العدد 517 - الخميس 05 فبراير 2004م الموافق 13 ذي الحجة 1424هـ

نعومي تشومسكي: اللغة مركّب أساسي للعقل البشري

في لقاء أجرته بوتنام

أجرى الحوار - ليليان آر بوتنام 

تحديث: 11 سبتمبر 2014

يرفض «تشومسكي» الفكرة القائلة بأن اللغة هي مرآة العقل، ويرى انها فكرة تقليدية تم التعبير عنها بوسائل مختلفة على مدى القرون الماضية، ليؤكد ان اللغة مركّب أساسي للعقل البشري، إذ العقل البشري من أعقد وأدق الأنظمة البيولوجية التي نعرفها، فعندما ندرس خواص ومظاهر هذا النظام المعقد، فإننا ندرس ما نسميه «العقل» ، ويبدو انه يتكون من أنظمة مختلفة يتسم كل منها بالتعقيد والتخصص الدقيق مع تفاعلات من النوع الذي تحدده مواهبنا الطبيعية البيولوجية المعروفة.

يجهل الكثير من المدرسين عملك لأن دراسة علم اللغة غير مطلوبة في تدريبهم المهني. وسيكون من المفيد والمثير لبعض الاهتمام إذا قمت بالإجابة على بعض الأسئلة التي سأطرحها. إن كتابك الذي قمت بنشره العام 1957 - بعنوان «تركيب الجملة» يعرض أسلوبا جديدا تماما في نظرتنا في اللغة. ما الذي جعلك تبدأ بهذا الاستكشاف؟

- لربما يبدي المرء اهتماما باللغة لأسباب عدة ولوجهات نظر عدة. لقد سيطرت على اهتمامي عدة أسئلة جوهرية وهي:

- ما الشيء الذي نعرفه عندما نتعلم اللغة؟

- كيف يتم الحصول على هذه المعرفة؟

- كيف يتم استخدام هذه المعرفة؟

- ما الأساس الجسمي - في الآليات العصبية - لأنظمة المعرفة واستخدام اللغة؟ إن السؤال الرابع لايزال على بساط البحث، لذلك دعنا نركز على الأسئلة الثلاثة الأولى. في أوائل الخمسينات كانت الإجابات التقليدية على هذه الأسئلة على النحو الآتي:

- إن اللغة نظام معين من العادات والمهارات. ولكي تعرف اللغة عليك اتقان هذه المهارات.

- إن معرفة اللغة تتم بواسطة آليات مثل التكيُّف، المشاركة مع الآخرين، التدريب على استخدام المهارات... الخ.

- إن استخدام اللغة هو ممارسة للمهارات التي تم اتقانها. ومن منظور علم النفس فإن الافتراضات السائدة كانت تركيبية. وكفرع نظري كان علم اللغة يركز على ابتكار قوانين للتحليل يمكن استخدامها لتقديم تفسير منظم ومتناسق لعناصر اللغة والعلاقة بين هذه العناصر والترتيب الذي تظهر فيه وطريقة تصنيفها إلى عناصر أكبر وهلّم جر.

ويبدو واضحا بالنسبة إليّ أن هذه الأساليب كانت غير ملائمة تماما، وفي الواقع فقد كان المفهوم بأكمله خاطئ تماما. إن الاستخدام العادي للغة ليس ممارسة عادة أو مهارة. وفي العادة يكون استخدام اللغة ابداعيا بمعنى أنه يتضمن بشكل دائم خلق وتفسير أنماط جديدة - جديدة بالنسبة إلى خبرة مستخدم اللغة أو حتى في تاريخ اللغة. ولا يعتبر هذا الأمر ظاهرة غريبة بل عرفا مألوفا.

وهكذا فإن قراء هذه العبارة لربما لم يصادفوا أي منها من قبل أو حتى عبارات شبيهة لها، ومع ذلك لا يجدون صعوبة في معرفتها كجمل توجد في لغتهم وتحديد معنى محدد لها. إنهم يفعلون هذا بالطريقة نفسها كما يتبعها المتحدثون الآخرون بلهجات مختلفة باللغة الانجليزية. ولو تم تعديل هذه الجمل بطريقة اعتباطية (النقل بترتيب عكسي) ستصبح جديدة بالنسبة إلى القارئ ولكنها ستصبح كلاما غامضا غير مفهوم. ومن السهل أن نبين أن متحدثي اللغة (حتى الأطفال الصغار) يحددون معانٍ دقيقة محددة لجمل بسيطة تعتبر جديدة تماما بالنسبة إلى خبرتهم.

