العدد 5222 - الجمعة 23 ديسمبر 2016م الموافق 23 ربيع الاول 1438هـ

اليسار العربي... الانبثاق والنهوض والانحسار (1 – 3)

عبدالنبي العكري comments [at] alwasatnews.com

ناشط حقوقي

نظم معهد الدراسات الشرقية الألماني (OIB) في بيروت منتدى بشأن اليسار العربي في صيرورته التاريخية خلال يومي 12 و13 ديسمبر/كانون الأول، وجرت أعماله باللغة الإنجليزية.

وقد شارك في المنتدى عدد من الأكاديميين والباحثين في الجامعات، ومراكز البحوث الغربية والعربية. وشمل المنتدى إلى جانب جلستي الافتتاح والختام، عشر جلسات، حيث امتدت أعمال المنتدى من التاسعة صباحا حتى السابعة مساء، مع استراحات قصيرة. وقد دمج المنتدى بين الدراسات الشاملة التي تركز على الحركة اليسارية عبر الوطن العربي، وتلك التي تركز على بلد عربي بذاته، كما دمج بين دراسات الحركات أو التنظيمات والشخصيات اليسارية، وقد انضوى ضمن تيار اليسار. كما ناقش المنتدى الاتجاهات والتنظيمات الشيوعية والماركسية والقومية اليسارية والوطنية اليسارية.

ويمكن القول إن المنتدى عرض لصيرورة اليسار في المغرب والجزائر وتونس ومصر وفلسطين ولبنان وسورية والعراق واليمن الجنوبي. وفي حين عقدت ندوة بشأن «ثورة ظفار»، وبهذا فإن الخليج غائب تماما، ما عدا ورقتي التي وزعتها بشأن اليسار في الخليج، والتي سبق أن قدمتها في مؤتمر بجامعة أكسفورد في أبريل/ نيسان2016، وينتظر أن تصدر أعمال الندوة في كتاب بالإنجليزية والعربية لاحقا.

من الصعب عرض جميع الأوراق المقدمة للمنتدى، والنقاشات التي دارت حولها، ولكن سأحاول أن أعرض أهم الأفكار الواردة فيه.

افتتح المنتدى بكلمة للمدير العام للمعهد شيفن ليدر، نوه فيها إلى أهمية عقد هذا المنتدى، وخصوصا في ظل الأوضاع المضطربة، وسنوات التحول التي يشهدها العالم العربي، وما يشهده من تدمير وخراب، ومن ذلك تدمير وحرق المكتبات، وبالتالي تدمير الأرشيف، وخصوصا أرشيف اليسار الذي عانى لعقود من المصادرة والتدمير، ولتطرح الأسئلة من جديد بشأن دور اليسار فيما يجري. ثم ألقت لور جيرجس منسقة المشروع كلمة شرحت فيها التحضيرات لعقد هذا المنتدى، والمعايير في اختيار المشاركين والعقبات التي واجهتها.

خصصت الجلسة الأولى لموضوع القومية العربية واليسار، حيث الرئاسة والمناقشة لكل من مارلين نصر من معهد الدوحة للبحوث وموسى بوديري، أستاذ جامعي من جامعة بيرزين، وشارك فيها كل من داليا حمزة من جامعة مونتريال بشأن سيرة حياة أحد رواد اليسار العرب القوميين طارق درويش، والذي ولد في بغداد ودرس في برلين وبيروت، ثم عاد إلى العراق ليسهم في وضع مناهج التعليم ذات التوجه القومي والتحرري في العراق وسورية وفلسطين، ويعتبر من تلاميذ مدرسة المؤرخ فيليب حتي. وربطت داليا درويش مجموعة رواد التنوير القومية مثل: ماطع الحصري، ومحمد رشيد رضا، ومحمد عزت، دروزه، وأنيس النصولي، وأكرم زعيتر، والذين بشروا بالفكر القومي التحرري.

