أم جميل: بعد 49 عاما... لايزال الشيخ الجمري معي

أول مقابلة صحافية مع زوجة الشيخ عبدالأمير الجمري

الوسط - ندى الوادي 

«لم يرحل الشيخ، إنه باق معي، يرافقني، وجهه في كل تفاصيل يومي الدقيقة، أسمع صوته يناديني: وردية... زهور، يدللني بها، ويراضيني، ويحن علي... إلى متى ستقضي أيامك بعيدا عني خارج المنزل مشغولا بالسياسة؟، أقول مازحة: لن أسامحك، فيرد علي مازحا: أعرف أنك ستسامحينني، لا يمكنك أن تزعلي مني أبدا...». دفء غريب كان يطل من عينيها وهي تقول هذه الكلمات، تقتنع معه أن الشيخ لايزال معها فعلا، وكأنما لايزال يسمعها، ويناديها، ويتحاور معها. صوت يملؤه حنان الدنيا كلها، ببساطته يأسرك، ويجعلك تقول «لا عجب أن يكون الشيخ عبدالأمير الجمري أحبها كل ذلك الحب».

إنها زهراء بنت الملا يوسف الملا عطية بن علي بن عبدالرسول بن محمد بن حسين بن مكي بن الشيخ سليمان بن مكي الجمري، أو كما يعرفها الناس بـ «أم جميل»، زوجة الراحل الشيخ عبدالأمير بن منصور بن محمد بن عبدالرسول بن محمد بن حسين بن مكي بن الشيخ سليمان بن مكي الجمري، ورفيقة نضاله الطويل. 49 عاما من حياتها قضتها أم جميل مع الراحل، تزوجته في السادسة عشرة من عمرها، سافرت معه إلى العراق، وعاشت معه فترات نضاله، ولازمته في السنوات الخمس الأخيرة التي قضاها في المرض، حتى وفاته في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2006. وهذه هي قصتها معه، تحكيها بلسانها في أول حديث صحافي لها، حديث الذكريات.

زهراء ... لعبدالأمير

تقول أم جميل: «كان الشيخ ابن عمي، وكنا نعرف بعضنا منذ الصغر، وعندما تقدم طالبا يدي، قال أبي الملا يوسف كلمته: زهراء لعبدالأمير، وهذا ما كان. وافقت على الزواج لأنني وعيت على الدنيا وأنا أعرف أنني سأتزوجه، كان يقطن في منزل عمي المقابل لمنزلنا، ولم يكن لدي أي مانع من الزواج منه». يسترخي صوتها قليلا، لتستذكر مرحلة ظنت أنها نسيتها، وتضيف «في بداية علاقتنا الزوجية كنا كباقي الناس، همومنا الزوجية تضغط علينا كل دقيقة، كان عمري 16 سنة، وكان عمره 20 سنة، كانت حياتنا في أيامها الأولى قاسية جدا، حتى أننا كنا نصل أحيانا للطلاق. ثم عزم الشيخ الجمري على الذهاب إلى النجف، ونصحتني والدتي (سلمى بنت الشهيد الشيخ عبدالله العرب رحمها الله) بالذهاب معه، وعلى رغم عدم موافقة أبي الملا يوسف وجدي الملا عطية على ذهابي معه، لأنه لم يكن يمتلك أي مورد رزق هناك، ولأنني لن أتمكن من الحياة في الغربة وفي الفقر، فإنني صممت على السفر معه». هنا بدأت مرحلة أخرى من حياتهما معا، زهراء وعبدالأمير... كانا قد انجبا محمدجميل، وعمره آنذاك 3 سنوات ومنصور، وعمره عدة أشهر... الى النجف الاشرف في العام 1962.

