العدد 4863 - الأربعاء 30 ديسمبر 2015م الموافق 19 ربيع الاول 1437هـ

«قضايا الحاضر لا تعالجها اجتهادات الماضي» لفخرو

يوسف مكي (كاتب بحريني) comments [at] alwasatnews.com

كاتب وباحث بحريني

من خلال قراءتي لمقال علي محمد فخرو ذي العنوان «قضايا الحاضر لا تعالجها اجتهادات الماضي» والمنشور في صحيفة «الوسط» عدد (4857) ليوم الجمعة (25 ديسمبر/ كانون الأول 2015) والذي تناول فيه كيفية الخروج من الوضع العربي المأزوم مع التركيز على أن السبب في تخلف الوطن العربي يتمثل في التراث الفقهي إذ يقول في مطلع مقاله / عموده «لا يوجد في هذه اللحظة التاريخية العربية حقل يفوق في أهميته وضرورة مواجهة إشكالاته بحلول جماعية جريئة حاسمة أكثر من حقل التراث الفقهي الإسلامي»، ويضيف قائلاً: «إن عدم حل تلك الإشكالات التي تراكمت عبر القرون لن يؤثر فقط على مكانة الدين وسيرورته في المستقبل، وإنما ستكون له انعكاساته السلبية على محاولات إخراج الوطن العربي من تخلفه وعجزه وصراعاته العبثية؛ ليصبح وطنا قابلا لممارسة قيم ومنجزات الحداثة».

ثم يستطرد في سبل وطرق التغلب على هذه المشكلة التراثية الفقهية، والجهات التي من المفترض أن تقوم بمهمة إعادة النظر والتجديد.

ولأننا لا نشاطر الكاتب علي فخرو نظرته أو رؤيته فإننا نبدي الملاحظات الآتية:

أولاً - لا شك أن الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه له تأثير كبير في حياة المجتمعات العربية عموماً. ومع ذلك فإن سبب تخلف الوطن العربي ليس الفقه ولا التراث الفقهي بما هو فقه (أي في حد ذاته)، فمن المعروف أن معظم قواعد وتعاليم الفقه تتعلق بالعقود والمعاملات، وهذه أمور مرنة ومتحركة ومواكبة لحركة الزمن والتاريخ. والمشكلة تكمن فيما نرى في كيفية توظيف الفقه بحسب مقتضيات الزمان والمكان، والأهم من ذلك بحسب الملابسات المتعلقة بصراعات الحاضر، والمشكلة لا تكمن في الفقه كمدونة فكرية أو أيديولوجية.

ولا شك أيضًا أن الفقه يمارس تأثيرا بهذا القدر أو ذاك في الحاضر، ولكن ليس بسبب ملابسات الماضي ولا انعكاسا له إنما بسبب الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للحاضر ذاته، وهي صراعات مرتبطة بحيازة السلطة والثروة وتوظيف التراث في معركة الحاضر.

ثانياً - إذا كانت هناك من مشكلة متعلقة بالفقه فهي مسألة شكلية أو مشكلة ظاهرية. أما من حيث المضمون فإن المشكلة هي سياسية متعلقة بأمور الحاضر العربي، وما الفقه إلا مظهر من مظاهر تلك الأزمة وليس سبباً فيها، بل الأصح أن الأوضاع السياسية المأزومة هي التي تستدعي التراث الفقهي وتوظفه سياسيًّا في الحاضر. ليظهر الصراع الاجتماعي/ السياسي وكأنه صراع مذاهب وطوائف بهدف التلاعب بحقيقة وجوهر الصراع.

ولذلك في معمعان التشويش السياسي يظهر الواقع وجهًّا فقهيًّا طائفيًّا، في حين أن الخلفية الحقيقية سياسية بامتياز توظف الفقه بحسب المصلحة.

ثالثاً - لا أظن أن المسألة الفقهية - كما يرى فخرو - هي السبب في تخلف الوطن العربي. بمعنى أن الفقه ليس مسئولا عن الأوضاع العربية المتخلفة على أكثر من صعيد. وليس الماضي هو المسئول عن خيبات الحاضر العربي. إنما الحاضر هو المسئول عن الحاضر والمستقبل، وإذا جاز لنا أن نحدد المسئولية بدقة فهي في الممارسة السياسية المستبدة للنظام العربي، وليس الممارسة الفقهية.

رابعاً - إعادة النظر في الفقه وفي كل تراث وتاريخ العرب أمر مطلوب وملح. لكن قبل ذلك لابد من إعادة النظر في الوضع السياسي العربي الذي أوصل الأمور إلى هذا المنحى الخطير. أي بمعنى إعادة النظر وتجديد السياسة على صعيد بنية الدولة العربية من جهة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم من جهة أخرى ووفقا لرؤية حداثية، وهي لن تساهم في تجديد التراث فقط، بل ستؤدي إلى القطيعة معه وإبقاء ما هو صالح ومواكب للحداثة.

