العدد 3815 - السبت 16 فبراير 2013م الموافق 05 ربيع الثاني 1434هـ

مسرح جلجامش يعيد «لعبة البداية» وتستهويه صورة المرأة الماكرة

حين يلجأ المخرج عبدالرحمن فقيهي في مهرجان مسرح أوال السابع إلى الحكاية التراثية ليوظفها مسرحياً في نقد الواقع الاجتماعي والسياسي والطبقي، فإنه يتماهى مع شدة استيهام الناس في هذه اللحظة التاريخية للتراث، فالناس تحفظ الكثير من الحكايات التاريخية أو التراثية لترويها وتتمثلها على مستوى الواقع الاجتماعي، ولذلك ليس غريباً أن نتأثر بالتراث ونؤثر فيه فالتراث في هذه اللحظة التاريخية نرويه ويروينا، ولذلك ليس غريباً أن يوظف درامياً دائماً في حالة استهواء من المنتجين والمستهلكين للتراث الذي يعيش فينا ونعيش فيه ونغذيه ويغدينا ونستعيده ويستعيدنا.

تبدأ الحكاية المسرحية بحوار بين امرأتين مثلتهما كل من إلهام أبوالسعود في دور (خزيمة) والأخرى شريفة طالب في دور (بنانا) والتي يتبين فيما بعد أنهما ضرتان في بيت واحد، ويدور حوارهما حول الزوج وفقره وكسله، وانتقاله من عمل لآخر وحظه التعس وحلمهما بالغنى والثراء، فتنصح أحدهما الزوج سالم النعماني والذي مثله وليد محمد بأن يلجأ للساحرتين ( أسما وريم) واللتان بدورهما تشيران عليه بأن يعمل لدى الوالي (محمد السعدون) حاملاً لمفاتيح حمام القصر بشرط أن يسرّ له بذلك في أذنه، وخلاصة الحكاية أن هذا الرجل سالم النعماني المعدم الفقير ينتقل من فقرٍ إلى غنى بواسطة الحيلة والدهاء والمكر فبمجرد أن يسرّ للوالي في أذنه بهذا الطلب ويصبح خادمه المطيع تتغير معاملة الناس له فيستغل ذلك ويثري وتتغير أحواله فيقتل الوالي، وهكذا ينتقل للسلطان ويسرّ له في أذنه لنكمل نحن الحكاية فنكتشف أنه حين أسر للسلطان في أذنه إنما طلب الطلب نفسه وهو أن يصبح خادمه المطيع وحامل مفاتيحه ويبدو أن الحكاية تتواصل هكذا مرة أخرى.

عنوان المسرحية (لعبة البداية) يحمل دلالة دقيقة جداً، إذ إننا نرى المسرحية تبدأ ولا تنتهي فإذا كانت الحكاية قد ابتدأت تشتد حين أسر سالم للوالي بأن يصبح حامل مفاتيح حمام القصر انتهت كذلك بالحدث نفسه مع السلطان... وهكذا ستتكرر نفس القصة في أذهاننا كمشاهدين وهنا نجد المخرج قد خاطب فينا المتفرج الذكي فهو لم يقل لنا ما أسر سالم للسلطان وما ذا بعد ذلك، بل ترك لنا كمشاهدين أن نتخيل بقية الحكاية، ونستعيدها مرة أخرى، فكما أسر للوالي في أذنه وواصلنا معه الحكاية في البداية هاهو مرة أخرى يسر للسلطان في أذنه ليواصل اللعبة ولتكون لعبة البداية هي هي مرة أخرى لعبة النهاية. فهل المخرج هاهنا يؤكد مقولة إن التاريخ يعيد نفسه دائماً بهذه اللعبة الفنية التي تبدأ الحكاية بها وتنتهي وليؤكد لنا أنها لا تنتهي وإنما تتناسل بعضها من بعض.

يتشكل الفضاء المسرحي في لعبة البداية في ثلاثة أماكن هي بيت سالم النعماني الذي أعطى لنا خلفية عن شخصية هذا الرجل، ثم انتقلت الحكاية إلى فضاء السوق ثم الذي أعطى لنا ملامح أخرى لهذا الرجل الفقير صاحب الحظ التعس سالم رغم شطارته في البيع لا يلقى من صاحب المحل (ياسين قازاني) لا تقديراً ولا تعزيزاً يجعله يستمر في هذه الوظيفة ثم إلى أن انتقلت بنا المسرحية إلى فضاء آخر وهو القصر وهكذا تنطلق الحكاية من مكان إلى آخر بسلاسة وتلقائية من غير تعب في تأثيث المكان المسرحي للحكاية تاركة لنا أن نتخيل بقية التفاصيل في خلفية كل مشهد، ولعل هذا الفقر في الأثاث والبساطة فيه هو ما منح العرض التلقائية في الانتقال من فضاء إلى آخر بكل سلاسة وتلقائية، ومنحنا تفاصيل أخرى في تصور ملامح شخصية سالم النعماني وكيف تتشكل مع تنقلها من مكان لآخر ومدى قدرة المكان على صناعة الإنسان أو العكس حيث يتشكل الإنسان ويعيد بناء شخصيته بحسب المكان، فهو دائماً يتأثر بالدور الذي يريد المكان أن يمثله فما نحن إلا ممثلون لسياقاتنا وأماكننا، والإنسان دائماً يمثل الدور التي يفرضه عليه المكان.

وفي صورة أخرى فاقعة تجلي مسرحية لعبة البداية وظيفة المرأة الماكرة بإلحاح شديد فمنذ البداية تبين أن الزوجتين هما الدافعتان لسالم النعماني للبحث عن الغنى والثراء، ثم ظهر عنصر المكر والدهاء والتدبير مرة أخرى عبر نصيحة الساحرتين للنعماني بأن يسر في أذن الوالي، ثم ظهر ذلك مرة ثالثة عبر زوجة الوالي (سدابه) المرأة الماكرة التي تدس له دواءً يزيد علته ومرضه، ولعله هكذا هي صورة المرأة في الحكاية التراثية التي تؤدي دائماً وظيفة المكر والخداع وتساهم في الحبكة وإذكاء الحدث، ولعله بهذه التجلية التي صنعتها لنا المسرحية يتأكد لنا أهمية تفكيك التراث لنكتشف ما وراء هذه الصورة وما أثرها والتي أعتقد مازالت تبعث من جديد حيث تستمر هذه الوظيفة حتى اللحظة الراهنة فتشكل صورة المرأة الحديثة، فإذا كانت الحكايات التراثية قد صنعت صورة المرأة القديمة الماكرة، فإنها مازالت تتشكل بالطريقة نفسها في أذهاننا حديثاً حتى هذه اللحظة الراهنة.

في هذه المسرحية يجتهد الممثلون ومخرجهم في تقديم نقد اجتماعي عبر الحكاية التاريخية ليستطيعوا الكلام بحرية تامة ولذلك فقد نقدوا دور المرأة الكيدي كما شاهدنا ذلك مع عدة عناصر نسائية ونقدوا الحالة الطبقية في تكريس حالة الفقر عند سالم وتسلط رب العمل عليه، ورغم أنه كان ضحية في البداية إلا أنه مارس الدور نفسه الذي مورس عليه فأخذ هو أيضاً يُسقِط ضحايا آخرين تماماً كما هي بنية حكايات الشطار والعيارين التراثية، ولعل المسرحية مستمدة في بنائها وأحداثها من تلك الحكايات التي دارت على مسرح الزمان ومازالت تطل برأسها حتى هذه اللحظات.

العدد 3815 - السبت 16 فبراير 2013م الموافق 05 ربيع الثاني 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً