العدد 4584 - الخميس 26 مارس 2015م الموافق 05 جمادى الآخرة 1436هـ

النَفَسُ الطويل... التكثيف في سرْد المنافي والنظر إليها

"ذاكرة الصهيل" للعراقي علي رشيد...

الوسط (فضاءات) - جعفر الجمري 

تحديث: 12 مايو 2017

لم أقرأ من قبل للشاعر والتشكيلي العراقي علي رشيد. الإحاطة بكل شعراء وطاقات العراق أمر فيه كثير من الإدِّعاء والبحث عن وجاهة من نوع ما. لم أقرأ له، لكن بعد قراءة المجموعة التي بين يدي "ذاكرة الصهيل"، يمكن القول وبطمأنينة بالغة، ثمة كثير من الشعر. ثمة كثير من النبوءات أيضاً. ثمة الأكثر من ذلك، ثمة قراءة مُغايرة للمنافي بشعْرَنتها، وسرْد ونظر إليها. ثمة وجع "نبيل" كذلك. ثمة سرْد للمنافي ونظرها. النظر إليها. شعْرنة تلك البقع الفاصلة في الروح والذاكرة، والقدرة على استيعاب المكان الطارئ، بعيداً عن مكان الميلاد والوعي.

ثمة لعبة اختزال حتى في النصوص التي تبدو ممتدة، وذات نفَس طويل. لأن التكثيف في النص يكشف عن النفَس، لا طوله وامتداده. ليس شرطاً أن يتحقَّق بذلك. ليست الأسماء ما ينشغل بها الشعر. الشعر يذهب في الصفة. ينشغل بها. يمارس المقاربات من خلالها.

بعبارة أخرى، النَفَسُ الطويل يكمن في براعة التكثيف في الشعر، وحضور اللغة.

المجموعة الصادرة في العام 2002، عن "نينوى للدراسات والنشر والتوزيع"، حوت 16 نصاً، تبدأ بـ "تفاصيل الذاكرة"، وتنتهي بـ "قصائد أخرى".

اللغة هي المدخل إلى العلاقات في جانب اتصالها، وذلك واحد من مراميها المتعدِّدة. ليس باعتبارها وسيلة تواصل/اتصال فقط؛ بل بقدرتها على انتخاب جمالياتها لتحقيق ذلك الاتصال. الشعر هو الأقدر والأكفأ في هذا المضمار من دون منازع.

اللغة التي يكتب بها رشيد تحرص على مثل تلك الجماليات في الاتصال. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الفنون البصرية (الفن التشكيلي)، له حضوره في رسم وتحقق الصورة الشعرية بجلائها ودهشتها لديه. ذلك التنوُّع، وتلك القدرة على تطويع المفردة دون التورُّط في ما يشبه انغلاقها على إيصال الشعر، أو تمريره، هو الذي يصنع الفارق بين نص يخضع لمعادلات لا تنسجم مع الشعر، وبين العفوية في التقاط الصورة، واكتنازها بذلك الكمِّ من الحساسية، التي متى ما انتفت عن الشعر، يصبح أي شيء؛ باستثناء كونه شعراً.

معظم ما يُكتب اليوم تحت عنوان الشعر، هو نوع من احتلاب اللغة. وذلك واحد من المآزق التي تعاني منها اللغة اليوم في توظيفاتها الشعرية والجمالية. باحتلاب اللغة، لن يكون شعراً بمثل تلك المحاولات. ما لم ترَ العفوية في الشعر. ما لم ترَ فطرة الحياة. ما لم ترَ ما هو مُهمل ويعني الإنسان في ذلك الشعر، فأنت إزاء ثرثرة متخفِّية في رداء الشعر، أو هكذا تحاول إيهام نفْسك المتلقي.

في صيغ التكثيف

في عدد من المقاطع هنالك التكثيف الذي يحتوي زمناً في لحظة، ولحظة في زمن. استدراج البديهي مما لا نتوقع أن يكون مادَّة وموضوع الشعر، إلى تلك المساحة المتورِّطة في شعريتها. مثل ذلك التكثيف يكشف عن استيعاب زمن الصورة والمفردة. زمن/لحظة الشعر نفسها التي تتحول إلى زمن الصورة والحالات والقيمة التي تكتنفها.

ثمة صِيَغ للتكثيف يمكن الوقوف عليها في عدد من النصوص الممتدة، أو تلك التي اتخذت عناوين مستقلة بذاتها، ويمكن التعامل معها باعتبارها كذلك. باعتبارها نصوصاً بحدِّ ذاتها. في نص "أسماء" نقرأ:

"كنا نسمِّي الأشياء بأسمائها

حتى إذا ما جاءت الحربُ

أصبحنا نسمِّي الأيام مقابر

والمساءات فجيعةً

والحلم... دماً شاحباً"

في القفز على البديهي من الكلام، والانتقال به، والعمل على شعْرنته، ذلك ما يَسِم معظم النصوص، وحتى تلك التي تبدو غارقة في رمزيتها، لا تخلو من انكشاف أفقها في المعنى. المعنى الضروري كي يستمدَّ الشعر جدواه وقيمته، وفي المحصِّلة النهائية، اكتنازه بالجمالية.

لا يقتصر نظرنا إلى الأشياء في الصورة الأوليَّة التي تستقر هناك. لها نظر آخر، ومعنى آخر أيضاً. ووحده الشعر. وحده الشاعر الذي يُنجز بجدارة الاستلال والقبض على ذلك النظر والمعنى.

ذلك الدأب سنقف عليه في أكثر من مقطع شعري. في أكثر من نص. في "شمعة" نقرأ:

"أيها القمر

ألا أشعلت لي شمعة أخرى

لأبصر عمق هذا الظلام؟".

كيف تحيل الغامض، كيف تستدرج ذلك الذي يبعث على السأم والتوجُّس وحتى الخوف إلى فضاء الشعر، فتمنحه ذلك التجلَّي؟ للظلام شعريته أيضاً. شعْرنة الأشياء القبيحة، والكشف عن جانبها الجمالي الذي نتجنَّب، من مهمة الشعر الذي يقف بحرية في نظره وتناوله لكل ما ومن حوله.

في سرْد المنافي ونظرها

ستجد المنافي تطلع لك بين مقطع وآخر. صورة مُخاتلة تلك التي تأتي متخفية أو متنكرة، وكأن لا دليل عليها. تأتي في صورة النفي. كأن المجموعة في كل التنوع الذي لعبت عليه وارتادته، لا تتجاوز موضوعة المنافي. ليس منفى المكان كما نعرفه، ويتبادر إلينا في استدعاء المعنى المباشر له. ثمة من المنافي ما يُشكِّل إقامة الإنسان فيها. منفاه الداخلي البعيد عن الرصد في كثير من الأحيان، والآخر الذي هو في أول المباشرة من النظر.

وبين لعبة الأسماء والمنافي، يبرز الغياب القسري وأمام العالم. لا خيار في الانسجام معه أو التبرُّم. ربما يبرز الانسجام في القدرة على التحايل عليه في "شعرنته" أيضاً هذه المرة. ضمن قائمة من الغصص والقبح والآلام التي لن تجد جديراً في إدخاله ضمن مظلة جماليته كالشعر! نقرأ في مقطع "منافي"

"لم نكن نملك غير أسمائنا

تلك التي غيَّبتْها المنافي".

الزمن في المنفى

هل ثمة زمن محسوس في المنفى، حين يكون ثقيلاً؟ الزمن يقظ هناك، كأنْ لم نعرفه من قبل. بملامح حادَّة. بترقُّب مُكلف ومُستنزِف. كأننا خارج الزمن في ذلك الزمن. وجع الزمن في المنافي، يتركَّز في ذلك الترقُّب. في انتظار ما ومن لا يأتي أيضاً. كأن المنفى هو "الأبدية المتأرجحة" بحسب نص "الرهان"، وكأنه "متسع المستحيل" أيضاً، في تدفُّق وانهمار للصور وتتابع لحساسية وكثافة كل منها. ذلك ما نقف عليه في النص:

"الرهان الذي عاد من مباهج الأمكنة

كان مُلفتاً للنهارات

يسوغ الأسئلة حسب ما يشاء من الدلالة

لكننا وربما لذهالة تفترسنا

بسطنا أرواحنا في أبدية متأرجحة

وأوصدْنا الشبابيك

التي تطل على متسع المستحل

وللمسافات الخبيثة أطلقنا الخيول

التي سرحت من معارك الوصايا".

يتناول ذلك المتسع من المستحيل. الأبدية في المنافي تلك لا تعدك ببلوغ. إنها في لعبة إنهاك روحك، قبل أن تنهك ما تبقى من شبح جسدك!

إضاءة العتمة... ضوء أكثر

ما كان للشعر أن يكون كذلك، ببعض الشروط والمعايير الأولى التي عُرف بها؛ من حيث هي أسباب إعاقة للخيال البشري وانطلاقه، والسباحة في فلَك لا حدَّ ونهايات له. شروط ومعايير تقوم بدور الحراسة الغليظة على الشعر. فإذا كان الشعر وُجد ضمن ما وُجد من أجله، الخروج على الشروط المفروضة والمصطنعة في الحياة، وشرط التعبير بأشكاله وطرقه، خصوصاً، وشرط النظر ما حول وما يُرى وما لا يُرى، فمن باب أولى ألاَّ يكون أسير تلك الحزمة من المعايير والشروط التي حوَّلتْه على امتداد قرون إلى ما يشبه الصنعة، والاختلاق، والقيام بدور اللقطة بجمودها وتفاصيلها المُحدَّدة.

بالمستويات العميقة والعفوية في الوقت نفسه، التي بلغها الشعر، وقدرته على الوصول إلى تخوم جديدة، غير تلك التي كانت جاهزة ومكرورة، تجعل من الشعر اليوم أكثر من أي وقت مضى، جديراً بأن يفرض شروطه ومعاييره في النظر والتناول والاقتراب من المساحات المعتمة كي يضيئها، والمضيئة كي تمعن في انهمار مزيد من الضوء فيها.

يذكر، أن علي رشيد من مواليد كربلاء العام 1957. درس الفن في معهد الفنون الجميلة ببغداد، وأكاديمية الفنون الملكية في لاهاي. حصل على شهادة الماجستير من جامعة ليستر في بريطانيا وغرناطة بإسبانيا. يعمل في النص والتشكيل على مشروعه الذي مارسه منذ مطلع الثمانينيات والذي أسماه "تدوين الذاكرة". وهو الآن يحاضر في مادة الفن الإسلامي في جامعة أوروبا الإسلامية في سخيدام بهولندا.

أقام العديد من المعارض في عدد من الدول العربية والأوروبية منها: العراق، ليبيا، مصر، فنلندا، الدنمارك، النرويج، بلجيكا، ألمانيا، أوكرانيا، إسبانيا، اليابان وهولندا حيث يقيم.

أصدر: "أضحية رمزية لمعارك الله" (كتاب تخطيطات)، "الغياب" (كتاب يدوي بنسخة واحدة لقصيدة مرسومة)، "خرائط مدبوغة بالذعر" (مجموعة شعرية)، و"ذاكرة الصهيل" (المجموعة الشعرية التي بين أيدينا تناولاً)، ولديه العديد من المخطوطات المعدَّة للطبع، كما أن لديه مجموعة شعرية مترجمة إلى الهولندية.





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 6:42 ص

      علي رشيد

      الأخ الشاعر جعفر الجمري ، كل الشكر لك على هذه القراءة التي تنبض بالشعر . القراءة التي منحت النص عافيته، ومنحتني فرصة التعرف على شخصكم المبدع الكريم
      تقبل شكري وتقديري
      علي رشيد

اقرأ ايضاً