صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4834 | الثلثاء 01 ديسمبر 2015م الموافق 07 جمادى الأولى 1444هـ

إسقاط «سوخوي 24»: هل هي مغامرة أم خطة مدروسة؟

الكاتب: منى عباس فضل - comments@alwasatnews.com

قبل أسبوع أسقط الجيش التركي طائرة روسية من نوع «سوخوي 24»، وكان للفعل تداعياته السياسية والعسكرية في سياق الاحتراب والعنف المتصاعد بالمنطقة. ترى هل كان الحدث مغامرة تركية أم خطة مدروسة؟ وما هي تداعياته وانعكاساته على موازين القوى والأطراف المتنازعة؟

بداية وفي مقاربة موازين القوى حسب الخبراء، روسيا تتفرد بمزايا في منظومتها العسكرية وامتلاكها لتصاميم وتقنيات متطورة في مجال الطيران ناهيك عن منظومة حرب إلكترونية كـ «كراسوخا-4» المتميزة بقدرتها على شل وإبطال رادارات العدو واكتشاف أهدافه الجوية عن بعد 300 كلم، ما يعني أن الحدث وضع هيبة روسيا السياسية وقوتها العسكرية على المحك، خصوصاً مع شعورها بالخيانة و «الطعن في الظهر» تماماً كما عبر الرئيس «فلاديمير بوتين».

غضب واستنفار روسي

صحيح روسيا ليست في وارد المغامرة والاندفاع باتجاه حرب عالمية مفتوحة لا يرغبها أي طرف، إلا أن الصحيح أيضاً أنها لاتزال غاضبة لما تعرضت إليه صورتها ومكانتها في الداخل والخارج. الغضب عبر عنه متحدث من الكرملين قائلاً «إن تصرف سلاح الجو التركي «جنون مطبق»، وإن تعامل أنقرة مع الأزمة ذكره «بمسرح العبث»، منوهاً أن لا أحد يملك الحق في إسقاط طائرة روسية غدراً من الخلف.

ثمة تحدٍّ واستنفار مباشر أفرزه الحدث، دفع بروسيا لاتخاذ إجراءات تصعيدية وعقوبات اقتصادية وصفت بالانتقامية والتي على ما يبدو جاءت مدروسة بعناية كرد فعل مباشر وسريع على التهديد التركي، ولاسيما في القطاع السياحي والعسكري المتوقع أن يؤثر على ميزان القوى في ميدان الحرب علاوة عن خيارات أخرى مفتوحة لم يفصح عنها بعد.

من حيث الاقتصاد، لم يتوانَ «بوتين» عن ممارسة صلاحياته بتوقيع نص مرسوم يعيد العمل بالتأشيرات بين موسكو وتركيا والذي سينفذ بداية 2016، كذلك حظر وتوقيف رحلات الطيران السياحي بينهما، ومنع رجال الأعمال الروس من توظيف الأتراك، في السياق أشار موقع الكرملين الإلكتروني «بأن تلك الإجراءات ستؤثر عاجلاً أم آجلاً على الواردات الصناعية والزراعية التركية والعمليات التجارية لشركاتها في روسيا، مصادر إعلامية أخرى تتوقع وصول خسائر تركيا إلى «50 مليار دولار» سنوياً إن توقف تصدير الغاز الروسي الذي يمثل «60 في المئة» من احتياجات تركيا، ما يعني خسائر في عائدات الأخيرة، يضاف إليها خسائر صادراتها الزراعية بنحو «4 مليارات دولار سنوياً» ويقدر انكماش السياحة بـ «36 مليار دولار».

أما لجهة الإجراءات العسكرية، فالدلائل تشير إلى توسعة الوجود الروسي العسكري في سورية من خلال نصب منظومة صواريخ متطورة من طراز «إس-300» و «إس-400»، والهدف طبعاً تطويق النفوذ التركي داخل الأراضي السورية والتأثير على مسار العمليات القتالية في الشمال، وبالتالي ضرب خطوط إمدادات الدعم التركية لفصائل المعارضة المسلحة وضعضعة قوتها التفاوضية، لم تكتفِ بذلك فهددت بوضوح وصراحة عن تصديها لأي تهديد جوي يمس نشاطها في سورية، كما لم تتردد في مطالبة الأتراك بإغلاق حدودهم مع سورية، والسؤال الذي يتردد الآن هل ستكتفي روسيا بالعقوبات الاقتصادية التي تلحق بها الضرر أيضاً؟ الجواب، لا.