الورقة الثانية لماثيوري من مركز الدراسات الفرنسي (CNRS) وموضوعها البعث؛ تجربة أصيلة لاختيار أفكار اليسار، وقد استعرض فيها تبلور فكرة البعث من قبل الأرسوزي وميشيل عفلق، ثم احتضان هذه الأفكار من قبل مجموعات طلابية وأندية ثقافية في سورية أولا، ثم انتشارها إلى عدد من الأقطار الشرقية، ثم مرحلة تشكيل حزب البعث العربي الاشتراكي، وما يحمله من فكر نهضوي، واختزال استراتيجيته في الشعارات الثلاثة؛ وحدة، حرية، اشتراكية. ثم يعرض المؤلف لتجربة البعث في الحياة السياسية العملية، على المستوى الوطني (سورية) والقومي (الوحدة وفلسطين)، وفي مختلف ميادين العمل السياسي الجماهيري والبرلماني، والتنظيمي المدني والعسكري، وقد عرض المؤلف لنقاط مهمة، ومنها مراوحة الحزب بين المراهنة على العصيان المدني، أو اختزال التغيير والوصول للسلطة من خلال الانقلاب العسكري، وهو ما تحقق في العراق وسورية، لكنه أدى إلى هيمنة العسكر على الحزب والسلطة والحياة السياسية، وتحول الحزب إلى واجهة ليست ذات فاعلية، ومن ثم انحسار الحزب، وتشققه مع انحيازات أجنحة لليسار الماركسي، بل وتحولها الى معارضة حكم الحزب. كما عرض لتجربة الحزب في قضية الوحدة، كما في تجربة الوحدة المصرية السورية، والموقف من الانفصال، ثم في محاولة الوحدة الثلاثية المصرية السورية العراقية، ثم الثنائية السورية العراقية، والتي أخفق فيها الحزب تماما وضربت صدقيته الجماهيرية، بل إن الوضع تدهور الى مواجهة لشفير الحرب بين نظامي البعث في سورية والعراق، وهامشية في الكفاح الفلسطيني.

الورقة الثالثة لسون هوجبيل بشأن إعادة تركيب مفارقات ايديولوجية خالد بكداش والقضية الفلسطينية، ويعرض سون للحياة المديدة والحافلة لخالد بكداش الزعيم المنفرد للحزب الشيوعي السوري اللبناني حتى 1944، ومع استقلال الحزبين تماما، ثم الحزب الشيوعي السوري حتى وفاته في 1979، وخلفته زوجته فرحة بكداش على غرار الأحزاب الشيوعية الشمولية. ويقدم سون، بكداش كنموذج للشيوعي العتيق الموالي والمؤمن بسياسات وقيادة الحزب الشيوعي السوفياتي والاتحاد السوفياتي، حتى ولو تعارضت مع مصالح شعبه وأمته، ويقدم سون لمواقف بكداش تجاه القضية الفلسطينية في مفصل حاسم وهو اعتراف الاتحاد السوفياتي بقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، واعترافه بدولة إسرائيل في مايو/ أيار1947، بعد أن ظل يرفض فكره التقسيم وقيام دولتين إسرائيلية وعربية سابقا في تطابق مع مواقف الاتحاد السوفياتي، ويعرض سون، لصراع بكداش مع رفاقه اللبنانيين والسوريين مثل فرج الله الحلو وغالب الترك، ما أدى لاحقا الى انشقاقات داخل الحزب الشيوعي السوري.

الورقة الرابعة قدمها جيفري باين من جامعة برتيش كولومبيا الكندية: التوفيق بين العروبة والأفرقة والأممية الاشتراكية في الثورة الجزائرية لما بعد الاستقلال.

اندلعت الثورة الجزائرية في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني1955، ونالت الجزائر استقلالها من فرنسا في عهد محرر فرنسا الرئيس ديغول في 2 يوليو 1962، وظلت فرنسا متشبثة بالجزائر باعتبارها جزءا من التراب الفرنسي، ولذا كانت الحرب عنيفة وقاسية، حيث استشهد نحو مليون ونصف المليون الجزائري، وكانت التركة الاستعمارية ثقيلة جدا، حيث كان هناك نحو مليوني مستوطن فرنسي يهيمنون على الاقتصاد الجزائري، كما أن الثقافة السائدة والتعليم والاعلام كان فرنسيا، حتى أن الرئيس الجزائري أحمد بن بيلا كان يخاطب الشعب الجزائري بالفرنسية، وانعكست هذه الوضعية على التجاذبات الايديولوجية لجبهة التحرير الجزائرية بين الإسلام واليسار، ولم يفلح تبني الجزائر للقاعدة الذهبية الثلاثية؛ (الجزائر وطننا والإسلام ديننا والعربية لغتنا)، في فك الاشتباك في انتماءات الجزائر المغاربية والعربية والإفريقية والأممية. وكانت محاور السياسة الخارجية الجزائرية العمل لتحقيق الوحدة المغاربية استنادا الى «إعلان وجدة»، ودعم الوحدة الإفريقية، ودعم حركات التحرر في القارات الثلاث، وقدم الباحث وقائع على هذه التوجهات. وما هو جدير بالذكر أن الرئيس الجزائري أحمد بن بيلا، وفي أول زيارة له في الخارج إلى القاهرة، خاطب الجمهور بالفرنسية في مفارقة واضحة تعكس التعقيدات في البنية الثقافية للفرد الجزائري الموزع بين فرنسا والجزائر. كما عرض الى التوجهات الاشتراكية الراديكالية لبن بيلا وتأثيرات المفكر الإفريقي فرانس فانون، ما عكس صراعا داخل جبهة التحرر والنظام توج بانقلاب قاده قائد الجيش هواري بومدين في يونيو/ حزيران1965، وكاد يؤدي الى حرب أهلية، وهي انقسامات لاتزال الجزائر تعاني منها، وتسببت في تعثرات أدت الى ما نعرفه من حرب أهلية بين الجبهة الإسلامية من ناحية والدولة الجزائرية من ناحية أخرى، كما أن الجزائر كانت محل تجاذب بين الصين والاتحاد السوفياتي، وكونها من قيادة كتلة عدم الانحياز فقد واجهت مشاكل كثيرة من الشرق والغرب، وكونها من مؤسسي وقادة الوحدة الافريقية، فقد أدخلها ذلك في صراعات مع الغرب وخصوصا في ضوء تطورات الكونغو واغتيال قائد الاستقلال لومومبا، ومواجهة مع أنظمة افريقية متعصبة.

