الأساليب الحديثة لتربية الأطفال

محمد الشراخي - أخصائي طب عائلة - ماجستير علاج المشاكل الزوجية والأسرية (كالفورنيا) 

15 يناير 2010

في دراسات تحليلية اجريت في كالفورنيا للاساليب الحديثة لتربية الأطفال، خلصت هذه الدراسات إلى أربع طرق للتربية وعالجت الآباء والامهات وأيضا الأطفال الذين ينشأون من محيط أسري يستخدم هذه الأساليب التربوية المختلفة.

والجميل فى الموضوع أنه ما إن يفهم المتعالج الأسلوب الذي نشأ عليه، يدرك طريقة سلوكه وآثارها المختلفة على حياته وكيف يستطيع أن يخرج من دائرة اللوم المفرغة إلى دائرة التفهم والتطور الذي ينعكس إيجابيا على كل مجالات حياته.

وقامت هذه الدراسات بها ديانا بومرند عن أساليب التربية الحديثة عن طريق ملاحظة طريقة التعامل بين الآباء وأبنائهم في المدرسة، وتوصلت هي ومن قام بتطوير ملاحظاتها إلى أن هناك ثلاث خصائص ومميزات أساسية تفرق بين الأساليب المؤثرة وغير المؤثرة فى تربية الأطفال.

وهذه المميزات الثلاث هي: التقبل والمحبة، التحكم والسيطرة والسماح بالاستقلالية.

والجدول التالي يوضح الأساليب الأربعة للتربية وكيفية اختلافها تبعا لتلك الخصائص والمميزات الثلاث الأساسية. وتجد أن كلمة الآباء وردت كثيرا، وهي لا تدل على الأب فقط بل على الأب والأم معا.


المربع 1 - المتساهلون والمتسامحون (Permissive):

هؤلاء الآباء يمتازون بالدفء والمحبة والتقبل ولاكنهم لا يظهرون سوى درجة بسيطة أو شبه معدومة من التحكم والسيطرة. هم غالبا ما يكونون إما مفرطو الحب أو غير مكترثين. فيسمحون للطفل باتخاذ خيارات متعددة مهما كان عمر الطفل وقدراته العقلية، في الوقت الذي لا يستطيعون فيه هم اتخاذ أي قرار.

فكل شىيء مباح وجائز مع درجة بسيطة من السيطرة، لدرجة أنهم قلما يستطيعون النطق بكلمة «لا تفعل ذلك». فأطفالهم يستطيعون أن يأكلوا ويناموا ويشاهدوا التلفاز متى شاؤوا وفي أي وقت.

فبالنسبة لهم لا يجب على الأطفال أن يتعلموا السلوك الصحيح أو يقوموا بفعل أي من واجباتهم المنزلية أو المدرسية.

وكل رغبات الطفل مجابة لأنهم يقومون بعمل كل شيء للطفل وصولا إلى حل واجبات الطفل المدرسية وكأنهم من يحضر إلى المدرسة.

وعلى رغم أن بعض هؤلاء الآباء يؤمنون تماما بهذا الاسلوب، فإن الغالبية لا تمتلك الثقة فى قدراتها أو المهارات اللازمة للتأثير على سلوكيات أطفالها.

أطفال هذا النوع من التربية غالبا ما يكونون مندفعين، لا يقبلون الأوامر مع درجة عالية من العصيان والتمرد. ولو قورنوا مع الأطفال الذين يظهر أباؤهم درجة عالية من التحكم (الآباء المتسلطون)، هم أيضا كثيرو الطلبات والاعتمادية على البالغين، ويظهرون درجة قليلة من الاصرار فى عمل الواجبات المنزلية والمدرسية. ومن الملاحظ أن الرابطة بين الآباء المتسامحين والسلوك الاعتمادي غير المثمر يكثر عند الأولاد.


المربع 2 - اللامبالون (Disengaged):

هؤلاء الآباء يجمعون بين قلة التقبل والمحبة ودرجة منخفضة من التحكم والسيطرة مع شمولية عدم وجود أي فرق فى السماح بالاستقلالية. وغالبا ما يكون هؤلاء الآباء منفصلين عاطفيا عن الأسرة ويشكون من الكآبة، بسبب عدم قدرتهم على تحمل ضغوط الحياة المختلفة، لدرجة أنهم لا يمتلكون الوقت أو الطاقة اللازمة لرعاية أطفالهم.

وقد يصنف هذا النوع من التربية اللامسئولة بتاتا بالإهمال، خصوصا عندما تنشأ فى المراحل الأولي من حياة الطفل والتى تؤثر سلبا على كل نواحي نمو الطفل الجسدية والعقلية والعاطفية واكتساب المهارات الاجتماعية. وحتى فى الدرجات البسيطة من هذا النوع من التربية، نلاحظ أن سلوك الأطفال والبالغين يعكس عدة مشكلات كانعدام التحكم الشعوري الذاتي، ومشكلات التحصيل الدراسي والجامعي، والسلوك العدواني.


