العدد 5164 - الأربعاء 26 أكتوبر 2016م الموافق 25 محرم 1438هـ

لا ينقصنا «مديح الظل العالي»

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

الذين يُنكبُون في أوطانهم تنبت لديهم حاسة إضافية تجاه الأرض التي نبتوا فيها، أو تميل طينتهم إلى طينتها. حاسة تتعلق بالوجود الذي تمَّ العبث به، وتدويله وتدويره. أن يقتحم غرباء البيت فيقيمون فيه، تاركين لك إملاء أن تسكن على الرصيف أو في البحر أو القبر. يستبدلون متاهتهم التي جاؤوا منها بمتاهة يستأنفها أهل الأرض الأصليون.

فلسطين لم تكن في يوم من الأيام مديح التسلية في الجهات الأربع، كي تكون اليوم خطأ جغرافيّاً علينا تصحيحه بقبول المبادرات والاشتغال على التطبيع تماماً كالاشتغال على حفْر القبور الجماعية لمجزرة متوقعة.

لم تعُد لعبة الشطرنج في ترنّح السياسات تُجدِي. لم تعُد الهرولة باتجاه الجحيم تعِد حتى بجنّة افتراضية. كل هذا الهول الممتد من الماء إلى الماء يريد طمس ما تبقى من العرب والمسلمين وأحرار العالم من روح. هل ثمة روح في هذا العدم الذي يختال وسط كل هذا السراب من الأبراج الشاهقة وحفلات الكوكتيل السرية والعلنية؟ هل ثمة روح والذين ينتظرون العودة إلى قراهم ومدنهم في الشتات المتواطئ مع ما حدث مازالوا يؤمنون بحقهم الوجودي والتاريخي والأخلاقي وسط كل هذا البيع بالجملة والمفرق؟

ليست الأرض وحدها هي المحتلة، فثمة فضاءات تم احتلالها بذلك التنسيق في الفضاءات الافتراضية، تراقب الذين مازال فيهم عصَب حي، ومازالوا يؤمنون بواقع العودة لا أسطورته. ليست الأرض وحدها التي تقدّم كشف التواطؤ والتآمر وبيع من لا يملك حق من يملك.

كل خطوة يقطعها سياسي في طريق أن تتهوَّد الأرض، وفي طريق الثناء على الجلاد والمحتل من جهة، وإدانة الضحية والمُهجَّر، هي ضربة في مقتل للأخلاق والقيم منذ سال الدم الأول على هذه الأرض حتى قيامة العودة، وحتى قيامة التعبير عن الأساسي من الخلاص وليس الضروري منه فحسب.

في هذه التراجيديا التي يُراد لها أن تتأبَّد، لم يكن من قبيل المصادفة أن يمعن المهرولون في إضفاء مزيد من المأساة على ما حدث، بفعل تمهيد القطيع لـ «سلام» مع الذئب. فالإخوة أنفسهم من افترسوا الأخ حيّاً بذلك الخذلان الموجع والتآمر، ولم يكن الذئب سوى قدّيس كان في المكان الخطأ والتوقيت الخطأ!

مدنٌ ليلها كُحْليٌّ؛ ليس بفعل التلوث البيئي، بل بفعل التلوث في المواقف الذي أصاب المعدن قبل أن يصيب عظامنا ودمنا وجيناتنا بالعطب والصدأ والتكلّس. ثم إنه لا يمكن فهم هذا الغزل الإعلامي الذي يشبه مراودة القاتل إلا باعتباره ضوءاً أخضر كي يحرق ما تبقى من الحياة، أو ما يدل عليها. ولا يمكن فهم الزيارات المكوكية المنكشفة على الإعلام لاختبار رد فعل القطيع، وتلك التي تتمُّ في أعلى درجات السرية سوى وضع الختْم النهائي على تنازل أطراف لا تملك الحق في بيع الوهم كي تملك الحق في بيع واقع هو الدليل الوحيد والامتحان الأخير على أن العرب والمسلمين مازالوا من رعايا هذا الكوكب، ولن يكونوا رعايا حتى للمجاز فيما لو تم تمرير فلسطين من فوق الطاولة أو من تحتها في ظل مشاريع تقسيم الحارات والمجمَّعات قبل تقسيم الخرائط التي بات أمر تنفيذها مسألة وقت!

ليس «مديح الظل العالي» في نص محمود درويش ذات اقتلاع تم في ذروة تنسيق العدو مع الصديق كي يتلاشى المقاومون في البحر والسفن التي ستحملهم بلا هويات في الهجرات، بقدر ما هو مديح ظل الحياة، والقدرة على إثبات أن الروح ليست سائلاً يمكن تعبئته في مصانع كوكا كولا وغيرها من شركات التواطؤ. هو مديح الموت أيضاً مادامت الحياة بشروط العهد الجديد ونبوءة التوراة ليست سوى موت إضافي في بلد مجهول. وفلسطين ليست موتاً، وليست مجهولاً كي نقرأ النعي من منصات تل أبيب.

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 5164 - الأربعاء 26 أكتوبر 2016م الموافق 25 محرم 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 3:06 ص

      مقال رائع

    • زائر 3 | 1:51 ص

      شكرا لك

      شكراً لكتاباتك الهادفة .....ولكن أسلوب المفردات يصعب علينا أن نفهمها نحن القراء العاديين ....حبذا لو تكتبها ببساطة

    • زائر 2 | 1:49 ص

      كيف نريد من من تنعم بوسادتهم وشرب من كاسهم ثم ادمن على مصادقتهم ان يكون حملا وديعا لان تريد ان تعرف الشخص فاعرف صديقه اولا

    • زائر 1 | 12:08 ص

      أحسنت المقال

اقرأ ايضاً