ادرس على سبيل المثال الجمل الآتية لتبين المعيار الحقيقي في استخدام اللغة:

- إننا نتوقع أن نحب بعضنا بعضا.

- جون يتساءل من (نتوقع أن يحب بعضنا بعضا).

- جون ذكي لدرجة أنه يستطيع الإمساك ببل.

- جون ذكي لدرجة أنه يتوقع أن يمسك أحد ببل.

- جون ذكي لدرجة أن أحدا لا يستطيع الإمساك به.

- جون ذكي لدرجة أنه لا يتوقع أن يمسك به أي شخص.

- جون ذكي لدرجة أنه لا يقابل أي شخص قام بالإمساك به.

في الجملة الأولى نعرف المعنى تقريبا وهو أن كل واحد منا يتوقع أن نحب الآخرين من أمثالنا.

وفي الحالة الثانية فإن الجملة مغروسة في السياق «جون يتساءل من» ومع ذلك فإنا نفسرها بشكل مختلف. إن العبارة المتبادلة «بعضنا بعضا» لا ترتبط بالضمير نحن (WE)، ولكن إلى العبارة الأكثر بعدا «مَنّ WHO».

وفي المثال الثالث نفهم أن جون سيقوم بعملية الإمساك.

وفي المثال الرابع فإن جون هو الذي سيقوم بعملية التوقع.

أما في المثالين الخامس والسادس اللذين يختلفان عن الثالث والرابع في حذف الاسم الأخير فقط فإن المعنى مختلف تماما: إنه ليس جون الذي سيقوم بعملية الإمساك والتوقع بل شخص آخر، لربما نحن. إن جون هو الشخص الذي سيتم الإمساك به.

ويبدو أن المثال السابع معقدا بالدرجة نفسها والسؤال السادس نفسه تقريبا ولكنه كلام غير واضح تماما إلا إذا فهمنا معنى «يمسك» بشكل مختلف تماما كما في «إنه يبحث عن الأميركيين».

هذه الجمل القصيرة والبسيطة نفهمها بطريقة دقيقة وواضحة مع أنها قد تكون جديدة بالنسبة إلى خبرتنا بخلاف الجمل الأخرى التي تعلمناها.

ولا نقوم بتعليم الأطفال أن يفسروا هذه الجمل بطريقتهم الخاصة كما لا نطلب ذلك من الأجانب الذين يتعلمون الانجليزية. إن أمثلة كهذه لا تظهر في كتب النحو أو النصوص المعدة للتدريس لأنها ستربك القارئ لو ظهرت في هذه الأماكن. وفي الحقيقة ان خواص هذه الجمل لم تعرف سوى منذ فترة قصيرة. وتبدو الجمل مألوفة ولكن ليس لأننا قد صادفنا جملا أخرى شبيهة لها. وفي الواقع ان فحص النصوص الواقعية يظهر أن مثل هذه التركيبات شيء نادر تماما.

وضوح فإننا لا نستطيع القيام بهذه الأعمال عن طريق العادة كما لا يتضمن القيام بها أية مهارة. إن عدم قدرتنا على ربط عبارة بعضنا بعضا مع نحن (We) لا يدل على عدم وجود المقدرة. إن ذلك لا يعني أننا لم نتدرب بشكل كافٍ أو أننا ضعفاء أو أنه يجب علينا المحاولة بشكل أكبر. وعلاوة على ذلك فإن هذه الأمثلة توضح أن أية فكرة للقياس والمشابهة لن تكون ذات فائدة في شرح الخواص الجوهرية للغة.

وتوضح هذه الأمثلة أن الإطار الكامل لعلم النفس السلوكي غير ملائم ببساطة للسلوك اللغوي العادي مع أنه لتوضيح هذه النقطة تكفي ملاحظات أكثر بساطة إذ أنها تكفي لبيان اللا علاقية (عدم وجود علاقة) بين النظرية السلوكية والسلوك بشكل عام باستثناء جوانبها المحيطية.