خامساً - أما انجاز مهمة تجديد التراث الفقهي والجدالات «التي لا تنتهي حول الأحاديث النبوية وطرق جمعها» فيتم بحسب الكاتب بقيام «مؤسسات مجتمعية مستقلة عن تأثيرات السلطات السياسية والسلطات الفقهية». ونحن بدورنا لا نرى رؤية فخرو؛ لسبب بسيط وجوهري وهو أن السلطة العربية من المحيط إلى الخليج لن تسمح بذلك، أي لن تسمح بتلك المؤسسات المستقلة التي توكل إليها مهمة التجديد. وأيضاً لأن ذلك يتعارض وبنية الدولة العربية العميقة المسيطرة على كامل الفضاء العام.

سادساً - إذا كان الفقه بهذه الأهمية في أوضاع العرب وتخلفهم فمعنى ذلك أن مشكلة العرب مشكلة فقهية وبالتالي إذا ُحلت هذه المشكلة تصبح قضايا العرب محلولة وينتقلون من النظام المستبد إلى النظام الديمقراطي. ولا أظن أن قضية العرب ومشكلتهم الجوهرية فقهية، ولا حتى من جنس الفقه (دون نكران تأثير الفقه) وكان أحرى بالكاتب فخرو أن يحدد العامل الجوهري في تخلف العرب وهو السياسة والاقتصاد والمصالح الاجتماعية لمكونات المجتمع العربي. أي في الاقتصاد السياسي الحديث للعرب وليس في فقههم الماضي. فواقع العرب متعلق بحاضرهم وأوضاعهم السياسية.

سابعاً - يصور الكاتب فخرو بأن قضية العرب متعلقة بفقه الماضي وتجديده. وهذا غير صحيح، والأصح هو متعلق بتجديد الحاضر لا بل تغييره. أو بمعنى آخر. الأمر متعلق بالفقه السياسي للحاضر، لا للماضي. وبكيفية النظر إلى هذا الواقع، وتحديد الأولويات فيه. والفقه هو مظهر ثانوي من بين مظاهر عديدة في الواقع العربي.

ثامنًا - إن دعوة فخرو لإعادة النظر وقراءة وتجديد الفقه للتغلب على الاختلافات الفقهية على وجاهتها اعتقد انها ليست القضية الجوهرية في أوضاع العرب المعاصرين وليست العامل في إخراجهم مما هم فيه من انسداد الأفق. وكان أجدى به المطالبة والدعوة إلى قراءة خلاقة ونقدية للواقع الراهن بكل ما فيه من صراعات واختناقات سياسية واقتصادية والبحث عن وسائل مفيدة في سبيل تغييره وليس البحث عن سبب غير جوهري هنا أو هناك. نعم كل شيء يبدأ بنقد الحاضر العربي وفي الصميم منه النصاب السياسي وفي حال تغيير الواقع يصبح عندها الفقه وغير الفقه بما في ذلك التاريخ والعلاقة مع الماضي مسألة محسومة أو قابلة للنقد والحداثة.

ببساطة نحن نتعامل مع الفقه وكل تجليات الثقافة العربية بما فيها التاريخ والفلسفة والأدب والسياسة من خلال منظور عصرنا وبالارتباط مع أوضاعنا وليس من خلال منظور نشوء وسيرورة الفقه أو غيره.

إذا كان لابد من التجديد فإن البداية الصحية تتمثل في تجديد السياسة وبناء الدولة العربية وتنظيم آليات العلاقة بين الحاكم والمحكوم. البدء بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة. وهذه طريقها طويل، لكنها أجدى من النظر والتجديد في الفقه.

إقرأ أيضا لـ "يوسف مكي (كاتب بحريني)"

العدد 4863 - الأربعاء 30 ديسمبر 2015م الموافق 19 ربيع الاول 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 10:28 م

      عين الصواب اخي يوسف

      لامست جوهر السبب الرئيس لتخلف الامة وهو اقصاء الناس عن مشاركتهم في جل امور حياتهم للاسهام بنقل الماضي/الحاضر الى مستقبل زاهر اما النأي بالنفس وسحب ماليس من شأنه ع معاناة الامم فهو هروب من المسئولية اعجبني تصديك ببصيرة دمت اخي عسى نراك دوم منور هنا لا تبعد قلمك

    • زائر 3 زائر 1 | 5:41 ص

      للزائر رقم 1

      لقد تم استخدام الدين لإقصاء الناس عن مشاركتهم في حل الامور من 1400 سنه الى الان. حيث ان كل حاكم يحيط نفسه بوعاض السلاطين من "الفقهاء" و الناس تتبعهم. نعرف هده الامور من التاريخ و من الواقع و اصبح الفقه ما يقوله هؤلاء الوعاض لأنهم "اقدر" الناس في الامور الفقهيه. و الناس على دين ملوكهم.

اقرأ ايضاً