النجف وبداية جديدة

بداية جديدة تلك التي عاشتها أم جميل مع الشيخ الجمري في النجف، والتي بدأتها في العام 1962 بداية تأسيس عائلتها، وامتزاجها في حياة الشيخ الجديدة كخطيب حسيني ثم طالب علم. تقول أم جميل: «ذهبنا إلى العراق أول مرة بالباخرة، رافقتنا أخت الشيخ في المرة الأولى حتى تدبرنا أمورنا واستأجرنا منزلا للسكن، وبقينا لبعض الأشهر، ثم عدنا إلى البحرين، بقينا لعدد آخر من الأشهر ثم سافرنا مرة أخرى إلى النجف، وتابعنا هكذا نتنقل بين البحرين والنجف. كان الشيخ يقرأ تارة في البحرين وتارة في النجف، وكنا نتدبر أمورنا بالمبالغ التي يحصلها من القراءة الحسينية أساسا. كان أجره من المنبر الحسيني يصل إلى 80 دينارا عراقيا في شهر محرم (الدينار العراقي آنذاك كان يعادل تقريبا الدينار البحريني)، وكان هذا المبلغ جيداَ جدا في تلك الفترة وكان يعيننا لعدة أشهر، وكان يكفل لنا سبل العيش. كما كانت ادارة الأوقاف الجعفرية تمنح الطلبة البحرينيين مبلغا وقدره 10 دنانير بحرينية شهريا، فكنا نحصل على 30 دينارا كل 3 أشهر، وهو الأمر الذي كفل لنا الاستقرار والهدوء».

أحبت أم جميل الحياة في العراق، وكانت تستمتع بها كما تستمتع بالحياة في البحرين، بدا ذلك واضحا في ملامحها المبتسمة وهي تقول «كانت علاقتنا مع الطلبة البحرينيين هناك رائعة، كنا جميعا كعائلة واحدة، الكل مرتبط بالآخر، نساعد بعضنا البعض، ونأكل مع بعضنا بعضا، وكانت علاقة الشيخ قوية بشكل خاص بعائلة الإمام محسن الحكيم والشيخ محمد أمين زين الدين والسيد محمد باقر الصدر، والعلامة محسن الغروي، والسيد علاء بحر العلوم. تدبرت أموري في النجف حتى صار الشيخ يتركني أحيانا هناك لينزل إلى البحرين لوحده يعتلي المنبر الحسيني فيها ويعود إلينا أنا والأولاد الذين عاشوا معنا في النجف (جميل ومنصور، ولاحقا: عفاف وصادق ومحمد حسين ولؤي ومنصورة) مرة أخرى. كنت أعرف كيف أتصرف في أمور الحياة وحدي هناك، فحتى مع وجود الشيخ معي كنت المسئولة الرئيسية عن كل أمور المعيشة الخاصة بالعائلة، ولم يحضر أي زائر من البحرين إلا وزار بيتنا على غداء أو عشاء، كان الشيخ يحب أن يدعو الناس لمنزله، وكنت مستعدة دائما». وعن علاقته بالمنبر الحسيني تقول أم جميل «كان الشيخ خطيبا على المنبر الحسيني منذ كان عمره 15 سنة، وكنت أرفض أن يشغل نفسه بالخطابة، كنت دائما أقول له: ألا تكفيك السياسة والشعر، حتى تشغل نفسك بالمنبر أيضا، حاول أن تريح نفسك من الخطابة واكتفِ بقراءة المحاضرات على الأقل، لكنه كان دائما يرفض، واستمر في الخطابة حتى خرج من السجن آخر مرة في العام 2001 حين توقف عن الخطابة وصار يعد بحوثا ومحاضرات فقط».

غير أن صبر أم جميل طال، وشعرت بالحنين للأهل والأحباب في البحرين، وبمرارة الغربة بعد كل هذه السنوات. تقول «كان الفراق صعبا، والاتصال بالأهل كان أيضا صعبا، لم تكن هناك مكالمات هاتفية، كما أن الرسائل كانت تصل بعد ثلاثة أسابيع، وكنت دائما أفكر في الرجوع للبحرين، ألححت على الشيخ بأن نعود للبحرين، وأخبرته بأنني تعبت من الغربة كثيرا، لكنه لم يقبل الرجوع، إذ كان يريد البقاء لكي يحضر بحوثا للسيد محمد باقر الصدر، وبعد أن تعب من إلحاحي أرسل لي زوجة السيد جواد الوداعي لتقنعني بالبقاء، وكنت أحترم هذه السيدة وأجلها كثيرا، فاقتنعت بكلامها وبقيت صابرة، لفترة أخرى».

الرجوع إلى البحرين العام 1973

11 سنة قضتها أم جميل في مصاحبة الشيخ الجمري والعائلة في النجف، لم تنتهِ إلا بعد أن أرسل البحرينيون في طلبه من العراق للمشاركة في انتخابات المجلس الوطني. فكانت العودة في العام 1973... تقول أم جميل: «عندما طلبه الناس في البحرين ذهب ليأخذ الرخصة من السيد محمد باقر الصدر (أستاذه في تلك الفترة) والشيخ محمد أمين زين الدين (المرجع الديني البحريني الأصل)، ووافقا على ذهابه مادام الناس في البحرين بحاجته. لم يكن غريبا علي أن يشترك في هذا المشروع السياسي، إذ كان الشيخ مرتبطا بالسياسة منذ صغره، فما بالك بعدما ذهب إلى العراق وتعلم على يد علماء كبار، ثم إننا فضلنا العودة إلى البحرين لأن النظام البعثي كان قد بدأ يعتقل بعض الطلبة غير العراقيين في النجف، وسمعنا لاحقا أن الشيخ عبدالأمير على القائمة أيضا، ولذلك كانت العودة للبحرين هي أفضل الحلول».

