العدد 4946 بتاريخ 22-03-2016م تسجيل الدخول


الرئيسيةالوسط أونلاين
شارك:


خمسة أحياء حول بروكسل تشكِّل هلال الفقر في بلجيكا

الوسط - المحرر السياسي

سلّط الانفجاران اللّذان استهدفا أمس الثلثاء (22 مارس/ آذار 2016) مطار بروكسل، ومدخل محطة مالبيك للميترو، الأضواء مجدداً على ما بات يُعرف بحاضنات الإرهاب في أوروبا، وهي خمسة أحياء تقع في سبع بلديات بلجيكية، هي فورست وسانت جيل وأنرلخت ومولنبيك ومدينة بروكسل وسانت جوس وشيربيك، وكلها تحيط بقلب العاصمة بروكسل وتشكّل ما بات يُعرف بـ«هلال الفقر» بالنظر للمستوى الاجتماعي للعائلات المهاجرة التي تقيم هناك منذ عدة عقود، لكن ما الذي حوّل هذه الأحياء إلى مصانع للإرهاب الذي بات يهدِّد أوروبا في عقر دارها؟

وفق ما نقلت صحيفة "القبس" الكويتية، فإن هذه الأحياء تعد الأكثر كثافة سكانية في المنطقة، حيث يعيش 30 ألف شخص في كل كلم مربع واحد، أي أربعة أضعاف متوسط الكثافة السكانية في بلجيكا كلها، وهنا في هذه الأحياء أيضاً يتمركز محدودو الدخل، من الذين ينحدرون من أصول أجنبية. ويعد تطرف الشباب في هذه المناطق حقيقة وواقعاً، وفي هذا الشأن قال النائب الشرفي في البرلمان الجهوي لبروكسل وعضو الحزب الإصلاحي الليبرالي مصطفى أوزختي لصحيفة لوبينيون الفرنسية تعليقاً على هذا الوضع ،نحن ندفع ثمن فشلنا».

يعرف أوزختي حي مولنبيك جيداً، ذلك أنه أدار لمدة ستة أعوام نادي إف سي أطلس، وله أقارب هناك أيضا. ويضيف «نحن لم نتمكن من حل مشاكل الشباب التي حالت دون اندماجهم في المجتمع البلجيكي منذ 50 عاما، وهذا رغم سياسة السكن والمساعدة الاجتماعية ومنح حق التصويت في الانتخابات المحلية للأجانب منذ عام 2004».

وتشير مختلف التقارير التي أعدت عن مدينة بروكسل وضواحيها إلى وجود انحراف تدريجي للشباب يعود الى ثمانينات القرن الماضي، وتاريخياً عرفت مدينة مولنبيك تدفقاً كبيراً للمهاجرين، وعلى الخصوص المغاربة منهم، من الذين ساهموا في انطلاق الصناعة بعد الحرب العالمية الثانية، لكن سرعان ما تراجع هذا النشاط الصناعي وتراجعت معه فرص التوظيف، ما ادى الى تآكل الطبقة المتوسطة بدءاً من الستينات. وتشير اطروحة جامعية أعدت في عام 2007 في جامعة لوفان الى ان «الطبقة السياسية التي حكمت المدينة في عهد ادموند ماشتن (وكان عمدة المدينة من 1939 الى 1978) تخلت عن السكان الذين ينحدرون من عائلات مهاجرة في هذه الأحياء التاريخية التي دمّرت أجزاء منها أشغال المترو وارتفاع عدد المناطق الصناعية المهجورة. وفي غضون تطوير مدينة بروكسل بدأت ازمة احيائها التاريخية من خلال عملية تصنيف السكان الذين كانوا يعانون أصلا».

ركام تاريخي

وقد اندلعت في المدينة اشتباكات عنيفة بين الشباب الذين ينحدرون من أصول أجنبية وقوات الشرطة في عام 1991 ثم 1995، وشيئاً فشيئاً تدهورت أوضاع المدينة بسبب التسرب المدرسي والبطالة وارتفاع نسبة الجريمة والاتجار بالمخدرات.

ويلقي كثيرون باللائمة على فيليب مورو عمدة المدينة بين عامي 1992و2012 ،حيث يتهمونه بالمشاركة في ضرب استقرار الضاحية، فهذا العمدة الاشتراكي السابق تساهل كثيرا في تطبيق القانون من أجل الفوز بأصوات الجالية المسلمة، وفي هذا الشأن يقول مصطفى أوزختي «على الأجانب أن يندمجوا في المجتمع الجديد، لكن السيد مورو هو من اندمج، حيث أصبح ينتقل الى المساجد ليتحدث فيها، كما أيّد الاحتفال بالأعياد الأجنبية في المدينة».

