صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4755 | الأحد 13 سبتمبر 2015م الموافق 05 ذي الحجة 1443هـ

كتاب إدين وشيفر... و 1.5 مليون عائلة ضمن المعدَّل...

«دولاران يومياً: العيش على لاشيء تقريباً»... حقائق الفقر المدقع في أميركا

في استعراض «كتاب الأحد» بصحيفة «نيويورك تايمز»، تضعنا كاثرين إدين ولوك شيفر، أمام حقائق تبدو الولايات المتحدة الأميركية بمنأى عنها، تلك التي تتعلق بحال الفقر في أغنى وأضخم اقتصاد في العالم. هنالك فقر مدقع في البلاد، يتقصَّى صوره وشواهده كتاب «دولاران يومياً: العيش على لاشيء تقريباً»، من خلال نظام الرعاية الاجتماعية، الذي تَعَاقب على تعديلاته «الديمقراطيون» و «الجمهوريون»، ولذلك تفصيل في ثنايا استعراض الكتاب ومراجعته من قِبَل وليام يوليوس ويلسون في الصحيفة يوم السبت (5 سبتمبر/ أيلول 2015).

فمنذ أواخر ستينات القرن الماضي؛ وصولاً إلى منتصف التسعينات من القرن نفسه، حدثت تحوُّلات وتطورات كانت لها آثار عميقة على العائلات المعوزة في الولايات المتحدة، يضعنا الكتاب أمامها من خلال أشكال وتصور للإعانات الواعية التي يجب أن تتجاوز الأشكال والسياسات الممعنة في استمرارها.

جادل المنتقدون للرعاية الاجتماعية مراراً وتكراراً بأن الزيادة في معدل الأمهات غير المتزوجات يرجع أساساً إلى ارتفاع أسعار مدفوعات الرعاية الاجتماعية التي تتم من خلال برنامج «إعانة الأسر التي تعول أطفالاً (AFDC) (Aid to families With Dependent Children). وعلى رغم أن الأدلة العلمية تقدم القليل من الدعم لمثل هذا الادِّعاء، إلا أن غضب الجماهير ضد البرنامج، تغذيه الصورة النمطية التي هي عليها أميركا باعتبارها «ملكة الرخاء»، تلك التي روَّج لها الرئيس الأسبق رونالد ريغان في خطب له العام 1976، في إعلان ترشيح نفسه للرئاسة، أفْضَتْ إلى دعوات التجديد الرئيسي لنظام الرعاية الاجتماعية.

في العام 1993، بدأ بيل كلينتون ومستشاروه مناقشة إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية الذي تم تصميمه وفْق «الأجر مقابل العمل»، وهي العبارة التي صيغت من قبل الاقتصادي في جامعة هارفارد ديفيد إلوود في كتابه الذي أصدره العام 1988 «دعم الفقراء».

اقتراح كلينتون

جادل إلوود، وهو أحد مستشاري كلينتون، بأنه لتسهيل الانتقال من الرعاية الاجتماعية إلى العمل، سيكون من الضروري تقديم المساعدة في مجال التدريب والتوظيف؛ لمساعدة الحكومة المحلية على توفير فرص العمل في القطاع العام، في الوقت الذي كانت فيه وظائف القطاع الخاص معدومة؛ وتطوير برامج رعاية الأطفال للآباء والأمهات العاملات. وتضمَّن اقتراح الرئيس كلينتون لإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية في وقت مبكر هذه الميِّزات؛ فضلاً عن عنصر آخر قدَّمه إلوود، تمثَّل في الحدود الزمنية لتلقي المساعدة في حال وجدت هذه الأحكام مكانها من التطبيق.

من ناحية أخرى، انتزاع الجمهوريين السيطرة على الكونغرس في العام 1994، نقل مشروع القانون على الضد باتجاه رؤيتهم الخاصة لإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية. وصُمم ليكون منحة ضمن كتلة واحدة، ليتيح للولايات حرية أكبر بكثير في كيفية إنفاق أموال الحكومة المسموح بها على برنامج «إعانة الأسر التي تعول أطفالاً»، وتضمَّن مشروع القانون الجمهوري أيضاً مدة خمس سنوات مُحدَّدة من الاستفادة بالمنافع القائمة على الأموال الاتحادية، وسُمِح للولايات فرْض حدود زمنية أقصر.