عاد الشيخ بعائلته إذا إلى البحرين في 1973. لم يكن الاستقرار سهلا في البداية؛ فالعائلة تعودت على الحياة في النجف الاشرف، واحتاجت إلى وقت قبل أن يتم ترميم المنزل القديم، غير أن الرجوع للبحرين لم يكن نهاية، بل كان بداية لنضال طويل مرير، كانت فيه أم جميل بطلة بكل المقاييس.

«اللي فيها فيها»

«لا تكن رأسا دائما، فالضربة دائما تأتي في الرأس»، كانت هذه هي نصيحة أم جميل المتكررة للشيخ، كانت تخاف عليه، لكنها تؤيده، تطلب منه أن يلزم لسانه، ويخاف على نفسه، لكنها تشجع إصراره، وتؤمن بصواب مواقفه، وتقف معه، مهما كان الثمن. رجعت برأسها للخلف وكأنما تتذكر وهي تقول «كان الشيخ يتناقش معي في كثير من شئونه، وكنت أؤيد إصراره ونضاله، وأشجعه وأقوي من عزيمته، وكان يستجيب لآرائي كثيرا، كان يقول إن آرائي تفيده، لكنه أبدا لم يقبل التنازل عن مواقفه، حتى عندما كنت خائفة عليه، كنت أطلب منه ألا يكون رأسا فيضرب، فأبى إلا أن يكون الرأس عندما احتاجه الناس، وكان يقول لي دائما: (منذ خلقني الله تعالى وأنا استجيب للناس، حتى تأتي على رأسي الضربة هذا قدري). وعندما كنت أطلب منه أن يلزم لسانه، ويخاف على نفسه كان يقول لي كلمته المكررة: (اللي فيها فيها)... عانى الشيخ الكثير، وخصوصا من القريبين منه، كان كثيرا ما يأتي إلي ليشكو ضيقه مما يقوم به أقرب الأقرباء منه، كنت أهدئه وأقوي من عزيمته، ولم يكن يهدئه إلا حد يثي».

في الحصار: على رغم تعبي فضلت أن نكمل المشوار

عاشت أم جميل مع عائلتها تجربة قلما يمكن أن يعيشها أحد إلا وفقد صبره، وقوته، وثباته. تلك كانت فترة «الحصار». إذ حوصر منزل الشيخ عبدالأمير الجمري وعائلته في حوادث التسعينات لمدة اسبوعين اولا من 1 أبريل الى 15 أبريل 1995، وبعد ذلك من 21 يناير 1996 حتى 23 يناير 2001.

عن هذه الفترة تقول أم جميل «كان الشيخ يقضي طوال النهار في مراجعة الكتب وكتابة مذكراته وقصة حياته، ويقضي الليل في الصلاة والدعاء، كنت أخرج أحيانا للمستشفى، أو لقضاء بعض الحوائج فأتركه قليلا وأعود لأبقى معه، وكنت في موسم محرم أتحين الفرصة للذهاب إلى المأتم ولو ساعة. أما هو، فكان يبقى في المنزل ويحاول جاهدا أن يستمع لـ (القراءة) التي كانت تصدر من سماعات المآتم القريبة أو البعيدة، لكن الصوت لم يكن واضحا تماما. كانت الحياة في تلك الفترة جحيما، كنا نشعر بضيق شديد، لم نكن نستطيع أن نخرج أو ندخل إلا بعد إبراز بطاقاتنا السكانية، ولا يمكن لأحد أن يدخل علينا، وحتى لو حاول أحدهم التسلل للدخول، كان يسحب إلى مركز الشرطة مباشرة. أما في فترة الحصار الثاني، فكان الشيخ يتجه أحيانا إلى مسجد أبوصبح، أو الدراز (ليستمع)، لكنهم كانوا يرفضون إدخاله، فكنا نصحبه إلى ساحل البديع، حيث تصل أصوات القراءة واضحة هناك لأن السماعات كلها قريبة، وكنا نبقى معه بالساعات».

غير أن أيا من هذا الضيق والمعاناة لم يكن دافعا لأم جميل لأن تضعف أو تتراخى، سألتها: ألم تشعري بالخوف؟ ألم تفكري في التراجع؟ ألم تتعبي من كل هذا؟ أجابت شامخة «لم أكن خائفة، كنت متعبة ومتضايقة، لكنني لم أفكر أبدا في التراجع، أو تثبيط عزيمة الشيخ في أي مرحلة، كنت دائما أقول: بما أننا قطعنا كل هذا الشوط الطويل، وتحملنا المعاناة والمضايقة كلها، فيجب أن نواصل المشوار الذي بدأناه، وأن نصل إلى نهايته. كنت أشعر بالألم عندما كانوا يضايقوننا في أرزاقنا، فحتى أبناؤنا المتفوقون، سحبت منهم بعثاتهم الدراسية، لم أكن أهتم، وكنت أعزي ابني علي بأننا سندرسه على حسابنا الخاص بعد أن فقد بعثته الدراسية، كانوا يمنعون أي شخص من أن يتواصل معنا في فترة الحصار».

بكيت في دورة المياه بالساعات بعد اعتقال أبنائي

وكأن ما حصل لأم جميل لم يكن كافيا لها، لتواجه فترة من أصعب فترات حياتها، الفترة التي سجن فيها الشيخ عبدالأمير، وكان ابنها النائب محمدجميل اعتقل في 1988 وبقي في السجن حتى 1998، وزوج ابنتها النائب عبدالجليل خليل ما بين 1988 و1995، واعتقال ابنتها عفاف في 1995 (زوجة عبدالجليل)، واعتقال منى (زوجة محمدجميل) - من يناير الى مارس/ آذار 1996. أول ضربة تلقتها أم جميل كانت باعتقال زوج عفاف، النائب عبدالجليل خليل، الذي كانت تحبه كثيرا كابنها وذلك في أغسطس/ آب 1988... لم تكن تطبخ الطعام الذي يحبه في فترة غيابه، ثم اعتقل ابنها الأكبر النائب محمدجميل الجمري في سبتمبر/ أيلول 1988، فزادت العلة. بأسى تقول «لم أكن أنام الليل أو آكل أو أشرب، كنت أقفل على نفسي باب دورة المياه الصغيرة، وأجلس أبكي، كان جلوسي هناك بالساعات يذكرني بأحبابي المسجونين في زنزانة بحجم دورة المياه هذه، ليس بها إلا مروحة صغيرة للتهوية، كنت أشعر بالتوحد معهم عندما أجلس هناك، وعندما كان الشيخ يسألني ماذا كنت أفعل، لم أخبره بشيء». الشيخ عبدالأمير أيضا عانى الأمرين بعد اعتقال أبنائه، تقول أم جميل: «كان الشيخ يعاني آلاما غريبة في رجليه، وبعد الكشف عليه من قبل الأطباء قالوا إنه لا خلل عضويا فيهما، وإنما هي حال نفسية من الهم والحزن. لم يكن ينام في الليل، كان يبقى في المجلس لوحده ويغلق مكيف الهواء في عز الصيف، وعندما أسأله: لماذا لا يفتح المكيف كان يجيبني: كيف أبقى في هواء المكيف البارد وأبنائي في السجن يعانون الحر؟».

قامت بـ «المستحيل» لأجل ابنها لؤي

في يناير 1995 جاءت المخابرات لاعتقال لؤي للتحقيق، رفضت أم جميل ذهابه بإصرار، وشعرت بأنها لن تستطيع أن تحتمل ألم اعتقال ابن آخر... فقررت أن تبعده، مهما كان الثمن. تقول أم جميل مستذكرة «كنت أعرف أنه إن ذهب للتحقيق فلن يعود، فقررت أن أفعل المستحيل لإنقاذه، قمت بعمل المستحيل، ذهبت لأشخاص أعرفهم طالبة أن يوفروا لي تذكرة سفر إلى لندن. في اليوم نفسه استطاعوا تدبيرها بصعوبة، وكان ذلك اليوم رهيبا، كانت المدرعات تغطي الشارع من منطقة القدم حتى منطقة بني جمرة حيث نسكن. والتفتيش كان لكل بيت، وكان بيتنا محاصرا، أخذت لؤي في سيارة أنا وخطيبته نسيم وابنتي عفاف، وحملنا معنا دعاء كنا نقرأه طوال الطريق، كان المطار مراقبا، لا أعرف حتى الآن كيف تمكن لؤي من المرور من كل هذا التدقيق في الجوازات. ارتحت قليلا حتى قالوا لي إن الطائرة غادرت المطار، شعرت بأنني أنقذته، لكن هدوئي ذاك كان مؤقتا، بددته المخاوف التي ذكرها لي ابني من احتمال اعتقاله في سلطنة عمان حيث تهبط الطائرة في ترانزيت هناك قبل أن تواصل رحلتها إلى لندن. وبقيت في عذاب وقلق طوال الليل، لم أستطع الأكل أو النوم، سهرت بجانب الهاتف منتظرة ابني منصور ليتصل بي من لندن ويخبرني بوصول أخيه إليه.لم أستقر حتى تلقيت هذه المكالمة التي هدأت من روعي في العاشرة صباحا، مازلت أذكر هذا اليوم الرهيب، بعدها ارتحت على مصير لؤي».