ويبين الانتباه إلى الحقائق أن الإجابة على الأسئلة الثلاثة التي تم ذكرها في البداية لابد أن تكون مختلفة تماما عن تلك الإجابات التقليدية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. إن معرفة مثل هذه الحقائق في الحقول المختلفة ومعرفة الأفكار الخاصة بطريقة تفسير هذه الحقائق قد أدى إلى التوجه المعرفي في علم النفس في متنصف الخمسينات من القرن الماضي وإلى تطور علم النحو الإبداعي داخل علم اللغة الذي يعتبر عاملا رئيسيا في هذه الثورة المعرفية كما يقال أحيانا.

يبدو أن الإجابات الصحيحة على الأسئلة الثلاثة هي على النحو الآتي:

- لمعرفة اللغة لابد من اتقان نظام من القوانين والقواعد.

- يكتسب الطفل هذه المعرفة عن طريق الموهبة الطبيعية البيولوجية الثرية التي تحدد بدقة كبيرة أنواع الأنظمة التي يمكن تطويرها مع اكتساب اللغة.

- إن اكتساب اللغة سلوك يخضع للقوانين. ويوجد في طبيعة اللغة - وطبيعة الكثير من الفكر والعمل البشري - نظام صور ذهنية ونظام حسابي كذلك. لذلك فإن هدف علم اللغة هو اكتشاف هذه الأنظمة (والأكثر عمقا) اكتشاف المواهب الطبيعية البيولوجية الثابتة التي تمكن كل طفل من تطوير نظام معرفي ثري وواضح بدرجة عالية استنادا إلى الأدلة المحدودة المتناثرة.

لقد كانت هذه الأفكار جديدة تماما على اية حال. وفي الواقع فإنها تستدعي إلى الذاكرة تقليدا ثريا تم نسيانه بعد منتصف الخمسينات ومازال القليل معروفا عن هذا التقليد.

بالنسبة إلينا كأشخاص عاديين لسنا من علماء اللغة، كيف يمكن لك أن تبين لنا الفكرة الأساسية لنظريتك التشكيلية الإبداعية؟

- تتلخص الفكرة الرئيسية في أن معرفة اللغة ترتبط بنظام من القوانين والصور والعمليات الحسابية الذهنية المرتبطة بالمحرك والجهاز الحسي وأن معظم هذا النظام ثابت غير متغير مثل الشكل والتركيب الأساسي لجسم الإنسان الذي تسيِّره الموهبة الطبيعية البيولوجية.

ولتطوير هذه الأفكار بشكل أكبر فإن ذلك سيقودنا إلى القواعد التي تحدد شكل ومعنى الجمل. وتعتبر الظواهر كالأمثلة التي سقناها سابقا شيئا مألوفا في اللغات العالمية حسبما نعلم.

ويجب ملاحظة عدم وجود بعض العناصر بشكلها المادي في جميع هذه الأمثلة ولكن هذه العناصر مفهومة. فعلى سبيل المثال إن فاعل الفعل (LIKE) في المثال الأول والثاني ليس واضحا ولكنه يفهم بطريقتين مختلفتين في المثالين. وينطبق الشيء نفسه على الأمثلة الأخرى.

إن قوانين اللغة هي التي تحدد المكان الذي يجب أن تظهر فيه هذه العناصر المفقودة. وكيف علينا أن نفهمها. إن هذه العناصر مفقودة فقط بمعنى أنه لم يتم نطقها، ولكن العقل يدركها ويستخدمها في حساباته الذهنية وتصبح عناصر حقيقية تماما مثل جون ونحن (WE)... الخ. لأنه يتم ربطها بالجهاز الصوتي في نظام العد الذهني.

وهناك اختلاف بين اللغات طبعا، فالانجليزية تختلف عن اليابانية. ولكن يبدو أن اللغات تختلف فقط في اختيارها للمفردات وانتقاء بعض الخيارات التي لا تحددها القوانين الثابتة لمواهبنا الطبيعية البيولوجية.

وبالتالي ففي كل لغة الأفعال تأخذ مفعولا به ولكن المفعول به يمكن أن يتبع الفعل كما في الانجليزية أو يسبقه كما في اليابانية. ويوجد في اللغة الانجليزية حروف جر بينما يوجد في اليابانية لفظات مؤخرة. وتبدو اللغة اليابانية في كثير من الأحوال كمرآة للغة الانجليزية وتبدو شكليا مختلفة عنها في الكثير من الأوجه الأخرى، ولكنهما تصبان في القالب نفسه.

