صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4674 | الأربعاء 24 يونيو 2015م الموافق 06 رمضان 1444هـ

جزيرة المجرمين!

الكاتب: محمد عبدالله محمد - Mohd.Abdulla@alwasatnews.com

هل من الضروري أن تعرف تاريخك الأسري؟ بمعنى هل يهمّك كثيراً أن تعرف هل أن جدّك السادس أو الثامن أو العاشر كان حَسَن السلوك طيّب القلب يعطف على أبنائه، أم أنه كان مجرماً نزقاً قاسياً لا يستطيبه أحد؟ آخرون، قد يدفعهم الفضول إلى معرفة سلالتهم البشرية، فلربما هم أحفادٌ لملوك أو أمراء أو سلاطين لدول بادت، حتى ولو كان حالهم الآن بشراً عاديين، ليس لهم حظوة ولا هم أبناء ذوات. فالبعض وبجهالةٍ، ينتشي بما كان عليه أسلافه لا بما هو كائنٌ عليه الآن.

هناك شكلٌ آخر من الناس ولدواعٍ اجتماعية وثقافية وطمعاً في الانصهار، قد لا يروق لهم أن يكتشفوا أنهم أحفاد لعبيد سِيقوا قبل قرونٍ، من إفريقيا أو من شبه الجزيرة العربية أو الشام أو فارس أو صقلية أو غيرها من البلدان حين كانت الحروب وتوابعها من قتل وأسر وسبي هي الحاكمة للعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وكم اندلعت حروبٌ في ذلك الأوان، وعلى أثيرها حُمِلَت رؤوس وضُعِّنَت نساء وبِيْعَ الأسرى في سوق النخاسة، ولمْ يُعلَم ما آل إليه مصير النساء السبايا ولا الرجال الأسارى، هل ماتوا أسياداً أم عبيداً أم قدَّر دفع الله أن يبيتوا في كنف المُلكْ.

أما آخرون (وهم الأعقل) فإنهم لا يعيرون اهتماماً لا لأصلهم ولا لفصلهم ولا في أي أرضٍ نبتوا ولا من أيّ أرض جاءوا ولا في أيّ أرض نشأ آباؤهم وأجدادهم. هم مقتنعون أن الرَّعي والهجرة والتشريد كانت عناوين الأزمنة الغابرة، ولذلك يصعب الحصول على شعوب نقيَّة تماماً من حيث المكان والتصاهر والاندماج، إذْ يتعذر أن يُوجد أحدٌ وُلِدَ لأمة نشأت وتعمّر حالها في مكان واحد لم يتبدَّل منذ بدء الخليقة وحتى مجيء مرحلة الاستقرار الاجتماعي والديموغرافي. وأمام ذلك، فإن الإنسانية بامتدادها وحركتها كانت –وستظل- كفيلةً بتذويب ما كان من تاريخ وإقامة الحاضر.

في غرة ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالاً لفيرجينيا هيوز تحدثت فيه عن كتاب غاية في الأهمية تحت عنوان «التاريخ الخفي للجنس البشري» (The Invisible History of the Human Race)، لمؤلفته كريستين كينيلي (Christine Kenneally). الكتاب يتحدث عن تأثير التاريخ والصفات الوراثية على هوية ومستقبل الإنسان. وقد عُدَّ الكتاب كواحدٍ من أهم الكتب المنشورة في العام 2014، وفي مصاف كتابات رائدة صادرة عن مهابط العلم.

المفارقة في الموضوع أن المؤلِفة (وهي استرالية المولد) عندما أرادت أن تُجرِّب على نفسها كيفية البحث في تاريخ أسرتها القديم، تبيَّن لها أن أحد أجدادها قد سِيْقَ مخفوراً من دبلن بأيرلندا، إلى إحدى المستعمرات الانجليزية في أقصى جنوب الأرض (فان ديامين لاند) التي كانت تُخصَّص للمجرمين والمدانين جنائياً. وهو بالمناسبة نظام كان معمولاً به لتحسين مستوى الأمن الاجتماعي في الدول العظمى حينها كانجلترا، ولم يُلغ إلاَّ في العام 1750 تقريباً.

وحسب فيرجينيا هيوز كاتبة المقال، أنه وعندما تمّ إلغاء ذلك النظام القضائي رأى سكان الجزيرة، الموسومون بالإجرام أو المنسوبون لآبائهم المجرمين، أن يُغيِّروا اسم الجزيرة إلى «تسمانيا»، وأن ينسوا بالصمت تاريخهم الإجرامي، وأن يتعارفوا على ذلك جميعهم. وبعد عشرات السنين ظهر أن الأجيال الجديدة لم تعد تتحدث لا عن التاريخ الإجرامي لآبائها ولا عن أصولهم الجُدُودية حتى.

الحقيقة، أن علم الأنساب بصورة عامة هو من العلوم التي كان يُعتَد بها في الأزمنة الغابرة، وبالتحديد لدى العرب، كما رأينا في التاريخ المكتوب عن شبه الجزيرة العربية. وفي تحقيقات الميانجي أنه كان في «قريش أربعة يُتحاكم إليهم ويُوقف عند قولهم، (في علم النّسب) وهم عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل الزّهريّ، وأبو جهم بن حذيفة العدويّ، وحويطب بن عبد العزّى العامري». فالأنساب كانت ضرورةً في تفكير العرب لأنهم كانوا طبقيين حتى النخاع، وبهم موقف تجاه الدماء. لذلك، قال لهم نبيهم (ص): «هذا عِلمٌ لا يَنفَعُ وجَهلٌ لا يَضُر».

والحقيقة، أن الموقف من العلم بالأنساب يختلف طبقاً لثقافة الشعوب، فالغربيون اليوم لا ينظرون إليه كما كانوا ينظرون إليه قبل ثلاثة قرون على سبيل المثال، حين كان النبلاء والأرستقراطيون والبرجوازيون والعبيد هم الطبقات التي كانت تحكم الفضاء الاجتماعي في أوروبا، فضلاً عن اختلاف نظرتهم للنسب عن العرب، سواءً في الأزمنة الغابرة أو حتى الآن، حيث مازالت النظرة إلى الآباء والأجداد تحكم بعض العائلات العربية: فصائل وأفخاذ وبطون وعِمَارات وقبائل ولأسباب تتعلق بالتفاخر والتعالي على الآخر.

اليوم، حتى وإن حمل علم النسب في الغرب جانباً تجارياً، تقدّم فيه شركات خدمات لمن يرغب في معرفة نسبه، إلاَّ أنه عادةً ما يتم التعامل معه من منطق فهم الجينات الوراثية بغية تحديد الأمراض، أو حتى النظر إليه كمدخل لإجراء دراسات إنثربولوجية كما حدث في ألمانيا. بل ربما حمل جانباً آخر وهو النظرة إلى التاريخ بمزيدٍ من المصالحة، كي يستطيع الإنسان الغربي التصالح مع ذاته ومع مَنْ يعيشون معه. وهو ما حصل بالفعل في تلك الجزيرة التي كانت مكاناً يُرحَّل إليه المجرمون من أقاصي الأرض، إلى أن أصبحت نسخةَ حاضر جَبَّت ما قبلها من تاريخ.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1002882.html