صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4781 | الجمعة 09 أكتوبر 2015م الموافق 19 ذي القعدة 1445هـ

الباحث ميرزا القصاب في محاضرة «بجدحفص الثقافي»:

الشيخ خلف العصفور مفتاح إنهاء الهيمنة البريطانية في المنطقة

«كان لعالم الدين البحريني الشيخ خلف العصفور المتوفى في ثلاثينيات القرن الماضي، مكانة دينية واجتماعية وسياسية مؤثرة جعلت المستر بلغريف يحسب له ألف حساب، بل وينفيه إلى العراق حيث استقر في الكاظمية، ولكن الجماهير ظلت تطالب بإرجاعه، حتى توسّط ملك العراق الملك فيصل لعودته، وحينها أجبر بلغريف على الرضوخ لعودة الشيخ خلف لينزل في ميناء المنامة «الفرضة» فما كان من الناس إلا أن تجمعوا لاستقباله كقائد سياسي فخشي بلجريف من هذا الحشد بحجة الخوف من إثارة القلاقل، فأمر بعدم نزول السفينة التي تقلّه إلا في باربار، وهناك فرض عليه الإقامة الجبرية، ولم يغادر قرية باربار إلا بعد سنتين تقريباً، وهكذا ظل في أخذ ورد وتناوش مع المستعمر. وهكذا أصبح الشيخ خلف العصفور مفتاح إنهاء الهيمنة البريطانية في المنطقة» هذا ما ذهب إليه الباحث في التاريخ ميرزا القصاب في محاضرته عن الشيخ خلف العصفور، والتي ألقاها في مركز جدحفص الثقافي مساء يوم الأحد 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2015 بحضور مجموعة من المهتمين والمثقفين ورواد المركز.

في بداية محاضرته أشار القصاب إلى أن بحثه عن الشيخ العصفور يأتي ضمن سلسلة التعريف برجالات المنامة والتي نشر بعضها في «الإنستغرام» الخاص به، بعدها بدأ بالتعريف بالشيخ العصفور ومكانته العلمية وأهم كتبه ومؤلفاته فقال «حجة الإسلام الشيخ خلف بن الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن الشيخ حسين العلامة آل عصفور البحراني «قدس سره» المولود في 1268هـ الموافق 1868م حيث تربى في أسرة علمية لها مكانتها وثقلها السياسي والاجتماعي، سافر للنجف الأشرف في سنة 1888م وهناك لازم المحقق الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب الكفاية في الأصول، وتتلمذ على يديه آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي، والشيخ إبراهيم بن ناصر المبارك، وغيرهم. ومن مؤلفاته كتاب «الأنوار الخيرية في أجوبة المسائل الجعفرية»، وكتاب «قصد السبيل في إبطال من يحلل ويحرم بلا دليل»، و«رسالة صلاتية»، وله «حواشي» على كتاب «الأنوار الوضية».

مقام الشيخ خلف

ثم أخذ القصاب يستعرض شهادات تبيّن مقام الشيخ خلف وتعرّف به من قبل بعض العلماء والشخصيات فقال «عُرف عنه أنه كان عالماً صلباً مهاباً من قبل العلماء والخطباء، لا يجامل في المسائل الشرعية ولا يحابي أحداً، كما يعرف عنه أنه كان شاعراً وخطيباً مفوهاً، وفي مقابل هذه الصلابة والشدة يصفه تلميذه السيد شهاب الدين المرعشي فيقول عنه: إنه من العلماء الذين تُذكّر رؤيته الآخرة، زاهد متقشف متواضع، أواب، أما خصمه المستشار البريطاني بلغريف فيصفه في مذكراته: بأنه «رجل مهيب، فارع الطول ضعيف البنية ذو قسمات نادرة اللون، له لحية بيضاء وعينان ثاقبتان، وكان يرتدي ملابس داكنة وعمامة بيضاء كبيرة ويحمل بين يديه عكازاً مصنوعاً من الأبنوس ومحلى بالفضة من أعلاه»

ثم تحدث القصاب عن أهم أعمال ومنجزات الشيخ العصفور فأشار إلى أنه أسس خمسة عشر مسجداً في مختلف مناطق البحرين، وكان باكورة أعماله تشييد جامع رأس الرمان حيث صلى فيه الجمعة والجماعة وصلاة العيدين، ومجموعة من الجوامع والمساجد في كل من: عالي، وبوري، وكرزكان، ودار كليب، وعراد، والدير، وسماهيج، والحجر، وباربار، وكرانة.