ويصح القول نفسه على اللغات الأخرى حسبما نعرف مهما تبدو مختلفة ظاهريا. وفي الواقع فإننا ندرك أن الأمر لابد أن يكون كذلك وإلا لما استطاع الأطفال تعلم أي من هذه اللغات. ويمكن أن تكتسب اللغة بكل ثرائها وتركيباتها المعقدة لأن الطفل يعرفها مسبقا بشكل أساسي كجزء من موهبته الطبيعية البيولوجية. ويصح القول نفسه بشكل أوسع على كل مجالات الانجازات البشرية.

لقد ذكرت أن المساهمة الرئيسية لدراسة اللغة تكمن في فهم طبيعة العمليات الذهنية بمعنى أن اللغة هي مرآة العقل. ما هي الانعكاسات المهمة في هذه المرآة في هذه المرحلة من عملك؟

- إن الفكرة القائلة إن اللغة هي مرآة للعقل فكرة تقليدية تم التعبير عنها بوسائل مختلفة على مدى القرون الماضية. إنني لم أشعر قط أنه يجب أخذ هذا التعبير المجازي حرفيا. فعلى الأصح يبدو أن اللغة مركب أساسي للعقل البشري إذ أن العقل البشري من أعقد وأدق الأنظمة البيولوجية التي نعرفها. فعندما ندرس خواص ومظاهر هذا النظام المعقد، فإننا ندرس ما نسميه «العقل». ويبدو أن العقل البشري يتكون من أنظمة مختلفة يتسم كل منها بالتعقيد والتخصص الدقيق مع تفاعلات من النوع الذي تحدده مواهبنا الطبيعية البيولوجية. ويعتبر العقل من هذه الناحية مثل جميع الأنظمة البيولوجية المعروفة - الأعضاء الجسدية أسفل الرقبة على سبيل المثال.

وتعتبر الملكة العقلية اللغوية عند الإنسان واحدة من هذه الأنظمة. إن الأمر مثير على وجه الخصوص لان هذه الملكة العقلية خاصية مشتركة عند البشر - مع اختلاف بسيط باستثناء التلف الخطير في وظائف المخ - ينفرد بها الجنس البشري، وخلافا للاعتقادات الكثيرة الخاطئة يبدو أن الكائنات الأخرى تنقصها الخواص الأولية للملكة العقلية اللغوية التي توجد عند الإنسان وهي الحقيقة التي تم اثباتها بشكل مثير في الدراسات الحديثة التي أجريت على القردة. وهكذا تبدو اللغة البشرية «خاصية حقيقية للأنواع» تدخل بطريقة رئيسية في فكرنا وفهمنا. ولكنها في رأيي ليست مرآة للعقل بل هي على الأصح مركب أساسي للعقل البشري وعنصر مهم لجوهر الإنسان.

لقد ذكرت في كتابك «اللغة والعقل» بصورة أساسية أنه مع استمرار البحوث في علم النحو فإننا نتوقع تغييرا في الحدود التي تبدو واضحة الآن بحيث تصل هذه الحدود إلى أساس جديد لتنظيم علم النحو. والآن (في العام 1987) ما هي التغييرات التي طرأت إذا وجد أي منها؟

- لقد حدثت تغييرات كثيرة في مفهومنا لطبيعة اللغة في العقود الثلاثة الماضية. لقد كان العمل الأول في علم النحو الإبداعي - كما ذكر في كتابي «تركيبات بناء الجملة» مشابها في بعض النواحي لعلم النحو التقليدي. وتحديدا فقد تضمن هذا العمل قوانين تتعلق بتركيبات محددة ولغات محددة.

لذلك فإن قانون تكوين الأسئلة باللغة الانجليزية أو عبارات المبني للمجهول كان خاصا باللغة والتركيب كما هو الحال في علم النحو التقليدي إذ يوجد فصل يقدم صيغة المبني للمجهول وفصل آخر عن الأسئلة وهلّم جر. إن ما يسمى بقوانين علوم النحو التقليدية مجرد إشارات فقط يفهمها القارئ الذكي الذي يعرف اللغة تماما مثلما تفترض قوانين تعليم النحو مسبقا أن لدى القارئ معرفة مسبقة بالتركيب الأساسي للغة.