المربع 3 - المتسلطون والدكتاتوريون (Authoritarian):

الآباء المتسلطون يمتازون بكثرة التحكم والتدخل وقلة المحبة والتقبل مع مزاج متقلب يغلب عليه طابع السيطرة والتحكم والحدة والذي لا يسمح باستقلالية الطفل وخصوصيته، فكل شيء بإسلوبهم وإلا...! فهؤلاء الآباء يبدون برودا في المشاعر تجاه أطفالهم ويقابلون كل شيء بالرفض، إن لم يتماشى مع أسلوبهم وطريقتهم، فهم دائما على صواب والآخرون دائما مخطئون.

ولفرض سيطرتهم ودكتاتوريتهم، هم يعمدون إلى الصراخ وفرض الآوامر والانتقاذ المستمر والتخويف، وكأنهم فى مدرسة عسكرية. وهم يقومون باتخاذ القرارات عن الطفل ويتوقعون من الطفل تقبل كلامهم من دون أي نقاش. ولو أظهر الطفل أي رفض أو مقاومة، يعمد هؤلاء الآباء لاستخدام القوة والعقاب لفرض ما يريدون.

وأطفال الآباء المستبدين يكونون قلقين، غير سعيدين، مع قلة الثقة بالنفس وقلة الاعتماد على الذات واحترامها ويميلون لاستخدام العنف عندما يتضايقون، كما يفعل آبائهم تماما. فالأولاد، خصوصا، يظهرون درجات عالية من الغضب والتمرد.

أما البنات، فيظهرون سلوكيات خارجة عن السلوك العام وعادة ما يكونون أكثر اعتمادية، تنقصهم القدرة على الاكتشاف وغالبا ما يشعرون بالارتباك تجاه أية واجبات.

بالإضافة إلى ذلك، هؤلاء الآباء يظهورون نوعا خاصا من التحكم، وهو التحكم النفسي، إذ إنهم يتدخلون ويحركون نمط كلام آبنائهم وخصوصياتهم وطريقة تقربهم من الأبوين. فهم عادة ما يقاطعون أو يهملون كل آراء وقرارات واختيارات أطفالهم فى شتى مسارات حياتهم، بدءا من اختيار الأصدقاء وانتهاء باختيار تخصصهم وعملهم وشريك حياتهم وحتى طريقة تربية أحفادهم. وعندما يكونون غير راضيين، فإنهم يسحبون مشاعر المحبة ويبقونها مرتبطة مع إذعان أطفالهم لهم. وغالبا ما يتوقعون أشياء كبيرة لا تتناسب مع مستوى سن الطفل وقدراته العقلية. والأطفال الذين يمارس عليهم هذا النوع من التحكم النفسي يظهرون مشكلات في التأقلم يتمثل فى سلوكيات متعددة كالغضب والعدوانية والعصبية واللآمبالاة والتهرب.


المربع 4 - الواثقون (Authoritative):

يعد هذا الأسلوب الأكثر نجاحا فى التربية. فهؤلاء الآباء يمتازون بتوفيرهم أعلى صورة للتحكم والحب معا. وهذا الأسلوب يشتمل على درجة عالية من التقبل والاهتمام، وتقنيات تحكم ملائمة ومرنة، مع منح الطفل درجة مناسبة من الخصوصية والاستقلالية تناسب مرحلته العمرية وقدراته العقلية.

فالآباء الواثقون هم حنونين، مهتمون وحساسون لاحتياجات أطفالهم المختلفة، لأنهم ينشئون علاقة عاطفية مع آبنائهم تغذي جميع إحتياجات الطفل والتى تدفعه أكثر إلى التقرب منهم. وفي الوقت نفسه، الآباء الواثقون يمارسون درجة من الحزم والتحكم المعتدلين، حيث يصرون على خلق سلوك ناضج مع إعطاء الأسباب لما يتوقعونه من الطفل. وأخيرا، الأبوان الواثقان يميلون إلى السماح التدريجي والمعتدل لخلق استقلالية الطفل التي يحتاجها لاتخاذ القرارات المختلفة فى الجوانب المتعددة لحياته الحالية والمستقبلية مع التعلم من تجارب الماضي.

والخلاصة إن أسلوب التربية يلعب دورا أساسيا فى حياة الأطفال الحاضرة والمستقبلية وهو ما يؤثر تبعا على المجتمع ككل، لأن الأسرة هي النواة الأساسية لبناء المجتمع. ولذا تصب بعض تقنيات العلاج الزوجي والأسري في هذه الخانة لعلاج الفرد والأسرة ولخلق مستقبلٍ مشرق ومجتمعٍ أكثر تماسكا وعطاء.

وأنا أتساءل أي أسلوب نشأت وتربيت عليه؟ وأي أسلوب تستخدم فى تربية أطفالك؟ وأي اسلوب تعتقد أنه السائد فى مجتمعك؟ وهل معرفتك لتلك الأساليب المختلفة سيجعلك تعرف كيف نشأت وكيف ستربي أطفالك أفضل تربية؟ والأهم من ذلك، كيف بالتحديد نمتلك المهارات اللازمة لتربية أطفالنا بطريقة الآباء الواثقين والذين ينشئون جيلا قادرا على خوض معترك الحياة بثقة وطمأنينة لرفعة شان هذه الأمة؟... فالأسئلة كثيرة وتحتاج إلى إجابة... فهل من مجيب؟

العدد 2688 - الجمعة 15 يناير 2010م الموافق 29 محرم 1431هـ




التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً