الوسط - عادل مرزوق
خلال الأشهر القليلة الماضية، كانت الطائفة الشيعية في المنطقة الشرقية بالشقيقة الكبرى السعودية منقسمة على نفسها، بين من يرى ضرورة أن تعود المرجعيات المحلية من جديد، وبين مَن اعتبر مثل هذه الأطروحة «كلمة حق يراد بها باطل».
دعوات العودة أو تفعيل المرجعيات المحلية استندت بالأساس إلى أن المنطقة، والمقصود هنا عموم المنتمين للمذهب الشيعي في شرق المملكة العربية السعودية والبحرين وباقي دول مجلس التعاون، كانوا في الكثير من الأوقات يعودون لمرجعيات دينية محلية، وخصوصاً حين كان التيار «الإخباري» تحديداً يمثل الأغلبية المطلقة بين أبناء المنطقة، وكان الفقهاء مثل الشيخ يوسف العصفور والشيخ حسين العصفور والشيخ عبدالله الستري يتسيدون الساحة منذ مطلع القرن الثامن عشر حتى القرن التاسع عشر، وأمتد أثرهم حتى نهاية القرن العشرين .
على مدى ثلاثة قرون مضت، كانت المرجعيات المحلية في الخليج العربي والبحرين خاصة، متوهجة بالعديد من العلماء والمراجع المجتهدين الذين كان أبناء المنطقة يعودون لهم في مسائلهم الدينية والاجتماعية، ولقد مثلت الحركة العلمية في الخليج آنذاك منبراً من منابر المعرفة في الاجتهاد والفقاهة الشيعية على المدرستين الأصولية والإخبارية.
«قم» والنهوض على أنقاض «النجف»
وفي حين يمثل المرجع الراحل محمد أمين زين الدين آخر المراجع البارزين (من المدرسة الإخبارية البحرانية) في المنطقة، تفردت حوزتا قم والنجف في استقطاب مجموع الشيعة في تقليديهم الديني، ومع ضمور دور حوزة النجف إبان عهد النظام البعثي البائد تعززت المكانة الدينية والعلمية لحوزة «قم» التي كان لها أن تظفر بنصيب الأسد سواء على صعيد تخريج العلماء المجتهدين أو أتباع المقلدين داخل إيران وخارجها، وفي حين بقى الشيعة العراقيون ملتفين حول مرجعية النجف -السيد محسن الحكيم - السيد أبوالقاسم الخوئي - السيد علي السيستاني - تحول العديد من الشيعة في الخليج للمدرسة الأصولية أولاً، ولتقليد المرجعيات الدينية في حوزة قم ثانياً.
لا يبدو هذا الانتقال من الدراسة الإخبارية إلى الأصولية غير اعتيادي، لكن الذي حدث أن انتصار الثورة الإسلامية في إيران وقيام دولة شيعية المذهب والتوجهات قد أثر بشكل مباشر في تلقي الحكومات الخليجية لمثل هذا التحول، إذ فهمت الحكومات الخليجية في هذا الانتقال بعداً سياسياً عززته السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية - مجبرة أو باختيارها - إبان الحرب العراقية الإيرانية، وهو أيضاً، الأمر الذي لاتزال تبعاته مستمرة حتى يومنا الحالي مع سقوط النظام البعثي البائد في العراق وعودة حوزة النجف من جديد للمشهد الديني الشيعي عامة.
لابد من ملاحظة أن الانتقال من المدرسة الإخبارية إلى الأصولية قد أحدث تغييرات جوهرية في بنية التفكير لدى جماعات الطائفة الشيعية في الخليج العربي، وخصوصاً لدى تلك الفئات في البحرين وشرق المملكة العربية السعودية والكويت، من هذه الظواهر إستلهام بعض النظريات الأصولية مثل «ولاية الفقيه» للخميني، أو «شورى المراجع» للشيرازي، إذ لاتزال هذه النظريات الأصولية بكل تمظهراتها في المركز متجلية في شيعة دول الخليج بوصفها الهامش. أما الأهم من ذلك، هو أن المدرسة الأصولية وخلاف ما كانت عليه المدرسة الإخبارية، كانت الأكثر قرباً من العملية السياسية والأكثر مباشرة في إحلال قيمة المشاركة السياسية - إن صح التعبير - عوض قيمة الانتظار للمهدي المنتظر وضرورة الهدوء والمسايرة كما هو الحال في المدرسة الإخبارية.
الانتقال للأصولية وللمراجع الإيرانيين الأصل، ألقى بظلاله على منطقة الخليج العربي خلال السنوات الثلاثين الماضية بتواتر متسارع شديد التعقيد، وهو ما أثر بوضوح على قدرة المنطقة على تجاوز المرجعيات الإيرانية أو النجفية - من أصل إيراني أو حتى عربي - لصالح مرجعيات محلية جديدة. أو إن صح التعبير باتت الطائفة الشيعية في البحرين والسعودية والكويت خاصة، ودول الخليج عامة غير مستعدة لقبول أية مرجعية دينية محلية مهما كانت قدراتها العلمية.
وعلى الرغم من أن المنطقة، البحرين والسعودية خصوصاً مازالت تزخر بالعديد من الأسماء العلمية التي تبدو مؤهلة للظهور بوصفها مرجعيات محلية مطلقة، فإن العديد من هذه الأسماء لا تبدو قادرة على الظهور في هذا الجو المشحون بالزخم الديني لقم والنجف، وخصوصاً أن حدود العملية السياسية في الخليج باتت أكثر صعوبة وتعقيداً، وباتت أية مرجعية محلية - إن وجدت - ستنشأ معرضة للكسر بسرعة.
العدد
2137
الاحد
13
يوليو
2008
الموافق
10
رجب
1429
هــ