وعلى العكس فقد حاول علم النحو الإبداعي أن يوضح ما هو مفترض سابقا - وفي الواقع الشيء الذي لم يكن وجوده معروفا - في علم النحو التقليدي والبيداغوجي. وباستثناء هذا الفرق المهم فإن النظرة لأنظمة قانون علم النحو الإبداعي ظلت مألوفة. وقد أفضى البحث الذي تم إجراؤه أخيرا إلى نتيجة مفادها أن قوانين علم النحو التقليدي وعلم النحو الإبداعي الأول هي مجرد نتاج صُنعي وليست عناصر حقيقية للعقل/ الذهن. ويبدو أنه لا توجد قواعد خاصة بالتركيب بل قوانين عامة مثل قوانين تفسير العناصر المفقودة وهي سمة تشترك فيها جميع اللغات وجميع التركيبات. وتختلف اللغات في الطريقة التي تم الإشارة إليها سابقا ولكن ليس باختيار قوانين مختلفة. وهكذا فإن البحوث الحديثة تتسم بالابتعاد الجذري عن الأسلوب التقليدي في دراسة اللغة الذي امتد لآلاف السنين.

يعطي مدرسو القراءة اهتماما باكتساب اللغة إذ أن اللغة الملفوظة تشكل الأساس للقراءة. وقد ذكرت في كتاباتك أن الأطفال مبرمجين جينيا عند الولادة لاكتساب اللغة وأن هذا الاكتساب فطري. إذ هل يمكن تبرير الأهمية الكبيرة التي توليها الروضات ودور الحضانة لتطوير اللغة؟

- ليس هناك أدنى شك في أن التركيبات الأساسية للغة والقوانين التي تحدد شكل وتفسير الجمل في أية لغة بشرية هي أشياء فطرية إلى حد كبير ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن التأكيد على تطوير اللغة أمرا خاطئا. فإذا وضع الطفل في بيئة فقيرة فإن قدراته الفطرية لن تنمو وتنضج وتزدهر. فلو أخذنا حالة غريبة على سبيل المثال فإن الطفل الذي يلبس جبيرة للعظام في ساقيه لفترة طويلة لن يكون بمقدوره أبدا تعلّم المشي، كما أن الطفل المحروم من التغذية المناسبة قد يصل إلى مرحلة البلوغ بعد مدة طويلة أو قد لا يصل مع أنه لا يوجد شك بأن المشي والنضوج الجنسي هي خواص بيولوجية تحددها الغريزة. وبطريقة مماثلة فإن الطفل الذي يترعرع في مؤسسة تعليمية واجتماعية ملائمة سيكتسب الخبرة الكافية ويحصل على التغذية المناسبة ولكن قد لا يتطور بشكل عادي - جسمانيا أو ذهنيا - في حال عدم وجود التفاعل البشري العادي. إنه لفهم تقليدي بأن التعليم ليس كعملية ملء كوب بالماء ولكن مثل تمكين الزهرة من النمو بطريقتها. ولكن هذه الزهرة لن تنمو وتتفتح من دون رعاية جيدة. إن تطوير اللغة - مثل كل أنواع التطوير البشري - يتحدد بشكل كبير بطبيعة البيئة وقد يتأثر بشكل كبير إذا كانت البيئة غير ملائمة. وتعتبر البيئة المحفزة ضرورية لتطوير حب الاستطلاع الطبيعي لدينا ولتطوير ذكائنا وقدراتنا الإبداعية ولنمو قدراتنا البيولوجية. إن حقيقة أن سير التطور يتحدد داخليا عن طريق نمو الجسم إلى حد كبير لا يعني أن ذلك التطوير سيتقدم من دون رعاية وتحفيز وفرص مواتية.

إننا نُدرك أن علم اللغة هو الدراسة العلمية للغة وليس طريقة لتعلم اللغة. فإذا كان مدرسو الصفوف الابتدائية على اطلاع بعملك. فما أنواع التغييرات أو الاهتمامات التي يمكن أن يقوموا بها في تدريس القراءة؟ ما هي الاقتراحات العامة التي قد تساعدهم؟

- إنني أتردد في اعطاء إجابة على هذا السؤال. إن على ممارسي المهنة أن يقرروا بأنفسهم الأشياء المفيدة وغير المفيدة. وباعتباري عالم لغة لا يوجد لدي مؤهلات خاصة أو معرفة تمكنني أو تؤهلني لوصف أساليب لتدريس اللغة. وكشخص يعمل في هذا المجال توجد لديّ أفكاري الخاصة عن هذا الموضوع بناء على خبرتي (جزئيا باعتباري مدرس لغة للأطفال) والاستبطان واجتهادي الشخصي ويجب عدم خلط هذه الأشياء بالخبرة الفنية الاحترافية التي تأتي من هيئات أو مصادر عليا.

إن شعوري الخاص - وهو رأي شخصي - أن التدريس في أي مرحلة من الحضانة إلى المرحلة الجامعية مسألة تتعلق بتشجيع تطوير الملكات اللغوية إلى حد كبير.

إن أفضل أسلوب للتدريس يكمن في توضيح أن المادة العلمية مفيدة والسماح بتطوير وتعزيز الاهتمام وغريزة حب الاستطلاع الطبيعي لدى الطفل والبالغ بالنسبة إلى معرفة الحقيقة وفهم الأمور. إن هذا يشكل حوالي 90 في المئة من الحل للمشكلة. ويمكن لأساليب التدريس أن تؤثر في حل النسبة المتبقية.

لقد تم دحض الكثير من آرائنا الأولية بخصوص طبيعة اللغة التي يتحدث بها الأطفال المحرومين، على سبيل المثال اعتبار اللغة الانجليزية التي يتحدث بها السود ناقصة أو وضيعة أو أنها تخفق في تقديم أساس ملائم للتفكير المجرد. ويريد الناطقون باللغة الانجليزية التي يتحدث بها السود أن يتعلم أطفالهم اللغة الانجليزية السائدة. هل يمكن أن يتم ذلك بشكل أفضل عن طريق التعليم المباشر أو بطريقة التعلم التدريجية التي تتطلب البقاء على اتصال وثيق بالشيء المراد تعلمه؟

- إن أي شخص لديه دراية باللغة قد سلّم جدلا أو كان لابد أن يسلم جدلا أن ما يسمى لغة السود (BLACK ENGLISH) هي بكل بساطة لغة تتسم بجودة لهجتي الحضرية نفسها للانجليزية في ولاية فيلادلفيا ولهجة سكان اكسفورد المرموقين واليابانية واليونانية... الخ. فلو تم تغيير الجنس والطبقة الاجتماعية وعلاقات القوى الأخرى فلربما يظهر BLACK ENGLISH باعتبارها لغة سائدة وسينظر إلى ما أتحدثه لغة ناقصة. إن أي من هذه الأمور لا علاقة له بطبيعة اللغات. إن الفكرة القائلة إن BLACK ENGLISH أو لهجتي الحضرية أو أية لغة أخرى تفشل في تقديم أساس كافٍ للتفكير المجرد هي فكرة غير قابلة للتصديق تماما وأعتقد أن المرء يجب أن يشك بشكل كبير في المزاعم التي تقول عكس ذلك. وعادة ما تبنى هذه المزاعم على سوء فهم جسيم.

ومع ذلك تُثار الأسئلة بالنسبة إلى ما يجب تدريسه في المدارس. فإذا ما حدث وسيطر الناطقون بلهجة BLACK ENGLISH على المجتمع الأميركي فلربما يثار جدل بأن أطفالي يجب أن يتعلموا لغة الثقافة السائدة (BLACK ENGLISH) وليس الانجليزية المعينة التي أتحدث بها. وفي هذه الحال فإن القرار سوف لن يرتكز على مميزات اللغة أو بعض الآراء الباعثة على السخرية بشأن كيفية وقوف بعض اللغات عائقا في طريق التفكير المجرد، بل على اعتبارات أخرى





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 9:46 م

      اللسانيات

      نحن مع راي العملاقتشومسكي اللغة مركب اساسي للعقل لكن تبقى دائما قائمة على مثير و استجابة حتى وان كانت هده المثيرات قابعة مازال العلم بعد لم يدرك كنهها الا ان المثير و الاستجابة يلعبان دورا محوريا على العقل ومن ثم اللغة شكرا

اقرأ ايضاً