لم تنتهِ «مغامرة» أم جميل عند هذا الحد، إذ كان هدفها التالي هو إرسال خطيبة ابنها لؤي (نسيم) لتلحقه في لندن، قامت أم جميل بمرافقتها في السفر هذه المرة الى دولة قطر، التي كانت مرحلة الترانزيت بالنسبة إليهما. بحماس تتذكر أم جميل هذه المغامرة وتقول «كان أصعب ما في الأمر الاستجواب الذي تعرضت له في المطار، أنا وابني الصغير مهدي. أخبرتهم بأنني ذاهبة لزيارة ابنتي منصورة التي كانت قد هربت مع زوجها السيدهادي الموسوي (الذي أيضا كان مطلوبا للمخابرات، وتمكن من السفر قبيل أن يعتقلوه وذهب الى قطر)، وكانت خطيبة ابني لؤي بعيدة عني حتى لا أعرضها لأي استجواب مشابه.

وصلنا الى قطر، وهناك حجزنا لها إلى لندن وسافرت بسلام، وعدت مع ابني الصغير آنذاك (مهدي وكان عمره 6 سنوات) إلى البحرين. كان الاستجواب في المطار هذه المرة أكثر صعوبة، فتشوني طويلا، وسألوني: هل تحدثت مع ابني منصور في بريطانيا؟ وماذا قلت له؟ وحققوا مع ابني مهدي أيضا، لكنه استطاع - وهو ابن الست سنوات - أن يهرب من كل الأسئلة، ولم يجبهم بشيء على رغم أنهم هددوه بالضرب».

اعتقال عفاف ومنى كسرني

لم يكن أيا من المواقف الصعبة التي مرت أشد على أم جميل من نبأ اعتقال ابنتها عفاف وبعد ذلك زوجة ابنها منى، تقول أم جميل: «أصعب لحظة مرت علي في كل ما عانيته كانت اللحظة التي اعتقلوا فيها ابنتي عفاف ومن ثم منى زوجة ابني محمدجميل في منتصف الليل... أولا طلبوا ابنتي عفاف للتحقيق، وعندما عاد أخوها (صادق) من دونها قائلا إنه (تم اعتقالها)، شعرت بأن ظهري انكسر، وأنني أنهار. بعد ذلك بفترة جاءوا واعتقلوا منى... ففي النهاية هن بنات، لا قدرة لهن على احتمال الاعتقال».

اعتُقِلوا... وبقيت أربي 8 أطفال من أبنائهم

اعتقل وهجر اكثرية افراد العائلة إذا، وبقيت أم جميل وحيدة تقريبا، في منزل ليس فيه إلا... الأطفال، اطفال المعتقلين من ابنائها... عددهم ثمانية آنذاك. بمرارة تقول أم جميل: «كانت فترة سجن الشيخ صعبة علي للغاية، لم يكن ضيقي بسبب السجن فحسب، وإنما تضاعف ضيقي لأنني كنت وحدي في المنزل مع 8 أطفال، ابنتي نبراس، وابني مهدي وعلي، وابني ابنتي عفاف (ولد وبنت)، وأولاد ابنائي الآخرين (3 أطفال)، كان الوضع لا يحتمل، إذ كنت وحيدة مع كل هؤلاء الأطفال، وكانوا أشقياء جدا لأن آباءهم وأمهاتهم في السجن. لم أكن أنام في الليل، كنت أبكي ليس لأن آباءهم في السجن، بل من ضغط الأطفال، حتى فرج الله تعالى علينا وخرجت ابنتي عفاف من السجن، وتبعتها بعد ذلك زوجة ابني منى، فحملن عني جزءا من المسئولية التي لا تحتمل».