الورقة الخامسة قدمها جينارو جريفاسيو، الإيطالي المقيم في مصر بعنوان «ما بين العروبة والشيوعية... اليسار الراديكالي المصري في السبعينات».

منذ البداية حذر الباحث من غموض تعبير اليسار الراديكالي. برز اليسار الراديكالي إثر هزيمة (نكسة) 1967 كرد فعل على فشل النظام الذي طرح نفسه بأنه ثوري اشتراكي تقدمي واليسار التقليدي الذي يدعمه. ويمكن القول ان اليسار المصري الجديد هو جزء من اليسار العربي الراديكالي، وله خصوصيته أيضاً حيث أن الحزب الشيوعي المصري قد حل نفسه في 1965 وانضم الى الاتحاد الاشتراكي، حزب النظام الحاكم، وقد عمد عبدالناصر الى اتاحة بروز اليسار من خلال خصهم بمجلة الطلبة، والتي كان يرأسها لطفى الخولي وكان يمثل اليسار في قمة السلطة خالد محيي الدين، عضو قيادة الثورة سابقا. لكن هزيمة يونيو 1967 شكلت ليس فقط هزيمة عسكرية للنظام؛ بل هزيمة سياسية، وطرحت تساؤلات عدة بشأن صحة نهجه وخياراته الايديولوجية وخصوصا في أوساط الشباب. وقد استند الباحث الى أرشيف غير منشور لصيرورة اليسار الراديكالي في السبعينات، والتي تميزت بحوادث مصرية وعربية جسام، ومنها الانقلاب الساداتي على ما يعرف بمراكز القوى، أي معظم قيادات ثورة يوليو اليسارية، وحرب اكتوبر 1973 والتي وظفها السادات لتغيير المسار كليا لمصر باتجاه الغرب والتصالح مع إسرائيل، وكذلك مخاضات الثورة الفلسطينية منذ مجزرة سبتمبر/ أيلول1970، وتمدد التيار الإسلامي في مصر، والتحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في مصر باتجاه الرأسمالية التابعة. وقد أسهم ذلك وغيره في ارباك اليسار المصري وخصوصا اليسار الراديكالي. ولهذا فقد انحسر وجود اليسار الراديكالي في الجامعات وأوساط المثقفين، ولم يستطع أن يخلق قاعدة في أوساط العمال والفلاحين، وعرض الباحث لإعادة قيام الحزب الشيوعي المصري في 1 أغسطس/ آب1975 في ظل مناخ القمع وتشويه المجتمع المصري، وزحف الإسلام السياسي مما لم يساعد الحزب في التطور، كما عرض الباحث لبروز وتوجهات عدد من المنظمات اليسارية الراديكالية حزب «العمال الشيوعي المصري» والذي تبنى خطا أمميا ثوريا مستلهما تجارب فيتنام والصين وكوريا وأفكار هوش منه، ومارتسي نونج وكاسترو وجيفارا، وقد تضافر قمع نظام السادات وتمدد التيار الإسلامي في انحسار اليسار.

إقرأ أيضا لـ "عبدالنبي العكري"

العدد 5222 - الجمعة 23 ديسمبر 2016م الموافق 23 ربيع الاول 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 3:26 ص

      شكراً وتحية للأستاذنا المناضل، وبانتظار البقية. إن لم أكن مخطئاً لدينا ٤ جمعيات يسارية في البحرين إذا اتحدت في جبهة شعبية-كما في تونس- أعتقد أنه سيشكل ثقلاً أكبر (وطبعاً ستحاول السلطة منع ذلك كما فعلت مع الوفاق بسبب شعبيتها الكبيرة)، كما أن مراجعة الأخطاء والنقد الذاتي سيطور من عملها، وتصحيح أخطاء الماضي والذي بعضها كان قاتلاً، فأنا متفائل بنهوضه من جديد رغم هيمنة الجمعيات الطائفية والدينية حالياً.

    • زائر 1 | 9:51 م

      اليسار العربي لم يكن إلا حصان طروادة للأقليات حتى تخترق العمل السياسي...

    • زائر 4 زائر 1 | 4:28 ص

      موفق جهد طيب

اقرأ ايضاً