العدد 1431 بتاريخ 06-08-2006م تسجيل الدخول


الرئيسيةنكبة لبنان
شارك:


بعد أن أضاع فرصة الفوز بلقب الوسيط النزيه

بوش يجازف بصدقية واشنطن

برلين - سمير عواد

تؤيد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل موقف الرئيس الأميركي جورج بوش تجاه الحرب الإسرائيلية الجديدة في لبنان. وموقف بوش ليس مع وقف الحرب حالياً. ولعبت الصدفة دورها حين قال رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير للرئيس الأميركي أمام ميكروفون مفتوح أنه (بوش) قادر على وقف الحرب متى أراد وكان رد بوش، عبر الميكروفون المفتوح عن رفض بلاده - مستخدماً كلمة قذرة - التدخل حتى تكف سورية عن دعم حزب الله. ثم تنبه بلير إلى أن الميكرفون مفتوح وقام بإغلاقه. لكن العالم تبلغ بالرسالة. كما أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ستقوم بزيارة إلى المنطقة لكن ليس الآن، أي حتى تشفي «إسرائيل» غليلها من لبنان. أما السفير الإسرائيلي في ألمانيا شيمعون شتاين فقد صرح يقول إن الوقت غير مناسب للدبلوماسية. في الغضون سقط أكثر من 200 قتيل في لبنان غالبيتهم من المدنيين وبعد الدمار الذي لحق بالبنية التحتية في لبنان الذي كان يوماً يعرف بسويسرا الشرق الأوسط، عاد هذا البلد 20 عاماً إلى الوراء.

في العدد الأخير لمجلة «تايم» الأميركية تنبأ الموضوع الرئيسي بنهاية «دبلوماسية الكاوبوي». في هذا العدد يرى مؤلفون أن القوة العظمى بدأت تضعف. ولعل أبرز دليل فشلها في العراق. لكن مع التصعيد الخطير بعد الحرب الإسرائيلية الجديدة على لبنان، لا يلحظ العالم أن الولايات المتحدة مهتمة بوقف التصعيد العسكري. وهي ليست متحفظة فحسب بل منحازة لـ «إسرائيل». بل الحرب ضد حزب الله وبالتالي إضعاف أبرز حليف في لبنان لإيران وسورية من مصلحة بوش. قبل أسبوع أوعز بوش لسفير واشنطن لدى الأمم المتحدة جون بولتون كي يستخدم «الفيتو» للتعطيل على مشروع قرار قدمته قطر لإدانة «إسرائيل» في مجلس الأمن. ليست هذه أول مرة تستخدم أميركا «الفيتو» منعاً لإدانة «إسرائيل» التي هي أبرز حليف لأميركا في الشرق الأوسط.

لماذا لبنان؟ يفترض أن يكون هذا البلد حلم بوش في تحقق مشروع نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. لكن القنابل والصواريخ التي تفتك بالمدنيين وبالبنية التحتية لا تتفق مع صورة المستقبل الذي يريده بوش. بينما يدفع رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة بالرئيس الأميركي إلى وقف «إسرائيل» قناعة منه أنه الوحيد القادر على وقف الحرب... هذا إذا أراد بوش ذلك. طالما الوضع غير ذلك تماما، فإن صور القتل والدمار في لبنان التي تنقلها الفضائيات العربية إلى بيوت العرب من المحيط إلى الخليج، تزيد من الغضب على «إسرائيل» وعلى حليفتها أميركا وتكشف عن تحيز القوة العظمى. وتخشى أجهزة الاستخبارات الأميركية نتائج التصعيد الجديد وتشير تحليلاتها إلى أن الولايات المتحدة ستشعر في القريب بانعكاسات الموقف الأميركي حيال الحرب الإسرائيلية الجديدة في لبنان.

تستفيد «إسرائيل» حالياً من الوقت. وقال سفيرها في ألمانيا إن «إسرائيل» دمرت ربع طاقات حزب الله في جنوب لبنان. بالنسبة إلى كثير من المعلقين أضاع الرئيس الأميركي فرصة لإظهار واشنطن وسيطاً نزيهاً في نزاع الشرق الأوسط. عوضاً عن ذلك أيضا تغوص القوة العظمى بشكل أعمق في الفخ الذي نصبه حزب الله.

وكتب غيورغ ماسكولو مراسل «شبيغل أونلاين» من واشنطن أن البعض اقترح عدة أسماء للتوسط وإحياء عملية السلام تردد على الأكثر اسم وزير الخارجية الأميركي السابق كولين باول. وقال تقرير للموقع إن انقساماً حصل داخل الحكومة الأميركية فبينما يرى أحد المعسكرين الرئيس بوش في وضع غير مريح يرى الآخر أنه على الولايات المتحدة دعم «إسرائيل» من دون شروط لأن سورية وإيران لا تفهمان غير لغة العنف. لكن أين يقف بوش؟ لقد صرح بأن «إسرائيل» تملك حق الدفاع عن النفس واتهم حزب الله و«حماس» بعرقلة عملية السلام في المنطقة. وقال موقع «شبيغل أونلاين» إن بوش عبر صراحة عن تحيزه لـ «إسرائيل» كذلك حين طلب من رايس التمهل في التصريح وزيارة المنطقة. إضافة إلى ذلك أن طوني سنو المتحدث باسم بوش ناشد الإسرائيليين تجنب القتل غير الضروري للمدنيين وتدمير البنية التحتية للبنان لكن بوش والكلام للمتحدث باسمه لا يرغب في التدخل في القرارات العسكرية.

