائر 5 | 11:59 م

      درس من التاريخ

      نأمل ان لا ننسى تاريخ الأمم حتى لا نزايد على ما يحدث في واقعنا المعاصر ...

    • زائر 3 | 11:29 م

      أحسنت استاذي. مقال راقي وعبرة لمن يعتبر. اتمنى ان تصل الفكرة للجميع، وأن لا تضيع الغاية بتسييس البعض للقضية.

اقرأ ايضاً