وتستأنف أم جميل باسمة «غير أن الناس لم يكونوا يقصرون معي في تلك الفترة، كان البعض يأتي لي ويقفون خارج المنزل ويتصلون بي لأخرج، ثم يأخذونني لأي مكان أريد، لا أنسى عددا منهم ابدا، جئن كثيرا لزيارتي وخاطرن بأنفسهن، وكن يرفهن عني ولم يرغبن في بقائي وحدي مع الأطفال كل هذا الوقت، وعندما كان الصحافيون يزوروننا سائلين عن الأحوال، كنت أقول لهم تفضلوا وانظروا إلى وضعنا، كل هؤلاء الأطفال من دون أهل».

أحتفظ برسائل هربها لي الشيخ من السجن

«كان ذهابنا لزيارة السجن صعبا للغاية، لم أكن أعرف هل أذهب لزوجي، أم للآباء المسجونين، أم للبنات المسجونات». بهذه الكلمات وصفت أم جميل الرحلات المكوكية التي كانت تقوم بها من سجن إلى آخر حاملة الأغراض والأطعمة لأهلها المعتقلين في السجن. عن سجن الشيخ عبدالأمير تقول «عندما دخل الشيخ السجن لأول مرة لم نكن ندري عنه شيئا، لم نكن نعرف أين سجن، ثم رتبوا لنا مقابلة بعد 9 شهور و12 يوما بالتمام منذ تم اعتقاله، عندما شاهدته في المقابلة شعرت بالحزن، كان نحيفا، لحيته طويلة، وعلى رأسه (غترة) مهملة ويبدو متعبا للغاية. بادرته بالسؤال: أين سجنوك؟ فنهرني الشرطي الواقف على رأسنا: لا شأن لك بذلك.

فعدت للصمت. انتهت المقابلة بعد نصف ساعة، منحونا مقابلة شبيهة بها بعد نحو شهرين، واستمرت علاقتنا به عبر مقابلات أخرى كل فترة، لم نعرف خلال أي منها أين هو، ولا ماذا يفعلون به، كانت صحته تتدهور كثيرا، عرفت ذلك من رسالة أرسلها لي بالتهريب في طعام أرسلته زوجة أحد المعتقلين معه، لفها في ملعقة الطعام، لازلت أحتفظ بهذه الرسالة التي تحدث فيها عن معاناة كثيرة يعانيها داخل السجن، وسلم فيها على كل أحبائه، وبدأها بقوله: الحمد لله الذي فرغني لعبادة ربي».

«وبشر الصابرين... »

أربع سنوات ونصف السنة قضاها الشيخ الجمري في السجن، من يناير 1996 حتى يوليو 1999، تعتبرها أم جميل أصعب السنوات التي مرت عليه في كل حياته. بحزن بادٍ على ملامحها تقول «كنت أظن حينما كنت أزوره أنه سيموت في السجن، تدهورت صحته كثيرا في تلك الفترة وكان يتعرض لتعذيب نفسي أكثر منه جسديا، كانوا عندما يضعون معه شخصا في الزنزانة يصبح جاسوساَ عليه ويؤذيه، كانوا يهددون المساجين الذين معه بالضرب إن لم يؤذوه أو يسجلوه ويرسلوا لهم الأشرطة. على رغم كل ذلك كان دائما يقول (وبشر الصابرين)، وقوله ذلك يصبرني على رغم الألم، كنت بعد كل مقابلة لي معه أتألم ولا أستطيع النوم أو الأكل ليومين، لكنني أتأقلم في النهاية».