يأتي ذلك في وقت يقول فيه البعض الآخر إن واشنطن تبحث عن مخرج للأزمة وستدرك أهمية ذلك بمجرد أن تعرف أن حيرة القوة العظمى وعدم تحركها يؤذي مصالحها في المنطقة. لكن بوش كمتفرج إضافي على الممارسات الإسرائيلية لا يسر كثيرين من حزبه أيضا. فقد طالب السناتور تشاك هاجل من الحزب الديمقراطي بمنع تفاقم النزاع»، وقال بالحرف الواحد: نحن البلد الوحيد الذي يستطيع التأثير على (إسرائيل) لمنع امتداد نار النزاع. لهذا السبب يرى هاجل في تصريح لمجلة «فوكوس» أن يرسل بوش شخصيات سياسية كبيرة إلى «تل أبيب» للتوسط أبرزها وزيري الخارجية السابقين جيمس بيكر وكولين باول. وقال هاجل: ليس هناك طرف آخر غير «إسرائيل» يمكن الحديث إليه. على العكس من الذين سبقوه في البيت الأبيض مثل والده جورج بوش الذي استعان ببيكر للتوسط مراراً بالمنطقة، كما استعان الرئيس بيل كلينتون بالدبلوماسي دنيس روس للتوسط فإن دبليو بوش وقف منذ بداية استلامه منصبه إلى جانب «إسرائيل» وقبلها كحليف معه في الحرب ضد الإرهاب التي يخوضها بوش في أنحاء مختلفة من العالم. السياسة نفسها يستخدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت الذي أبلغ الكنيسيت يوم الاثنين الماضي أن «إسرائيل» تحارب الإرهاب. لكنه كان يوجه كلامه إلى الولايات المتحدة ورئيسها. وكان بوش قد اعتبر حزب الله و«حماس» منظمتين إرهابيتين ورفض الحديث معهما. استدعت واشنطن سفيرتها في دمشق مارجريت سكوبي في العام الماضي وهكذا انخفض عدد أطراف الحوار مع واشنطن إلى حلفائها العرب في المنطقة وهم مصر والأردن. بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 حصل تغيير جذري في السياسة الأميركية. هدد بوش باستخدام القوة العسكرية ونفذ ذلك وقال إن أميركا لن تفرق بعد اليوم بين إرهابيين ودول تقدم لهم المأوى وقال حرفياً لحكومات العالم: «إما تكونوا معنا أو ضدنا»!

في الغون فإن وسائل إعلام أميركية تنتقد بوش وتصفه بالمتفرج على حرب «إسرائيل» الجديدة في لبنان منتقدة صمت البيت الأبيض على المجريات الخطيرة في الشرق الأوسط. يرى السناتور جون وارنر من الحزب الجمهوري أيضاً أن واشنطن تعمل باستراتيجية خطيرة إذا ضغطت على إيران وسورية. وقال وارنر: الوضع يهدد بكارثة وعلى حكومتنا أن تدرك جيداً أثر رد فعل «إسرائيل» غير العادي على الوجود العسكري الأميركي في العراق وجهودنا الدبلوماسية للتوصل إلى حل سلمي بشأن النزاع النووي مع إيران. وقال موقع القناة الأولى للتلفزيون الألماني إنه ليس بوسع العرب إلحاق هزيمة بالإسرائيليين كما ليس بوسع «إسرائيل» فرض السلام الذي تريده على العرب. وقال الموقع إن الإدارة الأميركية تتصرف وكأن منطقة الشرق الأوسط لا تهمها، وأضافت: استطاعت سياسة بوش تجاه الشرق الأوسط أن تأخذ إجازة طويلة من النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين كما قوت «إسرائيل». كذلك نجحت في خفض اتصالاتها مع دمشق وطهران إلى أدنى حد بعد اجتياح قواتها العراق وتغيير نظامه. غير أن النتائج تنشرها الصحافة الدولية التي تكتب اليوم عناوين: قنابل على بغداد، صواريخ على بيروت، وأيضا على حيفا، «إسرائيل» تفتك بالمدنيين في لبنان وتدمر بنيته التحتية. «حماس» وحزب الله شاركا في انتخابات نزيهة أدت لفوزها لكن السؤال الموجه لواشنطن هو: ألم يكن بوسع واشنطن منع اتساع الحرب؟

السياسة الأميركية التي اتبعتها واشنطن تجاه الشرق الأوسط في السنوات الماضية لم تؤد فقط إلى جعل الولايات المتحدة وسيطاً غير نزيه في المنطقة فحسب بل حصرت النفوذ الأمريكي ولهذا السبب تجد واشنطن صعوبة في التأثير على الحوادث. وقال سياسيون من الشرق الأوسط مرارا وتكرارا إنه من دون مساعدة من الخارج ومن دون تدخل مباشر من الولايات المتحدة لا يمكن تحقق السلام في الشرق الأوسط. ما يحدث في لبنان أهم دليل على ذلك



أضف تعليق