مغامرة من يسدد ثمنها؟

عودة على بدء، للإجابة عن السؤال فيما إذا كان إسقاط الطائرة مغامرة تركية أم خطة مدروسة؟ في الحقيقة تتعدد الترجيحات، فمن قائل إن الحدث تم بالتنسيق مع واشنطن كمقدمة لإنشاء منطقة حظر الطيران شمال سورية، وهناك من اعتبرها مغامرة لم تقدر تبعاتها وهي ببعدين، أولهما من طرف «الحكومة» التي أرادت توجيه ضربة معنوية «لروسيا» باستهداف فخر صناعتها الحربية، واستنزاف جهودها الدبلوماسية والعسكرية للقضاء على الإرهاب وتحقيق حل سياسي للأزمة واستدراجها لتجاوز الميدان السوري هذا من جانب، ومن جانب آخر فرض الأمر الواقع على «حلف الناتو» لقبول خطة «أردوغان» بإقامة منطقة عازلة، أما المغامرة الأخرى فهي من طرف «الجيش» لتصفية حساباته مع النظام، وخصوصاً بعد تسريبه أنباء بأن إسقاط الطائرة جاء على خلفية تعليمات مسبقة وأكيدة من الحكومة، وأنه التزم بقواعد الاشتباك والتعليمات المعطاة له، وعليه فالقيادة السياسية تتحمل نتائج قرارها، ولاسيما بعد محاولات من القيادة السياسية تتهم فيها «عناصر» من الجيش بافتعال الأزمة مع روسيا بهدف إحراج «أردوغان».

بشكل عام الآراء التي رجحت فرضية المغامرة، أجمعت أن «أردوغان» أقدم على خطوة خطيرة متهورة ستسدد تركيا ثمنها غالياً حسب مسئول تركي، فيما اعتبرها محللون سياسيون نقلة استراتيجية في إعادة تموضع تركيا في الأزمة السورية والإقليمية، وخصوصاً أن إسقاط الطائرة تسبب في رفع التوتر وحدة لغة «أردوغان» حين اتهم روسيا بـ «المكر واللعب بالنار» وأن إسقاط الطائرة كان رد فعل تلقائياً لانتهاك مجالهم الجوي، كما وصف انتقادات «بوتين» بأنها «غير مقبولة»، وأن «روسيا ملزمة بإثبات ادعاءاتها وإلا ستعتبر كاذبة.

استدراك فات أوانه

إلى هنا تراجع الخطاب الرسمي التركي فجأة مستدركاً وباحثاً عن تبريرات لما حدث، ولاسيما مع صمت حلفائه أو خفوت تضامنهم الذي عبرت عنه مجلة «الايكونومست» البريطانية في نقدها لتركيا فكتبت «كان يمكن تجاوز اسقاط الطائرة لأن تجنب التصعيد هو الجزء السهل، وكان الأجدى التحلي بضبط النفس، تركيا بحاجة لأن تفهم أنه مثلما تحظى بدعم حلفائها في الناتو، فإن عليها مسئوليات تجاههم، ولأن الخطوات الانفعالية تعرقل حملة محاربة الدولة الإسلامية، وإنها لو كانت جادة في رغبتها التخلص من الأسد، فسبيلها الوحيد هو العمل مع روسيا وليس محاربتها، وخصوصاً أن تركيا تعيق الحملة ضد داعش لأن أولويتها ضرب الأكراد والإطاحة بالأسد بدلاً من سحق الإرهابيين، كما أنها فشلت في وقف تدفق نفط داعش خارج سورية، وكذلك الأموال والمجندين إليها».

تراجع تركيا واستدراكها لنتائج ما حدث جاء بعد خطابات رئيسها النارية والانفعالية وتهديده لمن يتجرأ على اختراق الحدود التركية، ليعود ويعبر عن «حزنه لاسقاط الطائرة، والتمنى بعدم تكرار الواقعة، وعودة الأمور لمجاريها، وإنهم لم يكونوا ليصعدوا الأمور، بل المحافظة على سلام المنطقة والعالم، لافتاً لإمكانية حل المشاكل بالطرق الدبلوماسية، وآملاً في لقاء «بوتين» على هامش قمة المناخ في باريس، برغم تجاهل الأخير لمحاولاته الاتصال هاتفياً بسبب رفض أنقرة الاعتذار، كما صرح نائب رئيس وزرائه بشيء من الندم «إن اسقاط الطائرة لم يكن متعمداً، ولم نعلم أنها طائرة روسية»، ومع الوضع المربك فإن ذلك لم يمنعهم من تأكيد المضي في المهمات الجوية مع الحلفاء لضرب «داعش» في سورية.

الخلاصة، على رغم الاستدراك التركي واتجاه الناتو نحو التهدئة واحتواء الأزمة، إلا أن باب الخيارات يبقى مفتوحاً أمام الروس للمزيد في رد الطعنة التركية وبطرق عسكرية واقتصادية وأمنية قد يخترق فيها الأمن التركي من خلال «حزب العمال الكردستاني»، كما ستستغل الحدث في تقوية أوراقها التفاوضية ومطالبها المتعلقة بحل الأزمة السورية، ناهيك عن تكثيف وضعها العسكري النوعي في المنطقة.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1052120.html