وتضيف أم جميل «قمت بالكثير في فترة سجنه، كنت أؤمن بضرورة أن ننشر مظلوميته، تحدثت مع الصحافيين، تحدثت أيضا مع النساء في المآتم بعد كل قراءة، كنت أتحدث بشكل عام، ولا أخصص حديثي لأحد. كنت أعرف الأوضاع التي يعاني منها الناس، وأتحدث عنها، وأبثها للصحافيين الذين أستطيع الاتصال بهم في تلك الفترة. ساعدت أيضا عوائل المساجين، كنا نزورهم باستمرار ونحمل لهم المساعدات والأطعمة والنقود. كنا نؤمن بأنهم جميعا أهلنا، ومن واجبنا أن نساعدهم. سنوات عجاف قضاها الشيخ في السجن، وعندما خرج منه أخيرا، خرج لأم جميل مريضا، وسرعان ما اصيب بجلطة في قلبه في 2000، وهو تحت الحصار المنزلي. وكانت تلك الجلطة بداية لجلطات اخرى، اذ اكتشفنا لاحقا أنه اصيب ايضا بجلطة صغيرة في الدماغ اثرت على بصره وعلى خط يده وعلى انتباهه الذي كان حاذقا قبل تلك الفترة ولكنه بدأ يتأثر بعد ذلك، ومن ثم اصيب بالجلطة الكبيرة في 2002 والتي اقعدته في فراش المرض حتى رحيله الى الرفيق الاعلى في صباح 18 ديسمبر/ كانون الأول 2006.

«انتهى كل شيء»

لم تأت النهاية سريعة بالنسبة إلى أم جميل، بعد كل المعاناة التي عاشتها مع الشيخ لحظة بلحظة، كان عليها أن تعايش معاناة أصعب وأكثر حدة وهي تصاحب رفيق دربها «الطويل» متألما من المرض. نحو خمس سنوات (من 2002 منتصف حتى نهاية 2006) لازمت فيها أم جميل الشيخ لحظة بلحظة، ترفض أن تعترف حتى لنفسها أحيانا بأنها النهاية، حتى صباح ذلك اليوم البارد في ألمانيا في مايو/ أيار 2002، تقول «كان ذلك اليوم هو يوم عمليته، اليوم الأطول في حياتي، أدخلوه غرفة العمليات صباحا ولم يخرج منها حتى الخامسة عصرا، كنت لوحدي هناك إذ إن ابني الأكبر اضطر للعودة للبحرين، خرج من العملية متعبا والأجهزة مركبة على جسمه، جلست إلى جانبه حتى استيقظ في الليل وهو يصرخ من الألم، كان يقول لي (هذه ليست عملية، هذا موت)، لم أحتمل أن أراه في هذه الحال، ناديت الأطباء، لأكتشف أنه أصيب بنزيف آخر، وقاموا بعملية أخرى له».

وتستطرد أم جميل «بعد أن استيقظ من العملية لاحظت أنه ينطق بكلمات مبهمة غير مركبة، شككت في الأمر، بحثت عن طبيب أفهم منه الموضوع، قالوا لي في البداية إن الأمر طبيعي كرد فعل للعملية، ثم صارحوني بأنه أصيب بجلطة كبيرة في موقع العملية». تتوقف أم جميل عن الكلام هنا، وكأنها تستشعر غصة في حلقها وهي تقول «في هذه اللحظة شعرت بأن الأمل انقطع والرجاء خاب، شعرت بأن كل شيء انتهى... كانت مسألة وقت».

لم أعرف في أي وقت توفي

مر الشيخ الجمري بعد عمليته في ألمانيا بمراحل طويلة ومريرة من المرض، انتهت به في منزله في بني جمرة (نقل الى السعودية في يناير 2003 وبقي عدة شهور ومن ثم عاد الى البحرين في سيارة الاسعاف)، تحت إشراف ممرض متخصص.

خمس سنوات قضاها الشيخ من عمره مريضا، وقضتها أم جميل إلى جواره تتنقل من مكان إلى آخر... حتى 18 ديسمبر 2006، يوم وفاته.

على رغم صمودها البادي، لم تستطع أم جميل أن تمنع التماع الدموع في عينيها وهي تتحدث عن يوم وفاته «كنت لوحدي في المنزل عندما اكتشفت وفاته، ولم يكن معه إلا ممرضه الخاص، لم أعرف بالضبط متى توفي، دخلت عليه في الصباح واكتشفت وفاته، ثم لم أعرف ماذا حصل لي، ارتفع ضغطي وسقطت إلى جانبه ولم أستطع النهوض، أخذوني للمستشفى وأعطوني إبرة شعرت بعدها بأنني مشلولة، وبقيت غائبة عن الوعي راقدة في منزل أختي حتى الليل، كانوا قد غسلوه ودفنوه وأنا راقدة، لم أصحُ إلا في الساعة الواحدة بعد الليل، ولم أكن أعرف ما حصل، أفقت من نومي فتوضأت وصليت، وعدت لمنزلي، وهناك فقط، شعرت بأن كل شيء انتهى».