في الواقع تغاضى جيل كامل من السياسيين عن المطالب الفئوية والدينية التي كان يرفعها البعض من أجل شراء السلم الاجتماعي، في مدينة مولنبيك على سبيل المثال اليوم، 18 مسجداً، بعض أئمتها من السلفيين الأجانب، والأرض هنا خصبة جداً للتطرف الديني، خاصة اذا علمنا ان %40 من السكان الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18و25 عاما يعانون من البطالة واما قائمة الارهابيين الذين نفذوا عمليات إرهابية وأقاموا في مولنبيك فيتصبب منها العرق البارد، ويكفي أن نذكر من بينهم من اغتال أحمد شاه مسعود في أفغانستان في 2001 ومنفذ هجمات مدريد 2004 ومنفذ الهجوم على المتحف اليهودي في بروكسل 2014 ومنفذي هجمات باريس وسان دنيس في 2015.

مخطط متأخر لمكافحة التطرف

ولأنها اتهمت بالتساهل مع المتطرفين، صادقت بلجيكا في فبراير الماضي على مخطط فدرالي لمكافحة التطرف وأعلنت تعزيز أمن المنطقة بـ1000 رجل شرطة إلى غاية 2019. وهنا يقول مصطفى أوزختي «الرد الأمني ضروري، ولكن يجب ألا يكون بمفرده والسلطات البلجيكية تقوم اليوم بتوظيف عملاء استخبارات وشرطة ومحللين ومترجمين باللغة العربية من دون التدقيق في السيرة الذاتية للمرشحين لهذه الوظائف. علينا في البداية أن نقف عند النقاط التي فشلنا فيها، ومن ثم العمل على تصحيحها على المدى الطويل وهذا يبدأ بمسؤولية تشجيع الاندماج».

في بداية عام 2016 كانت المؤشرات لاتزال تنذر بالخطر الذي يداهم بلجيكا، فنسب البطالة ارتفعت الى مستويات غير مسبوقة في سان جوس (%26.5) وفي مولنبيك (%24.7).

وفي هلال الفقر هذا كله تتجاوز نسبة البطالة %30 وتصل أحيانا الى %60 في الأحياء الأكثر فقراً، ويؤكد المختصون أن هذه الأحياء تعيش وضعاً صعباً وفقراً أكثر من الذي كانت تشهد في 1989، فما الذي دفع الوضع إلى التعفن إلى هذه الدرجة؟

أولوية الاستثمار في الإنسان

التفسيرات كثيرة جداً، لكن الأولوية التي تفرض نفسها هي ترميم هذه الأحياء وتحويلها إلى مناطق سكنية عصرية، ذلك أن بعض المناطق تشوَّهت بالكامل وتحتاج الى نهضة عمرانية، لكن الأولوية الأخرى بالنسبة لبعض المختصين تكمن في الاهتمام بالجانب البشري من خلال تطبيق سياسات توظيف وتكوين واندماج، لكن أحد المسؤولين المحليين عبر عن مخاوفه لصحيفة لاتريبون دو جنيف، قائلاً «هذا الأمر سيتطلب وقتاً طويلاً، ما يعني أننا قد نخسر جيلاً كاملاً من الشباب».

لم تفهم السلطات البلجيكية بسرعة أهمية التعليم وضرورة تبني سياسات حقيقية للاندماج ورغم التظاهرات التي اندلعت في عام 1991 في سان جيل كان عليها أن تنتظر الى غاية 2002، حيث وقعت جريمة قتل عنصرية في شيربيك، حتى تطلق رسمياً سياسة «العيش معاً»، وهي شبيهة بسياسة الاستيعاب الفرنسية والطائفية الأنجلوسكسونية، واليوم يعترف الكثير من المنتخبين المحليين في بلجيكا بأن هذه السياسة لم تطبق ولم تؤتي ثمارها.

إقصاء وتمييز

عكس باريس وكبريات المدن الفرنسية، تتمركز الأحياء الشعبية في قلب العاصمة البلجيكية بروكسل. فلا تبعد على سبيل المثال ساحة بلدية مولونبيك إلا 10 دقائق فقط عن سينما بولفار بروكير و15 دقيقة عن شارع نوف الذي يعد الشريان التجاري للعاصمة. ورغم أن سكان هذه الأحياء لا يعانون من التهميش الجغرافي مثل نظرائهم في فرنسا، فإنهم يعانون من إقصاء من نوع آخر وفق ديرك دي بلوك، المستشار البلدي لمولنبيك الذي قال لصحيفة لوموند الفرنسية «فعلاً الشاب الذي يقيم في مولنبيك قريب جداً من وسط المدينة مقارنة بشاب يقيم في سان دونيه الفرنسية، لكن يمكن أن أؤكد أنه ضحية شكل من أشكال التمييز، ذلك أنه لا يملك الحظوظ ذاتها مع قاطن حي آخر وإن كان كلاهما يملكان الحق ذاته، فهما لا يملكان حق التردد على المدرسة ذاتها، وسيواجه مصاعب للعثور على عمل والتمييز في الوظائف حقيقة في بلجيكا وتعزز الشعور بالإقصاء، وهذا ميدان خصب لمن يريدون تجنيد جهاديين».



أضف تعليق