العدد 5286 بتاريخ 25-02-2017م تسجيل الدخول


الرئيسيةالأعمدة
شارك:


«كلمة السر» وراء التقارب الاقتصادي مع روسيا

أعتقد أن كلمة «التوازن» هي الكلمة التي تحمل «مفتاح السر» للعلاقات الاقتصادية التي باتت أكثر تطوراً بين مملكة البحرين وجمهورية روسيا الاتحادية في العامين الأخيرين. التوازن هو سياسة القيادة الرشيدة اقتصادياً وسياسياً، ويقولون إن الاقتصاد والسياسة «وجهان» لعملة واحدة، لكن أثبتت الأيام أنهما «وجه واحد» لنفس العملة من شدة ارتباطهما واتساقهما في السنوات الأخيرة.

لقد باتت البحرين في السنوات الأخيرة أكثر انفتاحاً اقتصادياً على جميع دول العالم، فلدينا اتفاقية «تجارة حرة» مع الولايات المتحدة، ونسعى لمثلها مع الاتحاد الأوروبي، ولدينا علاقات طيبة مع روسيا والصين والهند والباكستان وتركيا والفلبين وتايلند، وبالطبع الأشقاء في دول الخليج والعالم العربي.

تقارب الاقتصاد في كثير من الأحيان يهوّن «تقلبات» السياسة وغدرها وتغيراتها، وفي السياسة لم يعد أحد بمأمون، وقد رأينا وسنرى تقلب المواقف والسياسات وفقاً للمصالح والأهواء.

علاقة التقارب الاقتصادي البحريني الروسي كان آخر ثمارها اليانعة البروتوكول الأخير الذي تم توقيعه بين البلدين الأسبوع الماضي، بهدف التطوير والتعاون في قطاع صناعة الألمنيوم.. والذي أقر تعزيز التعاون في مجال التسويق وتبادل المعلومات والتنسيق اللوجستي، وتسليط الضوء على الفرص الاستثمارية للقطاع الخاص في كلا الجانبين، كما تم الاتفاق على التعاون المشترك في مجال تطوير الأبحاث للمنتجات الجديدة، بالإضافة إلى تبادل الخبرات والتدريب في قطاع صناعة الألمنيوم.

وهو ما بلوره وزير التجارة الروسي إجمالاً – وفق ما ذكرت الصحف – بأن هناك نية واضحة لتأسيس منظمة عالمية لصناعات الألمنيوم على غرار «أوبك» بالشراكة بين البحرين وروسيا والصين ودول خليجية أخرى. هذه المنظمة تعنى بكل ما يتعلق بهذه الصناعة ابتداءً من المعايير الخاصة للصناعة إلى أسعار البيع والشراء.

بالطبع الزيارة واجتماع اللجنة الحكومية المشتركة بين الجانبين اشتمل على الكثير من المناقشات والمباحثات لتطوير قطاعات اقتصادية عدة، منها قطاعات المصارف والتمويل والصناعة والنقل والزراعة وتربية المواشي والنقل والسياحة والمعارض.. وكذا اشتمل على مباحثات بشأن التعاون العلمي والثقافي والتعليمي وحتى علوم الفضاء .

لكن الملفت في الأمر برمته هو سرعة الإنجاز في التعاون مع الجانب الروسي، فخلال عامين فقط تبلورت المباحثات إلى بروتوكول ومشروعات على الأرض، تتخذ خطوات جدية لتنفيذها، ومساهمات استثمارية من «ممتلكات» الصندوق السيادي لمملكة البحرين في محفظة أو صندوق استثماري روسي أغلب الظن إنه حكومي بقيمة 250 مليون دولار أميركي تم استثمار 100 مليون منها فعلاً.

لا ننسى هنا أن اللجنة تشكلت بناء على رغبة ملكية بحرينية ورئاسية روسية في اللقاء الذي جمع جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة بالرئيس فلاديمير بوتين في سبتمبر/ أيلول 2016، ولذا فإن الدعم السياسي حاضر بقوة في توطيد العلاقة، لكن لا يخفى على أحد أيضاً دور وزير الصناعة والتجارة النشيط زايد الزياني في إتمام هذه الخطوة، والمضي قدماً في تحقيق «شيء ملموس» على الأرض بعد أن شبعنا من الاجتماعات والمؤتمرات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

روسيا بالطبع ليست بالبلد السهل من حيث التفاوض، ويعرف عنهم «شيء من البخل» وثقه الرئيس السادات بمقولته الشهيرة في وصفهم في سبعينات القرن الماضي، وبالطبع هم يريدون أن يحصلوا على مزايا لبلادهم، ولو أمكن أن يجذبوا استثمارات يكون (خير وبركة)، وهو ما عبّر عنه وزير الصناعة والتجارة دينيس مانتروف ‏في تصريحاته للصحافيين بأنه دعا شركة ألبا للإستثمار في مناجم تملكها روسيا في أستراليا وأفريقيا الجنوبية.

لكن في الواقع لا يجب النظر إلى روسيا من هذه الزاوية فقط، فهذا فيه ظلمٌ للدب الروسي العملاق؛ لأن لديهم الكثير من التجارب المميزة اقتصادياً وتقنياً، وبالطبع الصناعات الروسية بما فيها صناعة الأسلحة من أفضل الصناعات على مستوى في العالم.

وقد سبق أن تحدثنا عن التجربة الروسية مع المؤسسات الصغيرة وكيفية دعمها، وأوضحنا أن القانون الروسي يجبر الشركات الكبرى على شراء 10 في المئة من احتياجاتها السنوية من شركات صغيرة أو إسناد 10 في المئة من أعمالها إلى شركات محلية صغيرة، وهناك عقوبات قانونية توقع على الشركات غير الملتزمة.

كما أن القانون لا يكتفي بحساب الشركات الكبيرة المقصرة في حق دعم المؤسسات الصغيرة، بل يقدّم «الحافز» أيضاً للشركات الملتزمة بهذا القانون. هذا الحافز يتمثل في أمرين في غاية الأهمية على حد قول أفراد الوفد الروسي، الأول هو إعفاء هذه الشركات الكبرى من بعض الضرائب والرسوم المفروضة عليها من قبل الدولة، وهو تعويض صريح ومباشر عن دعم المؤسسات الصغيرة الروسية، أما الحافز الثاني فهو حماية هذه الشركات الكبرى الوطنية من الشركات الأجنبية المنافسة في نفس مجالها داخل السوق المحلي، وهذه ميزة جداً كبيرة يستشعرها من يعمل بالسوق، ويدري كيف تؤثر الشركات العابرة للقارات على المنافسة في السوق الوطني.. في الوقت الذي تلتزم هذه الشركات المحلية الكبيرة بنسب التوظيف وضخ الاستثمارات محلياً وغيرها.

وأعتقد أن التجربة الروسية في مجملها تجربة تستحق الاحترام والدراسة والبحث بتعمق، وهناك مجالات واسعة يمكن استغلالها وستساهم في تقوية الاقتصاد المحلي الوطني، حيث تتوافر الكثير من فرص الأعمال التجارية في السوق الروسية نظراً لحجمها الكبير. كما أن قطاعاً كبيراً من الصناعات الصغيرة والمتوسطة المتطور يفتح آفاقاً استثمارية كبيرة للمؤسسات الراغبة في إنشاء أعمال ذات قيمة مضافة لهذه الصناعات.

إن الإبحار في اتجاه «الشرق» خلال السنوات الأخيرة «يوزن» السفينة الاقتصادية البحرينية التي طالما أبحرت غرباً ولم ترسُ حتى الآن.



أضف تعليق