صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4665 | الإثنين 15 يونيو 2015م الموافق 03 جمادى الأولى 1444هـ

الشيخ الآصفي وتراث مدرسة البحرين

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

كثيرة هي الزوايا والأبعاد التي يمكن قراءة شخصية باتساع وعمق الشيخ محمد مهدي الآصفي (1939 – 2015)، النجفي المولد، العربي البيان، الإيراني الأصل، الأممي الاهتمامات، لكني سأختار التحدث عنه من الزاوية البحرينية تحديداً؛ فالبحرينيون يعرفونه محاضراً ذا بيانٍ جميل، وكاتباً ترك مؤلفات عديدة في مختلف ميادين الفكر الإسلامي؛ أما أولئك الذين التحقوا بالدراسة في العراق مطلع سبعينيات القرن الماضي في جامعاتها العريقة أو حوزاتها الدينية، فلاشك أنهم صادفوا رجلاً بسيطاً في مظهره، متواضعاً في مشيته، خفيض الصوت، ميّالاً إلى الصمت، وعلى الأغلب فإن من عرفه من البحرينيين في الكويت فإنهم شاهدوه كتلة من النشاط، مبلغاً ذا همّةٍ، ومفكراً من طراز خاص، وكان على الأرجح سريع الخطو في مشيته، كمن هو منتدب لمهمة عاجلة لا تحتمل التأجيل.

ارتبط الآصفي بالبحرين، واقترب من تاريخها وهضم تراثها العلمي جيداً، واستوعب كل مكونات هذا البلد الحضارية، فهو على الصعيد الإنساني ربطته مع البحرينيين وشائج محبة وزمالة وصداقة متينة سواء ممن زامله في الدراسة الحوزوية أو من التقى معه على أرضية النشاط السياسي. وعلى صعيد التراث العلمي، أدرك الآصفي مبكراً القيمة المعرفية الهائلة الذي يمثله تراث مدرسة البحرين العلمي، مُكبراً موقع هذه المدرسة ضمن سياق النشوء والتطور التاريخي لكبرى المدارس العلمية كمدرسة المدينة المنورة، ومدرسة الكوفة، ومدرسة قم وري الأولى، ومدرسة بغداد، ومدرسة الحلة، ومدرسة جبل عامل، ومدرسة أصفهان، ومدرسة البحرين، ومدرسة كربلاء، فمدرسة النجف.

وقد قدّم الآصفي دراسة رائدة ورصينة لتاريخ الفقه الإمامي نُشرت كمقدمةٍ لكتاب «رياض المسائل» للسيد علي الطباطبائي (ت 1816م/ 1231هـ) أشار فيها إلى الدور العلمي الكبير للشيخ يوسف آل عصفور (ت 1772م/ 1186هـ) في سياق الحديث عن مدرسة كربلاء ودوره الكبير في ردم الفجوة النفسية والعلمية بين الاتجاهين الاخباري والأصولي الذي كان يتهدد الوحدة والانسجام الداخلي للمؤسسة الدينية وقتئذ، مستعرضاً جهوده العلمية الكبيرة والقفزة الفقهية الهائلة التي مثلها تراثه الغزير. ولم يستكمل الشيخ الآصفي حديثه عن المدرسة البحرينية - المعاصرة لمدرسة أصفهان - واعداً باستكمال مشروعه هذا في دراسة مستقبلية يقف فيها على خصائص مدرسة البحرين ومدرسة النجف ومدرسة قم الحديثة، في إطار اهتمامه باستكمال حلقات الدراسة في تاريخ الفقه الإمامي، لكن الأجل أدركه دون أن يفي بوعده تاركاً إنجاز هذا الوعد للباحثين من بعده.

المظهر الثاني من مظاهر عناية الشيخ الآصفي بالتراث العلمي لمدرسة البحرين، اهتمامه بشخصية السيد هاشم البحراني (ت 1697م/ 1109هـ) وبكتابه التفسيري الذائع الصيت «البرهان في تفسير القرآن»، وقد تجلّى هذا الاهتمام في المقدمة القيّمة التي كتبها الآصفي للكتاب، وشرح فيها الأهمية العلمية التي تتوفر في هذا العمل الكبير. وهو إذ يقف على مزايا «تفسير البرهان»، لا يغفل المآخذ العلمية التي وُجّهت له؛ مناقشاً إيّاها ومنتهياً إلى خلاصة تضع الكتاب موضعه المتقدم في قائمة كتب التفسير في الإطار الإمامي والتي اعتمدت منهج التفسير القائم على التراث الروائي لمدرسة أهل البيت، وهكذا كان الآصفي باحثاً منصفاً يقرأ بعين فاصحة وقلب مفتوح وعقل ناقد.

ولعل أبرز ما يميّز الراحل ثلاثة أبعاد قد تشكل المدخل لفهم شخصيته، الأول البُعد العلمي؛ فالرجل وازن بين الدراستين الأكاديمية والحوزوية، وحصل على البكالوريوس من كلية الفقه بجامعة الكوفة العراقية، وشهادة الماجستير في العلوم الإسلامية من جامعة بغداد. وتتلمذ في الدراسة الحوزوية على يد عدة علماء كبار، أبرزهم الراحلون الثلاثة: الإمام السيد محسن الحكيم، والإمام السيد الخوئي والإمام الخميني.

الثاني البُعد الحركي: الذي اتضح عبر سيرته الحركية في صفوف حزب الدعوة الإسلامية الذي كان قيادياً بارزاً فيه، وفي سبتمبر/ أيلول 1964 عندما وصل الإمام الخميني إلى بغداد منفياً، كان الشيخ الآصفي من أوائل الشخصيات التي قامت بزيارته، فقد ترأس وفد «حزب الدعوة الإسلامية» الذي كان يضم عدداً من منتسبي الحوزة في النجف الأشرف. كما التقى الآصفي بالإمام الخميني في باريس وجدّد تأييد حزب الدعوة له، وبيّن استعداد الحركة الإسلامية في العراق لوضع إمكانياتهم بين يديه.

وعندما ابتدأ الإمام الخميني في يناير/ كانون الثاني 1970 بطرح باب جديد من أبواب الفقه الإسلامي هو باب «الحكومة الإسلامية» على طلبة الدراسات العليا في الحوزة، تصدّى الشيخ الآصفي في سياق تفاعلات الحركة الإسلامية في العراق مع آراء الإمام إلى مراجعة الترجمة العربية لتلك المحاضرات وتصحيحها، بعد أن دأب على حضور دروسه في البحث الخارج طوال سنتين. (على المؤمن، «سنوات الجمر»، ص125).

ونتيجةً للإعتقالات التي طالت كوادر حزب الدعوة العام 1972، لجأ الشيخ الآصفي الذي كان مسؤول التنظيم في النجف، إلى مغادرة العراق خفيةً بعد أن ظلّ ملاحقاً، وتمكّن من الوصول إلى الكويت، متّخذاً منها منطلقاً لنشاطه الديني والاجتماعي بوصفه واحداً من أبرز الوجوه القيادية العامة للحزب، هو والشيخ علي الكوراني، حيث اتخذ من جامع النقي مكاناً لانعقاد دروسه ومحاضراته الدينية.

وبسبب نشاطه الكبير في صفوف الحركة الإسلامية، تعرّض الآصفي لمحاولات اغتيال مطلع الثمانينيات من قبل جهاز الاستخبارات العسكرية العراقية، وبذل جهوداً كبيرةً في محاولته ربط الحزب بقيادة الإمام الخميني مباشرةً، وهو ما كانت ترغب فيه القيادة العامة أيضاً للتخلص من شبهة عدم إيمانها بولاية الفقيه ومن مشكلة المجلس الفقهي. لكنه انسحب نهائيّاً من حزب الدعوة في العام 1999 ليتفرّغ للعمل العلمي والإنساني.

أما البعد الثالث فهو البعد الأخلاقي: إذ تحتشد فيه صفاتٌ أجمع عليها معارف الراحل وتلامذته ورفقاء رحلته النضالية الطويلة والقاسية والمليئة بالمرارات والتضحيات، أبرزها نزاهة الكفّ، والتواضع الهائل، وبساطة العيش، ونكران الذات، وقد أتى على شواهد منها أستاذنا عبدالجبار الرفاعي في مقالين متتاليين عن هذا الفقيه الجليل نشرا في «الوسط» يومي الجمعة والسبت (12 و13 يونيو/ حزيران 2015).

الحديث عن الآصفي حديث مفتوح، فقد كان مشروعاً متعدد الآفاق، واسع المدى، عميقاً ومتشعباً، لذا لا غرابة أن يصدر ما يزيد على 12 كتاباً عن شخصيته وحياته الحافلة بالعبر والدروس.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1000489.html