صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4709 | الأربعاء 29 يوليو 2015م الموافق 21 ذي القعدة 1444هـ

من دروس الشعوب

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

ليس هناك عاقلٌ يدعو إلى جرجرة بلاده إلى مستنقع العنف والإرهاب والقتل. وكل الشعوب المتحضرة ترفض العنف والإرهاب والقتل وسفك الدماء.

ليس هناك بحريني واحد أصيل، يدعو إلى سفك دم بحريني آخر أو حتى غير بحريني، فالدم الإنساني له حرمته، ولن تجد بين البحرينيين من يدافع عن سفك دم أي إنسان، مهما كانت الخلافات السياسية بينهم.

العنف لا يجر إلا إلى العنف، والعنف عقيم. هذا ما أثبتته تجارب الشعوب في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية. فكيف بشعبٍ يختزن تجربةً طويلةً من العمل السلمي، والنزعة الفطرية نحو الصلح والسلم، حيث يعلّم الآباء أبناءهم بأن بلدهم ثاني بلدٍ –بعد المدينة المنوّرة- استجاب للدعوة بمجرد وصول رسالة من النبي محمد (ص).

الجمعيات السياسية التي تمثل ثقلاً في الساحة الوطنية، سارعت إلى إدانة «تفجير سترة»، بلا تردد ولا تلكؤ ولا غموض. فالرؤية واضحة للجميع، والقناعة بالحراك السلمي محسومةٌ لدى الغالبية العظمي، ولذلك لا تلقى دعوات العنف أي صدى أو استجابةً في الشارع.

قبل عام تقريباً، حاول أحد الأشخاص غير البحرينيين المشبوهين في الخارج الطنطنة على موضوع التجنيس السياسي، محاولاً استغلال هذا الموضوع الحسّاس، ليحرّض بطريقةٍ مبطنةٍ على استخدام العنف. يومها تصدّينا وغيرنا لهذه الدعوة المشبوهة التي تهدف لدفع البحرين إلى حلقةٍ مفرغةٍ من الاقتتال. نختلف حول التجنيس وغير التجنيس، وقد لا نتفق على أيّ حلٍّ مرضٍ في هذه المرحلة أو تلك، لكن سنبقى متفقين كلمةً واحدةً على حرمة الدم من أي طرف كان، ليس فقط لأننا عرب ومسلمون... بل لأننا بشر.

في اليوم الأول، وفي أسرع ردٍّ على ما جرى، أصدرت أبرز الجمعيات السياسية (الوفاق، وعد، التجمع القومي) بياناتٍ مندّدة بتفجير سترة، وذلك عن قناعةٍ تامةٍ وليس مجاملة أو «تقية»، بل انسجاماً مع مبادئها ومواقفها المعلنة، وإيماناً بعبثية العنف وعقمه، ومآلاته المكلفة على البلد. فليس عاقلاً من يرى ما يجري في سورية والعراق واليمن وليبيا وتونس، من قتل واقتتال، ثم يدعو لتكرار الفاجعة في بلده. وإذا كانت هناك أصوات خارجية تدعو لتبني العنف في الداخل، فلن تجد من يستمع لها على الإطلاق. فالبحرين بلدٌ نزّاعٌ للسلمية بفطرته وسجاياه، ولن تغيّر طبيعته أية حوادث عابرة أو دعوات مشبوهة.

البيانات الثلاثة تضمنت مبادئ مشتركة، في مقدمتها رفض العنف رفضاً باتاً، وبشكل تام، والالتزام بالحراك السلمي ضمن العرف والقانون (الوفاق)؛ مع إدانة هذا العمل الذي يزيد الوضع السياسي تعقيداً، ويزيد حدة التوترات والاستقطابات، ونبذ العنف والعنف المضاد تجنيباً للبحرين ويلات الإرهاب في الإقليم (وعد)؛ والتمسك بالعمل السلمي كخيار استراتيجي، ورفض شتى أعمال العنف أياً كان مصدرها، والحوار كسبيل للخروج من الأزمة (التجمع).

هذه الأفكار ليست جديدةً، وإنّما تكرار للمبادئ التي تؤمن بها هذه القوى السياسية، وسبق أن ضمّنتها في «وثيقة المنامة» و«وثيقة اللاعنف» قبل عامين.

البحرين لمن يعرفها، ليست بيئةً حاضنةً ولا متعاطفةً مع العنف والإرهاب. وهو العامل الذي وقاها من التردي في مستنقعات النزاعات الدامية، كما حدث في دول عربية شقيقة أخرى. فالدخول في هذا المستنقع ليس له بابٌ للخروج، كما نشاهد في سورية وليبيا واليمن ومصر والعراق.

حين نتحدّث كثيراً عن شخصياتٍ مثل غاندي ومانديلا ومارتن لوثركنغ، فليس ذلك من باب الترف الفكري، وإنّما عن قناعةٍ تامةٍ بتجارب الشعوب المحبة للسلام حتى في أصعب وأحلك الظروف.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1012263.html