وعلى رغم أن مشروع القانون زاد إعانات رعاية الطفل بالنسبة إلى المستفيدين من الذين وجدوا فرص عمل، إلا أن جميع الوظائف المهمة في القطاع العام بالنسبة إلى أولئك الذين لم يستطيعوا العثور على عمل في القطاع الخاص، أصبحت مفقودة. وعلاوة على ذلك، لم يكن هناك ما يكفي في الموازنة للتعليم والتدريب. ومما أثار استياء المنتقدين لمشروع القانون - بما في ذلك السيناتور دانيال باتريك موينيهان، الذي توقع في العام 1995 أن التشريع المقترح من شأنه أن يؤدِّي بالأطفال الفقراء لـ «النوم على القضبان»، أن الرئيس كلينتون وقَّع على مشروع القانون، ودعا إلى المساعدة المؤقتة للأسر المحتاجة، في 22 أغسطس/ آب 1996، بعد يومين من توقيعه ليصبح قانوناً، في أول زيادة في الحد الأدنى للأجور الاتحادية في بحر خمس سنوات.

انخفاض معدَّلات الفقر بين الأطفال

في السنوات اللاحقة لصدور إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية، جادل أنصار برنامج «إعانة الأسر التي تعول أطفالاً» أن موينيهان وغيره من النقاد، أثبتوا أنهم على خطأ. فعدد الأمهات العازبات اللواتي خرجن من نظام المساعدة، ووجدن وظائف، تجاوز كل التوقعات، وانخفضت معدَّلات الفقر بين الأطفال. كما حدث توسُّع في الائتمان الضريبي على الدخل المكتسب، ودعم أجور الفقراء العاملين، جنباً إلى جنب مع زيادة الحد الأدنى للأجور في العام 1996، وتوافر أموال إضافية لرعاية الأطفال (طالما أن الوالدين يعملان)، كل ذلك عزز من الأحكام التي وضعت من أجل الأسر العاملة الفقيرة.

على رغم أن التوقيت كانت له علاقة ما بالنجاح الواضح لإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية، ظلت سوق العمل ضيقة خلال فترة الازدهار الاقتصادي في أواخر تسعينات القرن الماضي، وقد خفّضت البطالة بشكل ملحوظ؛ في الوقت الذي تم فيه تنفيذ برنامج «إعانة الأسر التي تعول أطفالاً».

إلى جانب ذلك، وعلى رغم التحسينات التي استفاد منها العاملون من الفقراء، كشفت الدراسات أن عدد من انفصلن من الأمهات العازبات - سواء اللائي يعملن منهن أو يستفدن من نظام الرعاية الاجتماعية - قد نما بشكل كبير منذ صدور قانون «إعانة الأسر التي تعول أطفالاً». مرتفعاً إلى واحدة من بين كل خمس من الأمهات العازبات خلال منتصف العام 2000. هذه المجموعة هي التي وردت في الكتاب الرائع «دولاران يومياً: العيش على لاشيء تقريباً»، لكل من: البروفيسور كاثرين إدين والبروفيسور وخبير حساب دخل الفقراء، لوك شيفر، والذي يمكن أن يغيِّر بشكل جيد الطريقة التي نفكِّر بها حول الفقر المدقع في الولايات المتحدة الأميركية. (هنالك أمهات لا بيوت لهن، إلى جانب الأمهات اللواتي يُقِمْن في مساكن ذوي الدخل المنخفض، وعادة ما يعشن في شقق متهالكة، ويتشاركن مع أكثر من أسرة، في سبيل تخفيف أعباء الإيجار. هنالك تاريخ من العنف يمارس على تلك النوعية من النساء، وهو بالمناسبة تاريخ حافل ينتهي بأضرار جسدية عدا النفسية؛ ما دفع الكثير منهن إلى الهروب من المنزل، وبالتالي تفكك مفهوم الأسرة الذي يحول دون تلقي المساعدات الاجتماعية، تلك التي تقتصر على الأسر فقط. ويظل الضمان والحماية لتلك النوعية من الأمهات وأطفالهن هو برنامج إعانة الأسر التي تعول أطفالاً).

المعونة الغذائية التكميلية

عندما عادت إيدن إلى العمل الميداني في صيف العام 2010 لتحديث عملها في وقت سابق على الأمهات الفقيرات، فوجئت بالوقوف على عدد الأسر التي تكافح «مع عدم وجود أي وسيلة مشهودة للدخل النقدي من أي مصدر». وللتأكد ما إذا كانت ملاحظاتها عكست الواقع بشكل أكبر، رجعت إدين إلى شيفر، وهو خبير في جامعة ميتشيغان بمكتب مسح الإحصاء لبرنامج الدخل والمشاركة، والذي كان يزور جامعة هارفارد لمدة فصل دراسي، في الوقت الذي كانت فيه عضو هيئة التدريس. (عملتُ أنا وإيدن على أطروحة ثلاث لجان معاً، وهي تعمل حالياً أستاذاً في جامعة جونز هوبكنز) حلَّل شيفر بيانات التعداد، والتي استندت إلى مقابلات سنوية مع عشرات الآلاف من الأسر الأميركية، لتحديد النمو التقديري للفقراء عديمي المال منذ إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية.

كانت النتائج مُروِّعة: فمنذ تم إبرام برنامج «إعانة الأسر التي تعول أطفالاً»، في العام 1996، تجاوز عدد العائلات التي تعيش على دولارين يومياً، الضعف ليصل إلى 1.5 مليون أسرة في مطلع العام 2011. وجد إدين وشيفر أدلة إضافية على صعود هذه النوعية من الفقر في تقارير من بنوك الغذاء في البلاد، وبيانات حكومية تتعلق بالأسر التي تتلقى «طوابع الغذاء»، والتي تسمى الآن «برنامج المعونة الغذائية التكميلية» SNAP)) (Suplemental Nutrition Assistance Program)، وأيضاً من تقارير المدارس في البلاد بشأن الأعداد المتزايدة للأطفال المشرَّدين.

في صيف العام 2012، بدأ الكاتبان أيضاً دراسات إثنوغرافية طالت مواقع في جميع أنحاء البلاد: شيكاغو، كليفلاند، وهي مدينة متوسطة الحجم في منطقة الآبالاش، والقرى الريفية الصغيرة في دلتا المسيسيبي. في كل من هذه المناطق لم تثبت صعوبة العثور على الأسر التي تعيش على دخل نقدي لا يزيد على دولارين للشخص في اليوم خلال فترات معينة من السنة.

القضاء على الوظائف

يتيح البحث الميداني لإدين وشيفر، أسباباً معقولة للارتفاع الحاد في أعداد العائلات المعوزة. الأول منها له علاقة بـ «العالم المحفوف بمخاطر العمل ذي الأجر المنخفض». قضت ميكنة الزراعة على الكثير من الوظائف في دلتا المسيسيبي، وحتى في مدن مثل شيكاغو، فيما عدد المتقدمين للحصول على عمل من المبتدئين في الخدمة وصناعات التجزئة يفوق بكثير عدد الوظائف المتاحة: «قد يكون لدى شركات مثل وول مارت مئات المتقدمين للوظائف التي سيتم الاختيار من بينها» من بين أي من الوظائف. وعلاوة على ذلك، تبقى مواعيد العمل في كثير من الأحيان غير ممكن التنبؤ بها، مع الصعود والهبوط المفاجئ في عدد الساعات التي يحصل عليها العامل. ورداً على تراجع الطلب، «يُبقي أرباب العمل الموظفين على الرواتب؛ مع تقليل ساعات عملهم المقررة، وأحياناً تصل إلى الصفر».

أضِف إلى ذلك، أنه بالنظر إلى وفرة المتقدِّمين لشغل الوظائف، يمكن لصاحب العمل التحرك بسرعة إلى الشخص التالي على القائمة إذا لم يتم التوصُّل إلى الباحث عن العمل عن طريق الهاتف مباشرة، وهي مشكلة حقيقية بالنسبة إلى أولئك الذين يعيشون في ملاجئ للمشردَّين ويفتقرون إلى الهواتف المحمولة. وأخيراً، فإن العديد من أصحاب الطلبات، والمؤهلين لـ «برنامج إعانة الأسر التي تعول أطفالاً» لا يُدركون حتى بوجود مثل ذلك البرنامج.

هناك استراتيجيات مختلفة بالنسبة إلى الفقراء الذين يعيشون على دولارين يومياً، من بينها الاستفادة من المكتبات العامة، والمخازن الغذائية، وملاجئ المشرَّدين، وجمع علب الألمنيوم، والتبرُّع بالبلازما نظير مبالغ نقدية.

ومع ذلك، فإن المدن الصغيرة بالدلتا، تعاني من أن «أقرب مخزن للطعام في كثير من الأحيان يبعد مسافة ميل تقريباً، مع الفقر الذي يمتدُّ إلى عنان السماء». ويشكِّل «برنامج المعونة الغذائية التكميلية»، شبكة الأمان الحقيقية الوحيدة المتاحة للمعوزين، ولكن لا يمكن استخدامها لدفع الإيجار. وبينما يمكن لـ «برنامج المعونة الغذائية التكميلية» درء بعض المشقة، إلا أن المؤلفيْن ذكرا في كتابهما بأنه لا شيء يساعد الأسر على الخروج من فخ الفقر المدقع مثل القوة النقدية.

هذا الكتاب الأساسي، دعوة إلى اتخاذ إجراء، وأمل في أن ينجز ما حققه مايكل هارينغتون في كتابه «أميركا الأخرى» في ستينات القرن الماضي، عبْر إثارة كل من وعي الأمة وضميرها إزاء محنة عدد متزايد من المواطنين غير المنظورة.

ضوءان

يُذكر، أن عالمة الاجتماع كاثرين إيدن، تعمل أستاذاً في جامعة جونز هوبكنز، وهي متخصصة في دراسة السكَّان الذين يعيشون على الرعاية الاجتماعية.

حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة نورث وسترن في العام 1989، عن أطروحتها التي تتناول الكيفية التي يغطِّي بها المستفيدون من برنامج الرعاية الاجتماعية في شيكاغو، نفقاتهم.

حصلت في فبراير/ شباط 2014، على رتبة أستاذ بلومبرغ المتميز بجامعة جونز هوبكنز لإنجازاتها؛ باعتبارها باحثة متعددة التخصصات، ولتميزها في تعليم الجيل القادم من العلماء. وقد تم تأسيس أستاذية بلومبرغ المتميزة في العام 2013 كهدية من صاحب الأعمال والاقتصادي الشهير مايكل بلومبرغ.

أما لوك شيفر، فهو أستاذ مشارك في العمل الاجتماعي، وأستاذ مشارك في السياسات العامة. تركِّز أبحاث شيفر على فعالية شبكة الأمان الاجتماعي في الولايات المتحدة في خدمة العمَّال ذوي الأجور المتدنية والأسر المحرومة اقتصادياً.

عمله الأخير يستكشف ارتفاع مستويات الفقر المدقع في الولايات المتحدة، وتأثير برنامج المعونة الغذائية التكميلية على المصاعب المادية، والحواجز أمام التأمين ضد البطالة التي يواجهها العمَّال المعرضون للخطر، واستراتيجيات زيادة فرص الحصول على الرعاية الصحية في الولايات المتحدة.

كما لشيفر اهتمامات أخرى بالإدارة غير الربحية، وخاصة اقتصادات إدارة الخدمة الاجتماعية. لديه خبرة كبيرة في إدارة البرامج غير الربحية، وشغل منصب رئيس مجلس الإدارة لدى مؤسسة عمومية تعليمية غير ربحية.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1025463.html