مقامه الديني

وأضاف «لسعة علم الشيخ خلف ومقامه الديني اتجهت له الناس في حل مشكلاتها وقضاياها؛ فتولى الحسبة والقضاء والإفتاء والجمعة والجماعة وعقد عقود الزواج والطلاق وغيرها من الأحكام الشرعية فعينه الشيخ عيسى بن علي حاكم البحرين في ذلك الوقت قاضياً رسمياً بمنطقة المنامة، ولكن سرعان ما دب الخلاف بين الشيخ خلف والمستشار بسبب تكرار التدخلات في الشأن القضائي من قبل الحكم والمستشار البريطاني نفسه، وبسبب معارضة الشيخ خلف ورفضه لهذه التدخلات وموقفه الديني والوطني الصارم من النفوذ الأجنبي، تم عزله وأجبر على مغادرة البحرين ونفيه في سنة 1928م، فاختار العراق وأقام في الكاظمية. وكان الغرض من إبعاد الشيخ هو القضاء على التطلعات والمطالب الشعبية. ولكن الجماهير أخذت تضغط على النظام وتطالب بعودة الشيخ، وتقدّمت الوساطات من خارج البحرين وتحديداً من الملك فيصل ملك العراق وبعض الشخصيات العراقية كآل الصدر وآل ياسين وآل معين حيث اجتمعوا بالمندوب السامي البريطاني في بغداد مطالبين بعودة الشيخ خلف العصفور إلى وطنه». وعرض القصاب رسالة من الملك فيصل، وهي من الوثائق المحفوظة في أرشيف المكتبة البريطانية، موجهة إلى حاكم البحرين حينها الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة يطلب فيها السماح بعودة الشيخ خلف العصفور إلى موطنه ومؤرخة في 26 يوليو/ تموز 1928م.

ويتابع القصاب «بعد ما تسلم حمد بن عيسى الرسالة من الملك فيصل متوسطاً لعودة الشيخ خلف العصفور راسل المعتمد البريطاني في البحرين (الباليوز) يطلب فيها الأذن بالسماح للشيخ خلف بالعودة للبحرين، وكانت هناك العديد من المراسلات بينهما (الوثيقة الثانية) ولكن كان بلغريف يرفض فكرة عودة الشيخ خلف متعللاً بأن وجود الشيخ سينشر القلاقل والفوضى في البلاد ولكن الخوف من تواجد الشيخ خلف الخطر عائد إلى أنه يهدد المصالح البريطانية ليس في البحرين فقط وإنما في المنطقة برمتها.

وأضاف القصاب بأن مطالبات جماهير الشعب وإلحاحها استدعت الرضوخ إلى عودة الشيخ خلف فلما علمت الجماهير بموعد رجوعه خرجت لاستقباله في فرضة المنامة مما أوغل صدر بلغريف وخاف من تعاظم مكانة الشيخ خلف، فحول المركب إلى قرية باربار حيث نزل بها ففرض عليه الإقامة الجبرية الصارمة حتى سنة 1930م ليغادرها للسكن في منطقة عالي.

سكنه

وعن سر اختيار الشيخ خلف المنامة في سكناه الأول قبل نفيه للعراق، بينما اختار منطقة عالي في المرة الثانية، قال القصاب «اختار الشيخ خلف الإقامة في المنامة في المرة الأولى لتوليه منصب قاضي القضاة الجعفرية، بما يشير إلى أنه كان يهدف لمرحلة تأسيس قيادة الشيعة في البحرين، أما في المرة الثانية فقد اختار الإقامة في عالي ليكون في وسط البحارنة، بسبب غضبه على نظام بلغريف. فكانت فكرة الشيخ خلف من إقامته في عالي التي تتوسط بين القرى لأنها مناطق مستهدفة في ناسها وأراضيها حيث تتعرض للسلب والنهب واغتصاب الأراضي الزراعية من أصحابها من دون وجه حق».

وحول نفي الشيخ خلف مرة ثانية للعراق ووفاته فيها أشار خلف إلى أن التفاف الناس حول الشيخ الذي وجدوا فيه الزعامة الدينية الدنيوية والمحامي والمدافع عنهم والمنقذ لهم مما جعل بلغريف يستشعر الخطر المحدق والتأثير المتعاظم للشيخ خلف، فتم التخطيط لإبعاده من وسط القرى فبعثوا له بوفـد لإقناعه بالقـدوم إلى المنامة واستلام منصب قاضي القضاة «الجعفري»، إلا أنه رفض رفضاً قاطعاً المنصب والعودة للعاصمة والتخلي عن الناس والدفاع عنهم. بعدها عمد بلغريف إلى تأليب الرأي العام على الشيخ خلف عبر عريضة تطالب بإبعاده عن البلد، واتهامه بأنه هو وراء الأحداث السياسية والفوضى التي تعم البلاد، بعدها قام بلغريف يلح عليه بمغادرة البحرين وأخذ بمضايقته وتهديده وتشديد الخناق عليه فطلب الشيخ خلف بأن يعطى فرصة لينهي ما في عهدته من قضايا وأمانات، ولكن بلغريف ذهب بنفسه إلى الشيخ خلف ووقف على باب مجلسه وأخذ يصيح عليه: ألم نطلب منك مغادرة البلاد فوراً؟ عندها استشاط الشيخ خلف غضباً للتصرف العنجهي من بلغريف ورد عليه برد قاس وجاف وقال له «لا أنت ولا حكومتك بريطانيا تستطيع إخراجي من بلدي وأنا سأخرج بإرادتي».

وتابع القصاب «لما عرف أهالي القرى بالواقعة هبوا للدفاع عن الشيخ خلف وحملوا السلاح مهددين كل من يحاول أن يمس الشيخ بسوء، عندها تدخل الشيخ خلف بعدما رأى تطور الأمور وتصاعدها مخافة أن تنفجر الأوضاع بما لا تحمد عقباه وحقناً للدماء عزم على الرحيل».

هذه المرة الثانية التي ينفى فيها من بلده ويتجه إلى العراق والإقامة في كربلاء المقدسة مجاوراً ضريح الإمام الحسين، وفي ليلة الخامس والعشرين من رمضان سنة 1355 الموافق 9 ديسمبر/ كانون الأول 1936 كان في صحن الإمام الحسين يتهجد بالدعاء وكان يعاني من حمى شديدة فاضت روحه الطاهرة، فعلم بذلك أحد العلماء وهو السيد أصلان الذي سارع هو وبعض العاملين وطلاب العلم إلى غسله وتكفينه ودفنه عند أحد أبواب الصحن الشريف، وفي اليوم الثاني عندما انتشر الخبر في كربلاء استاء جمع غفير من العلماء البارزين من سرعة تصرف ذلك السيد الذي سارع بدفن الشيخ ولم يتريث لكي يشيع تشييعاً مهيباً يليق بمقام الشيخ خلف العصفور ومكانته وقدره، وقوطع ذلك السيد حتى آخر حياته.

وختم القصاب محاضرته بقوله «وفي البحرين وتخليداً لذكرى الشيخ خلف العصفور أطلق اسمه على أحد شوارع المنامة وهو الممتد من مأتم الصفافير غرباً إلى الحورة شرقاً، كما أطلق على الشارع الذي يقع عليه منزله في كربلاء اسم شارع الشيخ خلف العصفور».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1033868.html