حياتها بعده

هل تتذكرينه؟ ربما يبدو السؤال ساذجا بعد كل ما قالته أم جميل، لأن كل تلك التفاصيل لا يمكن أن تقال عن شخص رحل عنها، وإنما عن شخص حي في عقلها وقلبها وكل تفاصيل حياتها. التمعت عيناها مرة أخرى وهي تقول «أتذكره دائما، وأتذكر كل تفاصيل حياتي معه، لم يكن لي زوجا، كان أباَ حنونا، كان دائما يقول لي إنه يتمنى أن يموت قبلي، ويتمنى أن يمرض بدلا عني، كنت أغضب منه، وأدعو أن أموت أنا قبله، لكن يبدو أن دعاءه هو الذي استجيب... أفتقده في كل شيء، في كل لحظة وثانية أقوم فيها أو أقعد، أنام أو أصحو، دائما يرافقني وجهه، أشعر بحربة تطعنني ألف مرة كلما رأيت مكانا معلما في كتاب كان يقرأه، وترك علامة فيه لكي يرجع إليه... لكنني أحمد الله تعالى، فقد رحل على بصيرة من أمره، خفيفا، لم يحتفظ بأي مال أو أملاك، وزع كل ما لديه على أبنائه، ورحل».

موكب مهيب ذلك الذي شهدته البحرين في وداع الشيخ الراحل، موكب توافد إليه البحرينيون من كل مكان، تقول أم جميل: «اعتبره الناس جميعا أبا لهم، ولم يقصروا معه أبدا، منذ سجنه، حتى مرضه، حتى وفاته، لم يقصر الناس معه أبدا، وحتى بعد مماته، صاروا يزورونه أكثر مما نزوره نحن».

كيف تقضين الآن أيامك يا أم جميل؟ تجيب باسمة «لايزال دوري في المنزل مثلما كان في أيام حياته، مثلما عودني تماما، بيتنا مفتوح للجميع، في استقبال الناس، أنا باقية في المنزل أديره، وعلى رغم أنني أسكن في المنزل لوحدي مع ابني الصغير مهدي، لايزال منزلنا (سفينة نوح) مثلما كان يسميه الشيخ، الزوار لا ينقطعون عنه، والضيوف دائما متوقعون، والوجبات دائماَ حاضرة. منذ أيام حياة الشيخ وأنا دوما حاضرة ومستعدة، كان يحضر كل يوم للمنزل ويناديني: أم جميل يا الوردة ضعي لنا الغداء. فأسأله وأنا أعرف الجواب: هل معك ضيوف؟ فيقول: نعم، كان غالبا يجيب بنعم، وكنت دوما حاضرة، ومستعدة، كانت هذه هي حياتي، وستسمر هكذا بعده».

طيب... ولكن كالبنيان المرصوص

بنظرة ملؤها الدفء والحنان، عادت أم جميل بذاكرتها للوراء، تستحضر رفيقها الحاضر الغائب، رفيقها الذي رحل، ولم يرحل. لاتزال تستحضر طيبته، وقلبه الأبيض، استرخى صوتها كثيرا وهي تتحدث عن أفضل صفاته، ولم تخلُ نبرتها من دلال وهي تتذكر الكلمات التي كان يراضيها بها وتقول «كان الشيخ طيبا جدا، لم أجد شخصا أطيب منه، كنت عندما أزعل منه، لا يهدأ حتى يراضيني، وكان دائما يناديني: وردية... زهور، وعندما أتعصب عليه لأي شأن لم يكن يرد علي، ويكتفي بأن يقول: الله يهديك». كنت أكره خروجه المتكرر من المنزل، لم يكن يبقى معي ومع أبنائه، وكان يسلمني مسئولية البيت بالكامل، كان يسلمني كل ما يملك من نقود، ويتركني أتصرف في كل شيء، وحتى مصروفه الشخصي يأخذه مني. وعندما كنت أنتقد حياته هذه كان يرد علي «هكذا هي حياتي»، وكان دائما ما يعتذر - مازحا - لأصدقائه إن تأخر معهم ليلا بضرورة عودته للمنزل، وإلا (طردته) أم جميل.

معادلة متناقضة فكت أم جميل وحدها رموزها بعد 49 عاما، هكذا كان الشيخ الجمري «كالبنيان المرصوص»، كما تقول، حادا وصارما لا يتنازل عن رأيه، لكنه في الوقت نفسه طيب جدا، حنون جدا، وهب نفسه للناس، وكان آخر همه... «نفسه».

العدد 1604 - السبت 27 يناير 2007م الموافق 08 محرم 1428هـ

التعليقات (0)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم